قراءة في الانتفاضة السورية

مقدمة

شهدت سورية بعد استقلالها عام 1946 انقلاباتٍ وحراكاتٍ سياسيةً كثيرة، إلا أنها كانت في معظمها مجرّد تنافسٍ على السلطة دون أن يدعمها أو يرافقها أي زخمٍ شعبيٍ واسع. حيث بقيت محصورةً بطموح العسكر وتنافسهم، أو أسيرةً لإيديولوجيات معينة، أو انعكاساً لتجاذبات المصالح الإقليمية، وتأثيرات الحرب الباردة.

لكن ما يجتاح سورية منذ منتصف آذار الماضي حالة استثنائية وغير مسبوقة، إذ يمكننا القول بأننا شهودٌ على فصول أول انتفاضةٍ شعبيةٍ في تاريخ سورية المعاصر بعد استقلالها. ويستحق منا مثل هذا الحدث العظيم أن نقف عنده، لنتساءل عن الأسباب التي أدّت إلى تشكّله، وانطلاقه، ونحلّلها بنظرةٍ نقدية مما قد يسعفنا في تشخيص مكامن القوة والضعف، والإشارة إلى المطبات والعثرات إن وجدت، وتوقع مآلات الانتفاضة السورية والمسارات التي ستفضي إليها، مع التوقف عند إمكانية الاستثمار فيها علّها تكون مقدمةً لنهضةٍ شاملة.

في الأسباب المباشرة للانتفاضة السورية:

لعله من البديهي أن نردّ الانتفاضة السورية إلى أسبابٍ مباشرة شكّلت صورةً للمشهد السوري العام خلال العقد الماضي، واختلط فيها الاقتصادي، بالسياسي، بالاجتماعي. فقد طغى على الوضع الاقتصادي خلال السنين الماضية انفصامٌ بين موروثٍ اشتراكيٍ مشوّه، ورأسماليةٍ غابت فيها قواعد التنافس النزيه، وأضحى الاقتصاد ضحية للمغامرين، ورهينةً بيد ثلّة من المنتفعين، مما جرّ البلاد إلى تآكل اقتصادي مستمر، وإلى حالةٍ مؤلمةٍ من التوزيع غير العادل للثروة، وإلى مستويات مؤسفة من البطالة والفقر.

كما وصل النظام السياسي في سورية إلى وضعٍ مترهلٍ أضحى به عاجزاً عن الانعتاق من التغول الأمني وإعادة تشكيل نفسه وفق ما تقتضيه المتغيرات الداخلية والخارجية، خاصة بعد أن اغتيلت الإيديولوجيا-الحلم وتحوّل حزب البعث من حاملٍ معنويّ للنظام إلى ورقة توتٍ تستر عورته. ومع أن النظام كان قد ولد مترهلاً، إلا أنّ هذا قد بدا بشكلٍ صارخٍ خلال العقد المنصرم في توريث السلطة والتضحية بالقيم النظرية “للجمهورية”، التي لم تكن مطروحة على المستوى العملي أصلاً، وإجهاض المحاولات الخجولة للنهوض بالمجتمع المدني، وتغلغل الفساد إلى درجاتٍ مرعبة، وتهميش مؤسسات الدولة على حساب أهواء المتنفذين وأصحاب المصالح والمحسوبيات، والتماهي المستنكر بين الدولة والنظام والذي كان استمراراً وترسيخاً لتقليدٍ صاحَبَ المشهد السوري عبر عقود.

وشكلت هذه البنية السياسية الخشبية سقفاً مصمتاً أوقف كل ما تم إطلاقه من مبادرات، ومناورات إصلاحية، وحملات للتطوير والتحديث، أو لمكافحة الفساد وحوّلها إلى عبارات مجوّفة لذرّ الرماد في العيون دون أن تحدث أيّ تغيير جذريّ يذكر على أرض الواقع.

وقد دعم النظام الاستبدادي ممارساته بإرثٍ قمعيٍ ممنهج، وثقافة خوفٍ مترسخة، ولعب على التناقضات المجتمعية، وتحالف مع رأس المال المنتفع، ومع طبقةٍ دينيةٍ تمجد السكينة والخضوع، وعمد في السنوات الأخيرة إلى تطعيم ما سبق بعددٍ من الشخصيات المتنورة التي تلمّع صورة النظام في الخارج، مع أنها لا تملك حقيقةً أي قوةٍ لصناعة القرار.

وقد أنتج هذا الوضع الاستبدادي في سورية بانعكاسته المختلفة تغييباً لمبدأ “سيادة القانون”، وترسيخاً للاستخفاف بالقانون، وارتهاناً للسلطة القضائية وتبعيتها للمستبد. ممّا شكّل (ويشكّل) نسفاً لمشروعية السلطة، سواء أتمّت مقاربة هذه المشروعية حسب المفاهيم النفعية، أم اعتماداً على تنظير العقد الاجتماعي. وغابت بالنتيجة العدالة، وغدا المواطنون غير متساوين ضمن حدود الوطن الذي ينتمون إليه.

وقد كان لذلك أثرٌ اجتماعيٌ متمثلٌ بحالةٍ مستشريةٍ من “العبودية المقنّعة”؛ حيث يعتقد المُسْتَبَدّ بهم أنهم أحرارٌ غير معتقلين، ولا يدركون أنهم أسارى ومكبّلون بسبب حصرهم في بُنىً معرفيةٍ وفكريةٍ مشوهة تستند إلى شعاراتٍ مجوّفةٍ ومكرّرة.

وباندفاعٍ وراء غريزة البقاء تميل العبودية المقنعة، في ظل الاستبداد، إلى تطوير “عقليةٍ ذات وعيٍ مغلوط” قنوع بحالة “الأمان الكاذب”. ويرسخ هذا الوعي المغلوط “العبودية المقنعة” على مستوى الفرد/”العبد”، الذي يتحول إلى كائنٍ منفعلٍ ومنكسرٍ ومجردٍ من القدرة على الإبداع. ونشهد الأمر عينه على مستوى مجتمع الأفراد/”العبيد” الذي يتشظى متحولاً إلى كتلٍ مجتمعيةٍ مغلقة، ومتنافرة، يكون الانتماء فيها إلى الـ”نحن” منسلخاً عن المرجعية الوطنية. وتعمد “العقلية ذات الوعي المغلوط” إلى مقاربة العالم عن طريق نماذج ثنائية تعتمد على منطق العصور الوسطى، إنْ على مستوى الفرد/”العبد” أو على مستوى الأفراد/”العبيد”. (مثال: ديني مقابل علماني، أكثرية مقابل أقلية، ريف مقابل مدينة، طائفة 1 مقابل طائفة 2، إلخ). أي يغدو الحديث الثنائي عن “نحن” و”هم” ضمن الجسد الواحد هو القاعدة وليس الاستثناء، مع ما يستتبع ذلك من إعلاءٍ من ثقافة التمايز، واغتيال بطيءٍ وتدريجيٍ للقيم الإنسانية الجامعة، وتغييبٍ لمفاهيم المواطنة والانتماء إلى الكل/الوطن الذي يتحول إلى مجرد شعارٍ للاستهلاك الدعائي، وأداةً بيد الاستبداد للتباكي على السيادة.

ويترافق كل ذلك مع تفريغ مجتمع الأفراد/”العبيد” المتشظي من أدنى اهتمامٍ بالشأن العام (وكمثال: السياسة)، مع تركيزٍ مفرطٍ على الشأن الخاص الذي يمجد الأنانية. وتبرز قبالة كل هذا مفاهيم الاستقواء بالغيبي كردة فعلٍ على الظلم والتهميش، وكأدواتٍ لخطابٍ تنفيسيٍ يبرر حالة التردي، أو يخلق حالةً من القناعة بالحالة القائمة.

وقد سرع من ظهور الحراك الشعبي حالة الانفتاح المشوه التي قام بها النظام منذ نهاية تسعينات القرن الماضي ممّا سمح بإدخال مفرزات العصر الحداثي، وما بعد الحداثي (من انترنت وصحافة الكترونية وإعلام عربي وأجنبي مستقلّ وشبكات الهواتف النقالة) ووضعها أمام الجيل الشاب في سورية. وكانت هذه المفرزات، على هشاشتها، كفيلةً مع عوامل أخرى، كمستوى التعليم والانفتاح، بإحداث غليانٍ شبابيٍ خفي وانشطارٍ على مستوى الوعي الجمعي للأجيال: جيل الآباء المنكسر والمستكين الذي كان ضحية الحلم الإيديولوجي، والذي غدا يقف في قطبٍ معاكسٍ لجيل الشباب الذي ترعرع في زمن اغتيال الإيديولوجيا وموت الحلم، والذي بات متطلعاً إلى حياةٍ أفضل يحقق فيها طموحاته. ويلتقي هذا الطرح مع تسمية التسونامي الشبابي التي قدم لها الأستاذ سمير العيطة في أكثر من مناسبة.

في جذور الحالة السورية وتحديات الانتفاضة:

لا يخفى أن كل ما سبق لا يعدو كونه عرضاً مختصراً للأسباب المباشرة للانتفاضة السورية. لكن استيعاب منشأ هذه الانتفاضة لا يجوز أن يقتصر على قراءةٍ وتحليلٍ بسيطين لسببياتها المباشرة. إذ يستحق منا هذا الحدث العظيم أن نغوص بعيداً عن صخب الحدث اليومي، وننطلق لننقب في الجذور التي مهدت للانتفاضة السورية الحالية. وهنا لا بدّ لمثل هذا التنقيب عن جذور الانتفاضة أن يفضي بنا إلى الجذور التي أسست للاستبداد في بادئ الأمر، وعن الأسباب التي دفعت بهذا الاستبداد، بعد تأسيسه، لأن يبقى جاثماً على صدور السوريين لعقود، وعن الأسباب التي دعت إلى تمجيد الاستبداد بعد أن غدا جاثماً على صدورنا.

نجد لزاماً علينا، كي نستوعب كل ما سبق، أن نعرّج على ما يسمى بتاريخية الحالة السورية، وأن نخضع هذه التاريخية إلى فحصٍ وتحليلٍ دقيقين. ويقصد بالتاريخية مجموع الظروف والسياقات الفكرية المجتمعية الثقافية التي شكلت البيئة المناسبة لنشوء واستمرار وتطور أي ظاهرة اجتماعية. وفي هذا الإطار لا يجب أن نقف فقط عند حدود “التاريخية المحسوسة” التي تربط الحالة السورية بالمشهد السوري ممثلاً بالانتفاضة، أو بسياق الربيع العربي، أو بالأحداث والمتغيرات السياسية والاقتصادية المعاصرة على الساحات الإقليمية والدولية. بل لا بد أن نتعدى نطاق “التاريخية المحسوسة” لنخوض غمار “التاريخية العريضة” التي تحلق خارج حدود الوعي المعاش لتعود بنا إلى الجذور البعيدة، وتتجاوز الحيز الزماني/المكاني التقليدي والملموس لتمحص في الأصول، والأدوات، والمناهج العقلية والمعرفية والفكرية.

ستقودنا مقاربةٌ متأنيةٌ ومتفحصةٌ لتاريخية الحالة السوري إلى الكشف عن عدد من العناصر النشطة التي كانت، وما فتئت، تتفاعل مستترةً تحت الرماد، ليس فقط في العقود الماضية بل على مدى عدة قرونٍ من الوجود المجتمعي. وقد أدى هذا التفاعل المستتر في مجموعه، وكنتيجة ملموسة أولاً وقبل كل شيء، إلى تغليب الاستبداد لفترةٍ تزيد على أربعة عقود من الزمان.

تبدأ هذه العناصر بالصراع الثانوي الذي يدور حول عدد من المفاهيم كطبيعة الذات السورية، وسؤال الهوية السورية، وجدل الانتماء إلى سورية، وعدم التصالح مع مفهوم الدولة السورية الحديثة-الوطن السوري. ولعله من الملحوظ أن كل المفاهيم المنضوية تحت مظلة هذا الصراع الثانوي تمارس نشاطها ضمن الفضاء السوري.

ويمكن رؤية هذا الصراع الثانوي كجانبٍ من جوانب صراعٍ أولي ذي امتداداتٍ فكريةٍ عابرةٍ للحدود والأقوام، وغير مقتصر أو محدود في الفضاء السوري. ويصاحب هذا الصراع الأولي حضورٌ مميزٌ للمكونات الثنائية والتي أذكر مثالاً عليها: “الموروث” و”الحداثة”، “إيديولوجيا الحلم في الماضي” و”إيديولوجيا الحلم في المستقبل”، بين “الإيديولوجيا” و”اللا إيديولوجيا”، بين “مفاهيم الفكر الديني المقدس” و”مفاهيم الفكر الدنيوي اللاديني”، بين “المظهر” و”الجوهر”، وبين “الحقيقة كما هي” و”الحقيقة كما يجب أن تكون”.

ويرسخ الصراع الأولي المذكور الصورة النمطية لـ “نحن” ككينونة منفصلة ومغايرة “للآخر”. مع الإشارة إلى أنه في مجتمع الأفراد/”العبيد” فإن “نحن” -بحد ذاتها-، ونتيجة للاستبداد، لا تشكل كلاً واحداً بل هي كينونةٌ متشظيةٌ، ومنقسمةٌ على نفسها، ومتنافرةٌ، وغير متجانسة مع أجزائها. ومع التأكيد على أن “الآخر” -بحد ذاته- ليس بالضرورة أجنبياً غريباً منتمياً إلى الخارج، كما أنه ليس على لونٍ واحد، أو صيغةٍ واحدة، أو بنية ثابتة.

ويغذي هذين الصراعين “أدواتٌ” منهجية ومعرفية متراكبة تتبناها العقلية المثقلة بنماذجها الجاهزة، والمفترضة، والموروثة على مدى أجيال على المستوى الفردي والجمعي. وإذا ما أردنا أن نقف عند هذه العقلية لوجدنا أنها عقليةٌ مؤطرةٌ ومجهضةٌ من الناحية الإبداعية خاصةً على المستوى الجمعي، وبشكلٍ يتناقض مع طبيعتها الخلاقة والمبدعة على المستوى الفردي. كما أن هذه العقلية غير متجانسةٍ، مما يعكس خصوصيةً تميز ثراء المجتمع السوري. ومع أن لهذه العقلية مرجعياتٌ ثقافيةٌ متعددةٌ ذات أبعادٍ دينيةٍ، وقوميةٍ، ومناطقية إلخ، إلا أننا نشهد بروزاً للأبعاد العربية الإسلامية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن “الأبعاد العربية الإسلامية” في هذا السياق ما هي إلا تعبيرٌ عن حالةٍ ومرجعيةٍ ثقافيةٍ معرفية، ولا تعكس بالضرورة مرجعيةً قوميةً أو دينيةً بالمطلق، إنْ من ناحية الاقتناع، أو الاعتناق، أو الأثر.

وهنا يجوز لنا الحديث عن “عقليات” عوضاً عن عقليةٍ واحدةٍ جامعةٍ بسبب التنوع الشديد في المرجعيات الثقافية. ومع أن وجود وتنوع “العقليات” ظاهرةٌ معروفةٌ في المجتمعات الإنسانية، إلا أن الحالة السورية تقدم مثالاً صارخاً عن العقليات ذات النشاطات الحية والمستمرة والمتقاطعة والتي تلقي بظلالها على مفاهيم السلطة والسيادة وغيرها من مفاهيم الشأن السياسي. حيث تفرز كل عقليةٍ من هذه العقليات وعياً خاصاً بها له نماذجه، وذهنيته، وخطابه، وممارسته. ويغذي كل هذا في مجموعه الصراع الأولي، ليخلق حالة من الانتقاص أو التضخيم أو التبجيل أو التشويه أو التشويش على مكونات الصراع الثانوي. ويتجلى كل ذلك كفضاءٍ مضطربٍ، تموج فيه التناقضات المعرفية ذات الأبعاد الدينية والطائفية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية إلخ، ضمن الحدود الجغرافية السياسية للكيان السوري. 

وبأخذ الأسباب المباشرة وتاريخية الحالة السورية (التاريخية المحسوسة والعريضة) بكل عناصرها بعين الاعتبار، يتبدى لنا أن انطلاق الانتفاضة السورية، واستمرارها، وتجددها نتيجةٌ متوقعةٌ لحركة التاريخ والمجتمع وتناقضاته. وسيستمر التفاعل بين هذه العناصر مع مسير الانتفاضة بشكلٍ مستترٍ للعيان، حتى أن الانتفاضة ذاتها لن تكون واعيةً لهذه العناصر الأساسية التي ساهمت في تشكلها من حيث كونها جذوراً لها!

ولكن هل من الضرورة أن تعي الانتفاضة هذا؟ وهل من العدل أن نطالب الوعي الجمعي للانتفاضة بأن ينفذ إلى ما وراء الحدث، ويحلل الجذور ويستخلص منها دروساً وعبر؟ في الحقيقة ليس مطلوباً من الانتفاضة أن تعي، في المرحلة الراهنة، هذه التفاصيل التي سبق وذكرت. فهذه مهمةٌ ملقاةٌ على عاتق من يحمل لصاقة “المثقف” أو يقدم نفسه على أنه مشتغلٌ في الشأن العام، سواءٌ أكان ذاك بحقٍ أم على سبيل التباهي. وينقلنا هذا الافتراض إلى أن نناقش مآلات الثورة السورية وما ستتمخض عنه من تحولاتٍ وتغييرات. 

مآلات الانتفاضة السورية: تساؤلات مشروعة:

لن أقف كثيراً عند فكرة زوال النظام لسببين رئيسيين. أولهما هو أن زوال نظم الاستبداد حتمية تاريخية ومنطقية لا يمكن الهروب منها مهما طال الزمن، مع كل ما يمارسه البعض من فعل الإنكار والانفصال عن الواقع. وثانيهما أن ربط الانتفاضة بقضية حتمية فيه تقزيم لها، واختزال للأهمية التاريخية والثقافية التي تحملها أو تبشر بها، والتي نأمل منها أن تصل إلى حالة من العمق تتجاوز قضايا الصراع على السلطة.

وعليه أؤكد أن ما يهمنا هو التأثيرات البعيدة للانتفاضة السورية الحالية التي لا يجب أن تقتصر فقط على الجانب السياسي، أو تنادي فقط بإسقاط النظام، أو تلهث فقط وراء الحريات السياسية. بل أن تتعدى كل ذلك لتكون ثورة مجتمعٍ وقيمٍ تسعى نحو الحرية بمفهومها الواسع، وبمرتكزاتها الفلسفية، والأخلاقية، والقانونية، بالإضافة إلى السياسية. وهذه نقطة تتوافق مع ما فتئ الأستاذ لؤي حسين وزملاؤه يؤكدون عليه في أدبيات تيار بناء الدولة السورية، ومع ما طرحه الأستاذ ميشيل كيلو مؤخراً في معرض نقاشه لمفهوم “الانتفاضة/التمرد” مقابل “الثورة”.

بيت القصيد إذن هو موضوعٌ شائكٌ يستقصي العلاقة بين الانتفاضة الشعبية السورية، الموضوعة في سياق الربيع العربي، وبين “نهضة” يمكن لها أن تجتاح عالمنا العربي عموماً، والسوري على وجه مخصوص.

ومرة أخرى نحيل للتاريخ، لنقع على أن تاريخنا كان قد شهد حراكاً نهضوياً يمكن وضعه في سياق نهضتين: امتدت النهضة الأولى بين القرنين السابع حتى الحادي عشر، في حين امتدت النهضة الثانية من نهايات القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين. وكما هو معلوم، لم يكتب للنهضة الأولى أن تعيش، في حين واجهت النهضة الثانية ظروفاً مستجدة، ومتغيراتٍ متسارعة جعلت من الحكم عليها في ضوء ما نشهده في غاية من الصعوبة والتعقيد. وهنا أسجل الأسئلة التالية على هامش الحراك الشعبي في سورية:

السؤال الأول: أترانا نعيش إرهاصات وبدايات “نهضة” (سواء اعتبرناها نهضة جديدة ثالثة، أو استمراراً للنهضة الثانية التي ما زالت أحداثها تتفاعل)؟
السؤال الثاني: هل ستقدر هذه الإرهاصات على التحول إلى “نهضة حقيقية” تمهد لعصر تنوير وازدهار؟ أم أنها ستفشل في الاستمرار على شاكلة ما حدث مع النهضة الأولى؟
السؤال الثالث: كيف نضمن توجيه الحراك الشعبي الحالي ليكون بمثابة قوةٍ تمهد لنهضةٍ موعودة؟
في الحقيقة، لا يمكن ادعاء النهضة من خلال ادعاء تسميتها، بل من خلال إخضاع منتجاتها وتفاعلاتها وآثارها إلى مبضع القراءة والنقد والتحليل. كما لا يمكن الحكم على النهضة من داخلها، فالنهضة ليست بحدثٍ تاريخي محدود، بل ظاهرةٌ ثورية، وسيرورةٌ مستمرة، وسلسلةٌ مترابطةٌ من الأحداث التي تخلق تغييراً جذرياً في النظرة نحو الذات، ونحو ما هو خارج الذات، سواءٌ أكانت تلك الذات قد تجلّت على مستوى الفرد أم على مستوى المجتمع. ولعلي لا أبالغ، في ضوء ما تقدم، إنْ تركت السؤالين الأولين ليجيب عنهما أحفادنا ومن سيأتي بعدهم بعد عقودٍ من الزمان.

أما فيما يتصل بالسؤال الثالث فالإجابة عليه ممكنة، ولكنها متعلقةٌ بمبلغ الإعداد لها من قِبَل كل من لديه القدرة على المساهمة. إذ سنشهد في مرحلة ما بعد الانتفاضة تحولاً في العناصر التي كانت جذوراً غذّت الحالة السورية بشكل عام، والانتفاضة بشكل خاص، لتغدو تحدياتٍ حقيقيةً وأسئلةً إشكاليةً ترافقنا وتواجهنا. وستنتقل الأسباب المباشرة وتقاطعاتها مع مكونات الصراع الثانوي من حالتها المستترة، التي أسهمت في اللاوعي بتحريك حالة الغليان الشعبي، إلى حالةٍ ظاهرةٍ تُطْرَح فيها على العلن بشكلٍ واعٍ للمناقشة والمجادلة. وستغدو الأسئلة التي تبثها مكونات الصراع الأولي أكثر وضوحاً وحضوراً وأكثر إلحاحاً على تحصيل الإجابات والحلول. وستدفع بنا هذه التحديات والإشكاليات إلى التمحيص في تجاربنا السابقة لسبر نقاط ضعفها ومكامن سقطاتها والإفادة منها إن للإفادة منها من مكان.

((وهنا لا بد من خلق فضاءٍ تكون الحرية فيه هي “الأداة” و”المبتغى”، أي خلق فضاءٍ حرٍ يكفل الحرية في سعينا نحو هذه الحرية”! حريةٌ حرةٌ غير أسيرة، وغير محددةٍ ومقيدةٍ في أطرٍ جاهزة، وغير مكبلةٍ أو موجهةٍ تجاه أهدافٍ مسبقةٍ ومعدةٍ سلفاً)).

وستمنحنا هذه الحرية الشجاعة للاعتراف بوجود “تاريخنا الآخر” بمفاهيمه البائدة والسوداء، والجرأة على إحداث قطيعة مع هذا “التاريخ الآخر” على مستوى الممارسة اللاواعية أو الاستحضار الوردي. فالاستبداد الحالي ما هو إلا منتجٌ لاستبدادٍ سابقٍ، ونتيجةٌ تراكميةٌ لتاريخٍ عريقٍ من الاستبداد.

كما ستسمح هذه الحرية بإدراك التحديات والتساؤلات التي ستواجهنا بكل أبعادها، وتعقيداتها، وتقاطعاتها، لتطرحها إلى العلن بعد أن تبدع بناها وأدواتها المعرفية اللازمة. وسيضمن ذلك حراكاً فكرياً وسياسياً فعالاً يشكل حالةً إبداعيةً وخلاقة تعبر عن ذاتها دون قيودٍ “موروثةٍ” أو “مستوردة”، وتتجاوز ما طرحه الراحل محمد أركون حول مفاهيم (اللامفكر به)، و(المستحيل التفكير به)، وما سبق وطرحته في عملٍ غير منشور وسميته (خارج نطاق التفكير كلياً).

وبعد الأخذ بكل هذه الأمور، سنشرع بالإجابة عن السؤال الثالث من خلال تتبع النتائج والتغييرات التي ستفرزها وتحدثها الانتفاضة الحالية وما سيأتي بعدها من انتفاضات! وأقول “انتفاضات” لأن التغيير النهضوي الجذري والشامل في سورية لن يأتي بسهولة، ولن يتحقق بمجرد إسقاط النظام الحالي، ولن يكون مرهوناً بانتفاضةٍ واحدة. ولعلي لا أبالغ إن قلت أن سورية بحاجةٍ إلى حراكٍ ثوريٍ يقوم على سلسلةٍ من الانتفاضات التي قد تمتدّ لسنين، إن لم نقل عقودا.

ما أشبه الانتفاضة الشعبية الحالية بالزلزال العظيم الأول، الذي يهزّ الكيان السوري، ويحرك مياهه الراكدة، ليخلق فضاءً مبدئياً تكون فيه الحرية التي أشرنا إليها، بمفهومها “الواسع” و”الحرّ”، ومن حيث كونها “أداة” و”مبتغى”، الضامن ومفتاح النجاح للمسير نحو سورية العظيمة. سيظهر “الآباء المؤسسون” من جديد على المسرح الوطني السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفكري، وسينعمون بآثار الحرية المذكورة، وعلى عاتقهم، وتحت رقابة الجماهير التي نأمل أنها قد ودعت الصمت وإلى الأبد، سيمكن لنا أن نعلن عن ميلاد/استكمال مشروع النهضة التي نحلم بها في سورية الغد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق