قراءة في السجال حول مقالة “قضية محمد حجازي….” لياسين الحاج صالح

حظيت مقالة “قضية محمد حجازي…” لياسين الحاج صالح، بما تستحقه من اهتمام، وأثارت سجالاً واسعاً نسبياً في الميدان الثقافي – السياسي في سوريا. في سوريا لأن المشاركين سوريون حصراً، مع أن الموضوع يعني نطاقاً أوسع. هذه الظاهرة بحاجة إلى تفسير، لأن كتابات أخرى للكاتب نفسه تلقت ردوداً من كتاب عرب. سأتجنب تفسيرات قد تكون سابقة لأوانها فيما خص هذا الاستنكاف العربي – الإسلامي، وأكتفي بتفسير سبب الاهتمام السوري بالمقالة. ويمكن القول بإيجاز، إن السجال المذكور هو استئناف ثقافي لشقاق سياسي في “البيئة المعارضة” في سوريا (ولا يعني هذا تقليلاً من الأهمية الفكرية المستقلة للمقالة).

هذا الشقاق يمارس على محورين اثنين؛ أولهما حول المفاضلة بين الوطنية (القومية) والديموقراطية؛ وثانيهما بين العلمانية والديموقراطية. والحد الغائب في المعادلتين يتمثل في النظام القائم الذي يضحك في عبه من هذه الخلافات “العميقة” وهو يرى صورته المنعكسة فيها كضمانة للوطنية (القومية) الممانعة، من جهة؛ وللوحدة الوطنية (العلمانية)، من جهة ثانية. بذلك تتحول كل معارضة للنظام إلى “معارضة من داخل البيت”، الوطني – القومي مرة، والوطني – العلماني أخرى؛ ويتحول الحد الغائب إلى حاضر أبدي، لا يمكن الخلاف معه أن يتجاوز التفاصيل إلى الأسس والمبادىء. ومهما احتد الخلاف حول التفاصيل، وبصرف النظر عن “أحقية” المعترضين وغياب الاستجابة لهم، يمكن تبرير الوضع القائم دائماً بالقول إن من “يداه في الشغل” أدرى منهم، وهو يرى ما لا يرون…

في الملموس، ظهرت الخلافات المذكورة على المحورين، مرة عند ظهور “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي” في خريف العام 2005، وثانية عند ظهور ما سمي بالتوضيحات على الإعلان المذكور، في شتاء 2006؛ فاهتمت الأولى بالهم العلماني، والثانية بالهم الوطني القومي؛ وكانتا كافيتين للإجهاز على “الإعلان”، قبل أن تتكفل بذلك عوامل خارجية. لكن تداعيات الشقاق المذكور لم تتوقف إلى اليوم، لأن مصير البلاد، من ضمن مصير المنطقة ككل، لم يحسم بعد.

أرى أن قراءة السجال “الثقافي” (السوري) حول مقالة “قضية محمد حجازي….” يجب أن توضع في هذا الإطار السياسي. وإذا كانت ردود الكاتبين الإسلاميين (الطاهر إبراهيم ومنير الغضبان) تنطلق من موقفهما المبدئي (الأصولي)؛ فهي عاجزة عن إخفاء الوهم السياسي الراسخ عند بيئة الإخوان المسلمين السوريين في منافيهم، وفحواه أنهم يتمتعون بنفوذ كبير في سوريا، ويكفي رفع سيف القانون رقم 49 للعام 1980، عن رقابهم حتى يستلموا السلطة ويفرضوا “حاكمية الله” على العباد. هذا الوهم هو الذي يقف وراء الرد العدواني من الطاهر إبراهيم، و”الأبوي” من الغضبان، على مقالة الحاج صالح، كما يعطينا الردان فكرة عن مدى سطحية التحول السياسي المزعوم لدى الجماعة.

أما مقالة وائل السواح الأخيرة في موقع الأوان بعنوان “استئناف السجال بين الأشاعرة والمعتزلة في سوريا والمهجر”، فقد سعت، فيما وراء التظاهر بالدفاع عن الحاج صالح في وجه الأصوليين الإسلاميين، إلى تصفية حساب شخصي من مخلفات السجال حول العلمانية. فغاية المقالة تمثلت في الإمساك بياسين بـ”الجرم المشهود”: أي بكونه إسلامياً إصلاحياً (يكتب مقالات “ماتعة” و”جميلة”). فإذا عرفنا جمهور القراء أو البيئة الثقافية التي يوجه إليهما السواح خطابه، عرفنا أن المقصود نوع من الحرمان الكنسي العلماني. وهذا الموقف يعطينا فكرة عن نوع العلمانية الشائعة في سوريا: فهي أولاً في علاقة نبذ متبادل مع الإسلام، بحيث يستحيل قيام أي حوار عقلاني بين الطرفين؛ فإذا خرق أحد العلمانيين الأصول ودخل في حوار مع الفكر الإسلامي، وإن من موقع النقيض، كما فعل ياسين، حق طرده من الجماعة؛ وهي ثانياً تملك الحقيقة كلها، شأنها في ذلك شأن الأصولية الإسلامية، بحيث يعد أي اجتهاد في مبدئها وتطبيقاتها خروجاً على العقيدة، الأمر الذي اقترفه ياسين أيضاً.

أعتقد أن ياسين الحاج صالح يمتلك من الشجاعة الفكرية ما يسمح له بإعلان المرجعية الإسلامية لفكره، إذا كانت له هذه المرجعية، تماماً كامتلاكه الشجاعة نفسها لإعلان المرجعية الحديثة لفكره، الأمر الذي فعله في حواره “الشخصي والصريح” مع الطاهر إبراهيم. أما في مقالته حول “دولة إسلامية مع منطقة حكم ذاتي للعلمانيين، أو دولة علمانية مع منطقة حكم ذاتي للإسلاميين” فقد عبر عن انحيازه العلماني بوضوح، حين توقع، في الحالة الافتراضية التي طرحها، أن يهرب سكان الدولة الإسلامية المفترضة إلى المنطقة العلمانية ذات الحكم الذاتي والتي شبهها ببرلين الغربية المطوقة في إطار دولة ألمانيا الشرقية.

ليس هدفي من “إثبات” الانحياز العلماني لياسين العمل على إعادته إلى جنة العلمانية التي طرد منها، الأمر الذي أعرف أنه لن يسعده أبداً، بل للإشارة إلى الغاية الحقيقية لمقالة السواح، الذي لم يتوان عن الإتيان بشاهدين لإثبات إسلامية ياسين، عنيت بهما إبراهيم والغضبان، بدلاً من الاهتمام بما يكتبه الحاج صالح بلا لبس. وهما فضلاً عن ذلك شاهدان “من أهله” كما يمكن أن نفهم من عنوان المقالة (أشاعرة ومعتزلة). ولنا أن نقرأ هذا العنوان كما يلي: 1) السجال بين الحاج صالح والكاتبين الأصوليين هو سجال قديم، لا علاقة له بشؤون اليوم؛ 2) وهو سجال بين “الأهل”، لا يعنينا نحن معشر العلمانيين؛ و، بناء على ذلك 3) “فخار يكسر بعضو”…

الفكر الحر، تعريفاً، تضيق به القوالب الناجزة. الأصولية قالب، سواء كانت إسلامية أو غير ذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق