قراءة في الكتاب الجديد لمحمد الكيلاني

قد يستغرب كثير من الناس صدور كتاب عن الاشتراكية وعن التجربة السوفيتية بعد أن مضيّ ما يقارب العشرين عاما على نهايتها، غير أنّ الاستغراب يزول عندما نستحضر ما يحفل به الواقع العالميّ من مؤشّرات على تنامي مشاعر التبرّم من سيادة النظام الرأسمالي، وما أفرزته العولمة الليبرالية، من حروب وأزمات متوالية، دفعت بقطاعات واسعة من البشرية نحو التطلع إلى بدائل عالمية يؤثر البعض اختزالها في المشروع الاشتراكي.

من أزمة الرأسمالية يتغذّى الطلب المتجدّد على الماركسية، فقد سبق لدريدا أن تنبّأ بعودة وشيكة لأطياف ماركس في قلب العالم المتقدم، وتوالت المؤشّرات على صدق هذه النبوءة؛ فاليوم تضاعفت مبيعات كتاب رأس المال في ألمانيا بالذات، وهي الموطن الذي أطلّ منه ماركس على العالم.

قد تكون هذه الظروف المواتية هي التي حفزت الأستاذ محمد الكيلاني على إصدار كتابه الضخم الذي يحمل عنوان ” التجربة السوفيتية اشتراكية أم رأسمالية، نحو تجديد المشروع الاشتراكي” ، علما وأنّ هذا السفر الكبير الذي صدر في مطلع هذه السنة 2009 تزيد صفحاته عن الأربعمائة، وينقسم محتواه إلى أحد عشر فصلا، إضافة إلى مقدّمة وخاتمة وملاحق حوت بعض الوثائق المرجعية حرص الكاتب على إيرادها كمستندات داعمة لوجهة نظره التقييمية للتجربة الاشتراكية في الإتحاد السوفيتي.

من الواضح أن التجربة السوفيتية المعروضة للنقد والتقييم في متن الكتاب، ورغم استغراقها للحيز الأكبر من الصفحات، لم تكن سوى مناسبة استغلّها الكاتب لتطوير رؤية جديدة للاشتراكية، على أنقاض ما رصده من ثغرات فادحة في البناء السوفيتي، وما قام عليه من مرتكزات وأسس نظرية وأيديولوجية، لا يراها الكاتب مستثناة من النقد، ولا منزّهة عن مقتضيات المراجعة وإعادة النظر، ولعله بهذا التمشّي الجذري في ممارسة نقده لتجربة مرجعية في البناء الاشتراكي يكون قد أطلّ على أفق جديد لمعاودة التفكير في الأسباب العميقة التي قادت عموم التجارب الاشتراكية إلى عنق الزجاجة.

يتجلّى عنصر التجديد في هذه المقاربة للأستاذ الكيلاني في عدم انسياقه وراء الثنائية التبسيطية، التي كثيرا ما تعامى أصحابها عن تعيين أسباب العطالة والخلل في صلب النظرية الاشتراكية، أي في منطلقاتها الفكرية وانحيازاتها الإيديولوجية، وليس فقط في مستوى التجربة العملية والبناء المؤسسي الذي جاء مجافيا ومنتهكا لطهارة التصورات المثالية، لقد حاول الأستاذ الكيلاني وضع يده على ما يراه مكامن الخلل في الاختيارات الفكرية والإيديولوجية التي رسم مبادئها لينين، محمّلا الاجتهادات اللينينية على وجه الخصوص مسؤولية وضع أساسات الفشل في المشروع الاشتراكي الذي بنته ثورة أكتوبر 1917.

لا شكّ أنّ هذا النقد الموجّه ضدّ لينين يكشف عن جرأة تسلّح بها الأستاذ الكيلاني وتخطّى من خلالها التأويل الأرثوذكسي للماركسية.

وما كان له أن يقدم على ذلك لولا الرغبة التي تسكنه كهاجس ملازم لإفساح المجال للفكرة الديمقراطية كي تجد سبيلها سالكا للتوطن داخل أرحام الفكر الماركسي.

لم تكن عملية توطين الفكرة الديمقراطية أمرا ممكنا من دون محاكمة قاسية للطروحات اللينينية حول الدولة والحزب، وسواهما من المقولات على ضوء المبادئ العامة التي أرساها ماركس وأنجلز، فعلى سبيل المثال يصرح الأستاذ الكيلاني بوضوح ” بأنّ لينين لم يقدّم تجاوزا فعليا للديمقراطية البورجوازية ( ص41 ) فهو على العكس من ذلك ” باسم الصرامة الإيديولوجية والمضامين الطبقية شرّع الالتجاء للقمع والعنف ضدّ كلّ معارضيه ” ( ص 41 ).

ويعود هذا التوجه اللاديمقراطي في سياسات لينين إلى فهمه الخاطئ لمقولة ديكتاتورية البروليتاريا، فقد اقترنت عنده بالعنف الثوري وبالإرهاب وعدم التقيد بالشرعية والقوانين ( ص 37 )، كما يرجع ذلك أيضا إلى ضيق في الرؤية التي ينظر بها لينين إلى كينونة الدولة ومجموع وظائفها، فهي ” مجرّد آلة حرب على الطبقات الأخرى وماكينة قمع ضد أعدائها الطبقيين” ( ص 37 ).

لعلّ الأخطر فيما رصده الأستاذ الكيلاني من تصوّرات لينينية معادية للديمقراطية، تلك المتعلقة بنظرية الحزب الطليعيّ، مبرزا ما فرضه لينين من قواعد ومبادئ تنظيمية وضعت ـ بحسب الكيلاني – لتبرير ” بناء حزبي هرميّ قائم على مركزية صارمة ” ( ص61 ) كانت من الأسباب العميقة لتسريع عملية البقرطة، التي جمدت الحياة السياسية في الحزب والدولة والتجربة الاشتراكية برمّتها.

لم يكن التقييم النظري كافيا لإبراز عناصر الخلل الجوهري الذي حكم على التجربة الاشتراكية السوفيتية بالفشل الحتمي. فقد عمد الأستاذ الكيلاني إلى تقييم مماثل، ولكن في الجانب العملي والتطبيقي من التجربة الاشتراكية، من خلال الوقوف على عناوين الإخفاق الشامل الذي طاول مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العلاقات الخارجية للنموذج السوفييتي.

ففي الجانب السياسي، انتهى الأستاذ الكيلاني إلى الحكم على تجربة السلطة في الإتحاد السوفييتي بأنها نظام كلياني ” تمكن فيه الحزب من التحكم الكلي في الدولة وتمكنت الدولة من التحكم الكلي في الحزب ” (ص 125 )، هذا مع الإشارة إلى أن الحزب البلشفي الحاكم ” لا علاقة له بالطبقة العاملة والفلاحين والجماهير ” ( ص 125 ) التي يدّعي تمثيلها والحكم من خلالها وباسمها، فالتركيبة الطبقية للجنة المركزية للحزب لا تضمّ في صفوفها سوى 2 بالمائة من العمال والنقابيين و 3 بالمائة من العلماء والمفكرين، و 4 بالمائة من الدبلوماسيين، و 7 بالمائة من العسكريين، في حين تتألف البقية من موظّفي وإطارات الدولة ( ص125)

ما يثير الانتباه في الجانب الاقتصادي، هو أن الأستاذ الكيلاني ينفي عن الدولة السوفييتية صفتها الاشتراكية، مؤكدا خلاف ذلك على الطبيعة الرأسمالية المتحكمة في نمط الإنتاج السائد، سواء تعلق بملكية وسائل الإنتاج أو بعملية التسيير والتوزيع التي ظلت كلها بعيدة عن رقابة العمال والفلاحين، ومن غير مشاركة منهم، فقد استولت الدولة على العملية الاقتصادية كلها من ألفها إلى يائها، من خلال مركزة رأس المال بأيدي بيروقراطية الدولة وإخضاع التراكم والنمو الاقتصادي للمخططات الفوقية.

طبعا لم تكن البداية هكذا في مرحلة ” شيوعية الحرب” التي رافقت الحرب الأهلية والهجوم الإمبريالي على الدولة الناشئة في الإتحاد السوفييتي، غير أن الأمر تطور خلال الثلاثينات ليتحول الاقتصاد الروسي بصفة نهائية إلى اقتصاد رأسمالي صرف تلعب فيه الدولة دور المحتكر العام المتمثل في رأسمالية الدولة الاحتكارية (ص 207 ).

أما في الجانب الاجتماعي، وهو على كل حال انعكاس مباشر للنتائج الكارثية التي خلفتها التوجهات السياسية والاقتصادية ذات المضمون الرأسمالي الاحتكاري على جسد المجتمع بفئاته وقطاعاته المختلفة، وعلى عكس المأمول من دولة تدّعي الاشتراكية فقد أعادت الدولة السوفييتية إنتاج التمايز الطبقي وعدم المساواة بين الموظفين وسائر الأجراء. في هذا السياق يستحضر الأستاذ الكيلاني أرقاما ذات دلالة واضحة على عجز النظام السوفييتي عن تذويب الفوارق الطبقية ناهيك عن إلغائها تماما” فمنذ سنة 1937 كان المهندس يتقاضى 1500 روبلا والمدير 2000 روبلا بينما العمال المختصون من 200 إلى 300 روبلا و110 روبلا كحد أدنى ضبطته الدولة السوفياتية بالنسبة للعاملين بالقطعة و115 روبلا بالنسبة للعاملين بالساعة”. وهنا يشير الأستاذ الكيلاني إلى معطيات دقيقة تشمل جوانب مهمة في الحياة الاجتماعية كالتعليم وأوضاع المرأة والطفولة والشباب، وكلها تحيل على لوحة بالغة البؤس والقتامة، حول تفشّي الدعارة بين النساء، والبطالة بين الشباب، بالإضافة إلى تردي المستوى التعليمي في جانبيه الكمي والكيفي( ص 171 ).

في جانب السياسة الخارجية الذي خصه الأستاذ الكيلاني بالفصل العاشر من الكتاب راصدا مواطن الاختلال في تعامل الدولة السوفييتية مع العالم، بالاستناد إلى معيار تقويمي يأخذ بالاعتبار عناصر المفارقة بين المزاعم الثورية والشعارات الأممية التي لوحت بها طويلا قيادات الإتحاد السوفييتي، وبين السياسة الفعلية التي لم تتخلص من الطابع الشوفيني الروسي، ومن نوازع الهيمنة الإمبراطورية الموروثة عن الماضي القيصري، لا ينكر الأستاذ الكيلاني الاندفاع الأممي الذي ميّز سياسات الثوار الروس لفترة قصيرة أعقبت ثورة 1917، إلا أن هذه الفترة المدفوعة بضغط من الثورة الشعبية سرعان ما وقع طيها لتحل مكانها سياسة الانطواء على الذات والمضي في بناء الاشتراكية في بلد واحد رغم استمرار الحرص على الطلاء الأممي لغاية براغماتية خالصة تهدف إلى توظيف الحركة الشيوعية العالمية كذراع للسياسة الخارجية السوفييتية.

لقد قدّم الكاتب عديد الأمثلة الكاشفة عن تورّط السياسة الخارجية السوفييتية، في مواقف ” وفاقية وتآمرية مع الهتلرية ومع الديمقراطيات الغربية ” وذلك من أجل تقاسم النفوذ سواء مع النازية الألمانية أو مع الإمبراطوريات الغربية، وهذا ما قاد الأستاذ الكيلاني بلا تردد لاعتبار الدولة السوفييتية دولة إمبريالية بكل المقاييس، وبالأخص لأنها لا تمثل مصالح العمال والكادحين بقدر ما تدافع بشراسة عن مصالح رأسمالية الدولة الاحتكارية والبورجوازية البيروقراطية” ( ص 344 ).

قد تكون الرؤية التقييمية التي اعتمدها الأستاذ الكيلاني في قراءته للتجربة السوفييتية مفتقرة للتوازن، بما أنه قد أوغل في تعقب مظاهر الخلل ومسبباتها في تجاهل تامّ لما حققته التجربة السوفييتية من مكاسب وإنجازات جعلت الإتحاد السوفييتي في وقت قصير يتخطّى ظروف الحصار الدولي المضروبة من حوله، ويلتحق بركب الدول المتقدمة، فضلا عن الإشعاع العالمي الذي أهّل تجربته في البناء الاشتراكي لأن تكون منبع إلهام ومحاكاة في عدد كبير من دول العالم، وحركات التغيير الثوري.

هذا المنظور الأحادي في التقييم، يمكن تفسيره برغبة الكاتب الجامحة في تجاوز الأخطاء القاتلة التي حكمت على المشروع الاشتراكي في نموذجه السوفييتي بالفشل، ومن ثمّ استثمار ذلك التقييم لفتح آفاق جديدة أمام الاشتراكية حتى تتجدد من الداخل، وتستعيد دورها الذي يعتقد الكاتب بضرورته ومشروعيته التاريخية، لإقامة العدل الاجتماعي والمساواة بين الناس.

الرغبة الجامحة التي تسكن الكاتب لاقتراح البديل الاشتراكي، جرّته إلى موقع إيديولوجي في قراءة التجربة السوفييتية، وهذا ما جعله يحاكم ما وقع بالاستناد إلى ما كان يجب أن يقع من منظور نقدي لم يتحرّر كثيرا من قوالب التفسير الماركسي للأحداث، رغم الجرأة النقدية الموجّهة ضدّ مواقف لينين وتصوراته حول بناء الدولة والحزب والمجتمع، والمشكلة لا تكمن في اعتماد التفسير الماركسي، وإنما في طريقة استثمار إمكانياته النقدية وقدراته التفسيرية التي ظلت مع الأستاذ الكيلاني طريقة نصوصية بامتياز، حيث يستدعي ماركس من خلال نصوصه وليس منهجه كوحدة قياس تعتمد معيار المطابقة لفرز الخطأ من الصواب.

هذه الملاحظة العابرة لا تنتقص شيئا من قيمة الكتاب الذي ألفه الأستاذ محمد الكيلاني بقدر كبير من الجهد ومعاناة البحث والتوثيق وإعمال العقل وتقليب النظر، وهو بالفعل يشكل إضافة وإثراء للفكر التقدّمي، لا سيما على صعيد إعادة تحيين النظر في إشكاليات التحول الاشتراكي، وسبل تجاوز المطبات والعوائق الفكرية والسياسية التي أفشلت مختلف التجارب الاشتراكية، وبالتالي حرمت البشرية من تلمّس الطريق نحو عالم أفضل مما صنعته الرأسمالية التي تواصل فرض هيمنتها على المجتمعات إلى حدّ اليوم. هذا الكتاب إذن محاولة للتفكير ضدّ السائد، وهذه فضيلته وفضل صاحبه علينا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق