قراءة في بعض السيرة النبويّة (3/2)

لم يأل الإخباريّون جهدا – خاصّة أثناء وضع السيرة في صورتها النهائيّة- في صناعة التاريخ على أحداث إمّا وهميّة وإمّا مقتبسة من حضارات أخرى، فهم لا يكتبون لنا تاريخا كائنا بل يكتبون التاريخ كما يجب أن يكون، يكتبون الدين تحت اسم التاريخ، لتقديم صورة مقبولة -إن لم نقل أسطوريّة- عن النبيّ وتعميمها في نواحي الإمبراطوريّة الإسلاميّة الصاعدة، فاختفتْ الأحداث التاريخيّة الحقيقيّة تحت طبقات من الأصباغ البرّاقة وصارت (هذه الأصباغ الوهميّة) هي الأحداث الصحيحة التي تقوم عليها سيرة النبيّ، ممّا أدّى أحيانا إلى تناقض المعطيات في الحادثة نفسها.

يذكر المدراش [المدراش هي كتب التفاسير اليهوديّة] قصّة معراج موسى إلى السماء، ونكاد نجد نقلا حرفيّا لبعض المواضع من هذه القصّة في معراج النبيّ، كما أنّ المدراش مكتوب قبل الإسلام، وفيه أنّ موسى صعد إلى السماوات السبع  وزار الجنّة والنار، فرأى عذاب أهل النار ثمّ زار الجنّة ورأى فيها ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، وعندنا التراث الإسلامي في وصف الجنّة – كوصف النار- يتشابه مع ما رآه موسى، فيرى أربعة أنهار من عسل ولبن وخمر الخ..(1) وليس موسى فقط من أسرى إلى السماء، فكذلك زرادشت نبيّ الزرادشتيّة في القرن السابع قبل الميلاد حيث اعتزل قومه وخرج إلى الصحراء للتأمّل والتحنّث، وحين كان في غار في أحد الأيّام ظهر له الملاك الأكبر وحمله إلى السماوات فرأى الجنّة ثمّ رأى الله وتلقّى منه الوحي(2)، بيد أنّ قصّة إسراء موسى هي الأقرب إلى السيرة من حيث وصف المراحل سماءً فسماء، أمّا عن البراق الذي طار بالنبيّ فقد يذكّرنا بالحصان المجنّح (بيجاسوس) المشهور في الأساطير اليونانيّة وتغنّى به الشعراء القدامى، وحسب الأسطورة فقد طار هذا الحصان ناحية المكان الذي يخرج منه البرق والصاعقة واستعمله (برسيوس) في تنقّلاته (3)، وربّما هناك علاقة إيتمولوجيّة بين (بيجاسوس) باليونانيّة و(بيهاساس) بالسومريّة (4) والتي من معانيها الضوء القويّ وتقابلها (براقو) بالأكاديّة (5) فهذا الحصان الذي طار ناحية البرق اسمه : بيجاسوس Pegasus [يونانيّة] = بيهاساس  Pihassas [سومريّة] = براقو Baraku [أكاديّة] = براق [عربيّة]=البُراق، وليس من المستبعد أنّ كتبة السيرة استعاروا الحصان المجنّح بمعنى البُراق وأسّسوها كمعجزة للنبيّ خاصّة بعد احتكاكهم بالحضارات الأخرى وتداخل الثقّافات. وربّما أغرب قصّة في هذا الخضمّ الأسطوريّ هي ما رواه البخاري (6) عن لقاء محمّد بموسى أثناء نزوله من السماء، ونصيحة موسى له أن يعود ويطلب التخفيف في عدد الصلوات التي كانت خمسين صلاة، فظلّ النبيّ صاعدا نازلا بين الله وموسى، وفي كلّ مرّة يخفّف الله عنه عشر صلوات إلى أنّ استقرّ العدد على خمس صلوات يوميّا، وكأنّ الله فاته هذا التشريع القاسي بل المستحيل، ولولا موسى لكان المسلمون يصلّون خمسين صلاة يوميّا وهذا كلام غير منطقيّ بطبيعة الحال، وكما نرى فالإخباريّون لا يعوزهم الخيال مطلقا.

هذا عن قصّة المعراج وأصولها المدراشيّة اليهوديّة، والتي يربطها المفسّرون بالآيات الغامضة في سورة النجم، والنبيّ ينفي عن نفسه في القرآن أن يكون باستطاعته الرقيّ إلى السماء أو العروج إليها فيقول : وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجّر لنا من الأرض ينبوعا (…) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيّك حتّى تنزّل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربّي هل كنت إلاّ بشرا رسولا؟ (الإسراء 90-93) أما كان يجدر بمحمّد إن كان قد رقى إلى السماء وعرّج إليها أن يقول : بلى قد رقيت ورأيت آيات الله وأنزل عليّ الصلاة حينها؟ بل نراه يقول : سبحان ربّي هل كنت إلاّ بشرا رسولا، فلم يكف الذين كتبوا السيرة والحديث أن سرقوا قصّة مدراشيّة يهوديّة ونسبوها إلى محمّد بل زادوا  فجاؤوا بعكس ما يقوله القرآن، وهذا كلّه لإثبات أنّ لمحمّد معجزات مثله مثل الأنبياء الآخرين رغم أنّ القرآن يعارضهم أيضا : وقالوا لولا نُزّل عليه آية من ربّه [الآية هي المعجزة] قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكنّ أكثرهم لا يعلمون(الأنعام-37)، فهم يطلبون آية و لكن الجواب واضح: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلاّ أن كذّب بها الأوّلون (الإسراء-59).  فالقرآن منع المعجزات عن محمّد والسبب- حسب منطقه- هو أن كذّب بها الأوّلون، فكيف ترك المحدثون العنان لخيالهم عن إسراء ومعراج وخروج الماء من أصابع محمّد الخ…؟ هذا لأنّهم بدؤوا يحتكّون بالحضارات الأخرى أثناء الفتوحات الإسلاميّة وطالبهم المسيحيون واليهود بدليل على نبوّة محمّد ومعجزاته كموسى وعيسى، فاضطرّوا إلى اختلاق هذه المعجزات ليثبتوا نبوّة محمّد، وقد وصل الأمر بقريش أن طالبت النبيّ بأن يأتي بالعذاب وليس فقط بآية، وذلك ليقينهم بعدم صحّتها، فقالوا اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (الأنفال-32) فهم قد يئسوا من أن يأتيهم بمعجزات ورضوا أن يأتيهم بالعذاب، فقط  ليثبت نبوّته، ولكنّه لم يفعل والقرآن واضح : لا معجزات لك يا محمّد. أمّا قصّة الإسراء، وهي إسراء محمّد من مكّة إلى بيت المقدس في ليلة واحدة على البراق، فإنّ الشكّ يحيط بها من كلّ جانب، فإن كانت معجزة [وهي تُعتبر معجزة طبعا] فإنّا أوضحنا رأي القرآن عن المعجزات بالنسبة إلى النبيّ، ثمّ هذه "المعجزة" مذكورة عرضا وفي آية واحدة وكأنّها مضافة فيما بعد، ولا تتماشى مع السياق إطلاقا، فسورة الإسراء تبدأ هكذا : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياته إنّه هو السميع البصير، وماذا بعد هذه الآية؟ لا شيء. وإنّما يمرّ إلى موضوع آخر مختلف تماما فيقول : وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل الخ… وينسى الإسراء وقصّته، كما أنّ الفاصلة في جميع الآيات التالية تنتهي هكذا:  وكيلا، شكورا، كبيرا، مفعولا، نفيرا الخ.. إلاّ الآية الأولى التي تتحدّث عن الإسراء فهي تنتهي بفاصلة مرفوعة : البصيرُ، وكأنّ الآية ملحقة إلحاقا وسياق النصّ يشير إلى أنّها نشاز في السورة ولا رابط بينها وبين الآيات التالية (7) وسورة الإسراء كان اسمها في الأصل : سورة بني إسرائيل (8) وربّما تمّ تغيير اسمها فيما بعد إلى "الإسراء" حين أضافوا هذه الآية الأولى فيها التي تتحدّث عن إسراء محمّد، بعد بناء المسجد الأقصى.

وإذ ينبغي تقديم صورة عن النبيّ، كما يجب أن تكون، فقد صنعوا أيضا الظروف التاريخيّة التي بدأ فيها محمّد دعوته، فقدّموا مكّة (9) على أنّها كانت تحفل بالديانة الوثنيّة حتّى أنّه كان في الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما، وكأنّهم يريدون تجنّب أيّ علاقة لمحمّد بالديانات التوحيديّة ممّا يضيف مصداقيّة على نبوّته وأنّها منزّلة عليه من السماء، بل جعلوه أمّيّا أصلا، فلا يجرؤ طاعن على الادّعاء بأنّ محمّدا قد تعلّم أو درس شيئا من الكتب السابقة. بيد أنّ الإشارات السريعة التي وصلتنا مفرّقة في مختلف الكتب التراثيّة تجعلنا ننكر هذا الطرح ونعتبره مبنيّا على دغمائيّة دينيّة موجّهة مسبّقا لا على أحداث تاريخيّة حقيقيّة، فمكّة لم تكن وثنيّة -في المجمل- وإنّما تتعايش على أرضها ديانات مختلفة في انسجام وتسامح، ففيها الحنفاء الذين هجروا عبادة الأوثان وشرب الخمر وأكل ما ذبح على الأنصاب، كزيد بن عمرو الذي رفض أن يأكل من لحم قدّمه له النبيّ، حيث يروي البخاري في صحيحه أنّ النبيّ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح وذاك قبل أن ينزل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- الوحي فقدّم إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال زيد إني لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلاّ مما ذكر اسم الله عليه (10) ومثل وكيع بن سلمة الإيّادي الذي بنى صرحا أسفل مكّة (11) وقسّ بن ساعدة الذي أعجب النبيّ بمواعظه وأميّة بن أبي الصلت الشاعر المشهور والمتلمّس بن أميّة الكنانيّ الذي اتّخذ فناء الكعبة مكانا يلقي فيه خطبه(12) وغيرهم كثير. ولم تتغيّب الديانة المانويّة (13) عن هذا "الكوكتيل" العقائدي فكان من متّبعيها العاص بن وائل السهميّ (14) وهو أبو عمرو بن العاص بالتبنّي حيث يروي الزمخشري : كانت النابغة أمّ عمرو بن العاص أمة رجل من عنزة فسبيت، فاشتراها عبد الله بن جدعان، فكانت بغياً ثم عتقت. ووقع عليها أبو لهب، وأميّة بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل، في طهر واحد، فولدت عمراً. فادّعاه كلهم، فحكمت فيه أمه فقالت : هو للعاص لأن العاص كان ينفق عليها. وقالوا : كان أشبه بأبي سفيان. (15) والعاص بن وائل كان قد أجار عمر بن الخطّاب حين أسلم، ولنا أن نلاحظ هذا التسامح الدينيّ في مكّة إذ أنّ عمر بن الخطّاب اختلف مع بعض قريش بسبب إسلامه وهمّوا بالقتال فتدخّل العاص قائلا : ما شأنكم؟ قالوا صبا عمر، فقال: فمهْ، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عديّ بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هذا؟ خلّوا عن الرجل. فتفرّق القوم (16) ومن المانويّين النضر بن الحارث (17) الذي كان يعرف حكايات الفرس والقصص الغابرة وكان يجلس في مكّة فيتلو عليهم شيئا من أخبار رستم  واسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول : والله ما محمّد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلاّ أساطير الأوّلين اكتتبها كما اكتتبها (18) وكذلك عقبة بن أبي معيط  وكان متزوّجا من أروى بنت كريز وهي أمّ عثمان بن عفّان (19) وكان قد أسلم في البداية استحياءً من النبيّ فكان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلاّ صنع طعاما فدعا إليه أهل مكة كلهم وكان يكثر مجالسة النبي ويعجبه حديثه وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما ثم دعا رسول الله إلى طعامه فقال : ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال : أطعم يا ابن أخي قال : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول فشهد بذلك وطعم من طعامه فبلغ ذلك أبيّ بن خلف فأتاه فقال : أصبوت يا عقبة ؟ – وكان خليله – فقال : لا والله ما صبوت ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلاّ أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم، فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه، ففعل عقبة، فقال له رسول الله : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا (20). وغيره من المانويّين كمنبّه ونبيه ابنيْ الحجّاج وأبي سفيان وأبيّ بن خلف (21) الذي غنم محمّد سيفه يوم بدر، وكان يسمّي سيفَه ذا الفقار، والوليد بن المغيرة الذي كان يكنّى بالوحيد في قومه لمعرفته بالأشعار والبلاغة وكان ممّن حرّم على نفسه السكر والخمر والأزلام في الجاهليّة وضرب ابنه هشام لأنّه شرب الخمر يوما (22) وهو الذي قال عن القرآن : إن هذا إلاّ قول البشر (المدّثّر، 25) وأغلب هؤلاء تخلّص منهم النبيّ يوم بدر فتخلّص بالتالي من معارضة الطبقة المفكّرة والتي كانت تجادله دائما عقائديّا وبلاغيّا، إلاّ أبا سفيان الذي تأقلم مع الأوضاع الجديدة -على ما يبدو- وأسسّ الخلافة لأبنائه فيما بعد.

وكان هناك المسيحيّون، كعثمان بن الحويرث الذي يكنّي بلقب "البطريق" (23) وقوم من بني أسد بن عبد العزّى (24) كما أنّ الذي بنى الكعبة (حين أرادتْ قريش إعادة بنائها) كان مسيحيّا واسمه باقوم (25) وكان في سفينة أصابتها ريح فحجبتها، فخرجت إليها قريش بجدّة، فأخذوا السفينة وخشبها، وقالوا: ابنه لنا بنيان الشام (26)، وربّما المقصود ببنيان الشام أي مثل بنيان الكنيسة. أمّا النصارى، وهم غير المسيحيّين كما نرى في نقش يعود إلى القرن الثالث الميلادي في فارس جاء فيه : وإنّي كارتر Karter أعلنت عن حزني وأسفي منذ البداية للآلهة والملوك ولروحي، فجعلت النيران والمجوسيّة مزدهرة في مملكة فارس وفي مملكة "أنيران" Aniran أيضا. […] وقمت بطرد عقائد أهريمان والشياطين من المملكة، وانتصرتُ على اليهود والبوذيّين والبراهمان والنصارى والمسيحيّين والمندائيّين والمانويّين (27).  والنصارى يختلفون عن المسيحيّين بوصفهم متشبّثين بتعاليم التوراة من ختان واحترام يوم السبت وغير ذلك من الأعياد اليهوديّة، ويعتبرون المسيح إنسانا وإلها في الوقت نفسه، وانتشروا خاصّة في سوريا وتحديدا في حلب (28)،  وانشقّت منهم طائفة تسمّى "الأبيونيّون" وهؤلاء يعتبرون المسيح إنسانا فقط وليس ابن إله وأنّه نبيّ كبير ويؤكّدون أنّه لم يصلب وإنّما ألقي شبهه على شخص آخر،  وأنّه سيعود بعد رفعه إلى السماء. وهم لا يشربون الخمر ولهم إنجيلهم الخاص باسم "إنجيل الأبيونيّين"، وهذا الإنجيل هو في الأصل "إنجيل العبرانيّين" مكتوب بالعبريّة، بينما النصارى لهم الإنجيل نفسه مكتوب بالآرامية (29)  والتلمود يجمع كلّ هذه المذاهب المسيحيّة المختلفة في تسمية واحدة: "النصارى" وهذه التسمية -وعلى ما يبدو – انتقلتْ إلى القرآن أثناء الحديث عن المسيحيّين.

ومن هؤلاء النصارى الأبيونيّين نجد ورقة بن نوفل الذي كان يكتب الإنجيل العبراني إلى العربيّة، ويؤمن بناموس موسى (ويبدو واضحا التوجّه الأبيوني لورقة) وكذلك الراهب بحيرى الذي كان يسكن قريبا من مكّة أو يزورها دائما حيث يروي ابن كثير أنّه بعد نزول الوحي على النبيّ وعودته إلى منزله: فقالت خديجة : أبشر فوالله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيرا وأشهد أنك نبيّ هذه الأمّة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي وبحيري الراهب، وأمرني أن أتزوّجك منذ أكثر من عشرين سنة. فلم تزل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طعم وشرب وضحك ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة …(30) وكذلك عدّاس مولى عتبة بن ربيعة ولا أستبعد إطلاقا أن تكون خديجة تتبع هذا المذهب بل ومحمّد نفسه، خاصّة رؤيته الأبيونيّة الواضحة في القرآن المكّي عن عيسى واعتباره نبيّا وأنّه لم يصلب بل ألقي شبهه على شخص آخر، وكذلك معجزات عيسى كالنفخ في طيور من الطين فتطير وقد عادتْ إليها الحياة، وهذه القصص مذكورة في إنجيل الطفولة الأبوكريفيّ (31) وكان الأبيونيّون يؤمنون بها. وهؤلاء الأبيونيّون يختلفون عن اليهود فقط بإيمانهم بعيسى بوصفه نبيّا (لا كابن إله) بينما يطبّقون كلّ الشرائع الأخرى كتحليل الزواج من أربع نساء فقط كما جاء في التلمود(32) وغيرها من الشرائع التي هي مدراشيّة (أي تأويليّة وتفسيريّة) أكثر منها توراتيّة. لذلك فإنّ المسيحيّين عادة ما يعتبرونهم من اليهود، وإن لم يكونوا يهودا فعلا، فنقرأ في تاريخ تيوفانس باليونانيّة في القرن الثاني الهجري : عندما ظهر محمد في البداية، انحرف اليهودُ وظنّوا أنه المسيح الذي ينتظرونه. فجاء إليه بعض قادتهم ودخلوا في دينه وتخلّوا عن دين موسى الذي كان يتقي الله…(33) ويشير ميشال السوري في تاريخه بالسريانيّة قائلا : كان محمّد يذهب إلى مصر وفلسطين  للتجارة، فقابل هناك اليهود وتدارس معهم التوراة والله الحيّ، ثمّ تزوّج إحدى بناتهم، وحين عاد إلى مدينته يثرب بدأ دعوته، هناك من آمن به وهناك من نعته بالجنون، فخرج إلى الصحراء مع المؤمنين معه واتّبعه عديد اليهود…(34) وربّما المرأة التي تزوّجها النبيّ عند اليهود هي نفسها خديجة بوصفها أبيونيّة، وإن كان هذا التاريخ السريانيّ يشير إلى أنّ النبيّ تزوّج في فلسطين.

ومهما كان الأمر، فمكّة كانت تزخر بديانات متعدّدة، ومن ضمنها الديانة الوثنيّة، يعيشون مع بعضهم البعض دون طغيان دين على آخر، أو على الأقلّ يحترمون ديانات بعضهم، ناهيك عن الذين كانوا يتحنّثون في غار حراء قبل محمّد، ومنهم عبد المطّلب جدّ النبيّ وشيبة بن ربيعة(35) وغيرهما، كما أنّ الكعبة كانت تحتوي في داخلها على صور عيسى ومريم وإبراهيم حيث يروي البخاري : دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال أمّا هم فقد سمعوا أنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم؟ (36) ولا أظنّ أنّ الكعبة كانت مليئة بالأوثان كما يزعمون، هذا دون أن نتعرّض إلى القبائل الأخرى المجاورة أو البعيدة أو إلى عابري السبيل أو من احتكّ النبيّ بهم أثناء رحلاته للتجارة، وهو طفل، مع عمّه الزبير إلى اليمن ومع جدّه عبد المطّلب إلى الشام. فالنبيّ كان في فضاء ثقّافيّ ودينيّ غنيّ ومتنوّع.

 

الهوامش:

1- Louis Ginzberg, The Legends of jews, tr. Gabrielle Sed-Rajna, Cerf, France, 2001, T3, p218-226
2- Jean Varenne, Zoroastre, le prophète de l’Iran, Dervy, Paris, 2001, p38-39
3- L.G Michaud, Biographie universelle…, partie mythologique, libraire-éditeur, Paris, 1833, p284
4- Reallexikon der Assyriologie und Vorderasiatischen Archäologie, Collectif, vol.10, 2005, p559-560
5- Ibidem
6- صحيح البخاري، الحميدي، الجمع بين الصحيحين، تحقيق د علي حسن البواب، دار ابن حزم، لبنان، 2002 ج2، ص402
7-  انتبه لهذا النشاز في بداية السورة غير واحد من المستشرقين الباحثين في القرآن  واعتبروها إضافة لاحقة للسورة، مثل Régis Blachere  في ترجمته للقرآن حيث وضع كلّ الآية بالخطّ المائل كإشارة إلى أنّها ليست أصليّة في السورة، بينما ذهب Jean Marie Gallez إلى أنّ نصف الآية فقط هو أصليّ ويرى أنّها كانت في الأصل هكذا : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا، [J.M.Gallez  le Messie et son prophète / Tome2/p323] وذلك لأنّه أراد ربطها مع فاصلة الآيات التي بعدها، وأشار إلى أنّ عبده تعود على موسى وليس على محمّد، لكن هذا الطرح أيضا بعيد لأنّ الفاصلة في الآيات التالية هي على وزن "فعول" أو "مفعول" بالنصب، أمّا "ليلا" فهي على وزن "فعل" بالنصب، لذلك ذهب أغلبيّة الباحثين الغربيّين إلى عدم أصالة الآية بكاملها، من حيث شكلها ومن حيث مضمونها الخارج عن سياق الآيات التالية من ناحية، ولأنّ هذه القصّة مأخوذة من الأساطير الفارسيّة من ناحية أخرى، وقد لفتت هذه الآية انتباه المفسّرين المسلمين بطبيعة الحال وذهبوا إلى أنّها "التفات" وأنّه بما أنّ الله أكرم محمّدا بالإسراء فقد أكرم موسى بالكتاب، [و ذلك لمحاولة الربط بين الآيتين، ولا أدري ما وجه المقارنة فموسى كانت له التوراة وبالتالي فالأنسب أن يذكر الله القرآن بالنسبة لمحمّد، فإن ذكر آية حسيّة كالإسراء لمحمّد يقتضي ذكر آية حسيّة لموسى أيضا في الآية التي بعدها، رغم أنّنا لا ننكر طبعا كثرة الالتفات في القرآن] راجع مثلا عن محاولات الربط بين الآيتين : تفسير الرازي/دار الفكر/الجزء 20/ ص 154.
8- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ، ص153 ،تحقيق : سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، 1996
9- تجارة مكّة وظهور الإسلام، باتريشيا كرون، ترجمة آمال الروبي، المجلس الأعلى للثقافة، 2005 والكتاب الأصلي صدر سنة 1987 بعنوان Meccan Trade and the Rise of Islam
10- صحيح البخاري، الحميدي، الجمع بين الصحيحين، مصدر سابق، ج2، ص204
11- عماد الصباغ، الأحناف، دار الحصاد، دمشق، 1998، ص37
12- المرجع السابق، ص38
13- هي ديانة أنشأها "ماني" في القرن الثالث الميلادي، وهي ديانة توحيديّة ثنويّة، واعتبر ماني نفسه خاتم الأنبياء.
14- ابن حبيب، المحبّر، دار الآفاق الجديدة، 1995، ص161
15- الزمخشري، ربيع الأبرار، تحقيق: عبد الأمير مهنا، 1992، ج4، ص275
16- سيرة ابن هشام، تحقيق : مصطفى السقّا-الأبياري-شلبي، دار الكتب العلميّة، لبنان، 2004، ص256
17- ابن حبيب البغدادي، المنمّق في أخبار قريش، تحقيق خورشيد أحمد فاروق، دائرة المعارف، 1964، ص487
18- ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، 1988، ج3، ص110
19- ابن سعد، الطبقات، تحقيق د.علي محمّد عمر، مكتبة الخانجي، مصر، 2001، ج3، ص45
20- الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، سورة الفرقان، دار الفكر، بيروت، 1993
21- ابن حبيب البغدادي، المنمّق في أخبار قريش، مصدر سابق، ص531
22- المصدر السابق
23- الزبير بن بكّار، جمهرة نسب قريش وأخبارها، إشراف: حمد الجاسر، مطبوعات مجلّة العرب، الرياض، ص 90
24- تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، ج1، ص101
25- الراجح من اسمه أنّه قبطيّ مسيحيّ: Pakhomius
26- الأزرقي، أخبار مكّة، دار الأندلس، بيروت، 1983، ص210
27- François Decret, Mani et la tradition manichéenne, Seuil, Paris, 2005, p25 réf : Inscription de Karter, tr Marie louise Chaumont, parue dans JA, 1960, p339-380
28- Frédéric Lenoir, Comment Jesus est devenu Dieu, Fayard, Paris, 2010, p144
29- Edouard-Marie Gallez, Le Messie et son prophète, t1, éd. de Paris, 2005, p253
30- ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، 1988، ج3، ص21
31- إنجيل الطفولة، 26
32- Edouard-Marie Gallez, Le Messie et son prophète, t1, éd. de Paris, 2005, p32
33- Corpus Scriptorum Historiae Byzantinae/Theophanis Chronographia/V1-41/1839/A6119
34- Chronique Michel le Grand, tr Victor Langlois, Italie, 1868, ch27
35- محمّد بن حبيب البغدادي، المنمّق في أخبار قريش، مصدر سابق، ص 531
36-  البخاري، الحميدي في الجمع بين الصحيحين، ج2، ص 60
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق