قراءة في شعر الراحل علي الجندي / يوسف بزي

بغياب الشاعر السوري علي الجندي الأسبوع الماضي عن عمر ناهز 82 عاماً، نتذكر حقبة شعرية كاملة امتدت منذ مطلع الستينات وحتى بداية الثمانينات. تيار واسع وعريض من التجارب والنتاجات في القصائد والروايات والرسم والنظريات الأدبية واللغة الثقافية.

حينها وبموازاة «الإيمان» الجارف بالحداثة، ومع «التفاؤل» الثوري المنعقد مع المدّين القومي واليساري، كان الأدب، والشعر منه خصوصاً، يصدح ويقول بصوت عريض وواثق. شعر الرؤى والنبوءات كما شعر الشكوى الكبيرة.

كان النزاع أيضاً بين حداثتين، الأولى أقلية مثّلتها مجلة «شعر»، والثانية أكثرية تبحث عن «أصالة» تاريخية وعن «شرعية تراثية»، فيما هما معاً ينهلان من مصادر التجديد الغربية، أكان ذلك أنكلوساكسونياً أو فرنكوفونياً.

في قلب هذه المعمعة تبدو تجربة علي الجندي، الدالة على تجارب عشرات الشعراء في تلك الحقبة، نموذجية في مكابداتها وحيرتها بتلقي واختيار المؤثرات والإنحياز الى مسار دون آخر، الى نبرة قديمة محدثة، أو الى صيغة جديدة مؤصلة، الى شكل هجين أو الى صوت منفرد ومعمم في آن. حيرة في الانجذاب الى الأليف الكلاسيكي «الفخم» والممتلئ قوة وثقة واعتزازاً لغوياً وحضارياً، أو في الانجذاب الى الغريب الأجنبي الحديث الحيوي والمتشظي والمغوي، أو الإمساك بالخيارين من طرفيهما، في ذاك الوسط المشوش والغامض.

لم يكن ذلك مجرد «ذوق» أدبي، أو حساسية نقدية فحسب. ذاك أن ما هو معترك أدبي ـ نقدي كان معتركاً إيديولوجياً بامتياز، حيث سجالات الفكر والسياسة والمعتقد هي في أصل المزاج الشعري وهويته، شكلاً ومضموناً.

على كل حال، ما يُسجّل هنا أن «التجديد» كان هو كلمة السر والمحرك الشامل للانشغالات في الثقافة والعمران والسلوكيات والسياسة. ذاك «التجديد» كان هو الروح الطاغية والنسغ المتدفق في الأجسام العربية وأفئدتها.

مع مطلع الستينات اجتمعت في الشعر الرومانسيات الكئيبة والرمزية السوداوية بقدر اجتماع الانبعاثية التموزية والعبثية الوجودية ومقولات «الالتزام» البعثي ـ القومي والواقعية الاشتراكية.. إلخ. كانت أيضاً تتلاقى كلها مع المنجز في اقتراحات عصر النهضة والكلاسيكية المجددة (الجواهري، سعيد عقل، الياس أبو شبكة..) وما تلاها من اقتراحات لرواد القصيدة الحديثة (السياب، أدونيس..) وكان الأثر الكبير أيضاً للمنجز الأجنبي المترجم (ت.س.اليوت، عازرا باوند، آرثور رامبو، شارل بودلير..).

من تلك الكيمياء المعقدة، كان تركيب القصيدة العربية يشمل كماً كبيراً من العناصر المتجاذبة والمتنافرة، لتفور حارّة مضطربة بكثافتها. كانت قصيدة التجارب والتجريب، محمومة دوماً بادعاءاتها الكبرى. إذ كان الشعر لا يزال عربياً «خيمياء» المستقبل والحاضر. كان هو «الهوية» وأصلها ووجهها.

بهذا «الإيمان» كتب علي الجندي معظم شعره، ومن تلك الثقافة صنع قصيدته. إذ ما إن نطالع عناوين مجموعاته الشعرية، ومنها «الراية المنكسة» (1962)، «الشمس وأصابع الموتى» (غير مؤرخ)، «الحمى الترابية» (1969)، «قصائد موقوتة» (1972)، و«بعيداً في الصمت قريباً في النسيان» (1981)، حتى ننتبه الى أنها جميعها موغلة في الرمزية والرومانسية والسوداوية والكتابة الوجودية والروح الرؤيوية. الشاعر هنا يرجع صدى الأزمان والميثولوجيات، ويبوح بمكنون الوجدان الغامض لـ«الأمة» ويقول سيرة ظلامات التاريخ، وانسحاق «الإنسان» الأصيل، النقي، في حداثة المدن واضطرابها ودنسها. والأهم انه «الرائي» أبدأ الذي ينظر ويتنبأ ويمسك بالحقيقة المراوغة. وسنقرأ في «الراية المنكسة» (صفحة 12) قصيدة بعنوان «رؤيا» وفيها:

«أيتها المدينة المسرفة
بالدل والاغراء والعجرفة
يا مومساً تحيا على الأرصفة!
تاريخك الشيطان اشباحه
تسري بأعراقي رؤى مترفة..
أمضي وحيداً في لياليك
ظلي معي، تاريخك القاتم
حولي من الأشباح سرب وفي
قلبي قطيع هائج، هائم
… لا روح في الشارع الا انا
ونسمة باردة حرة،
آخر دربي واضح مطلق
امواجه انشودة مرة
مشرداً أمضي، وخلفي غدي،
وغدك المفزع قدامي،
أراك يا مدينتي قلعة
أسوارها من حمأ دام
ومن صديد كل أمواهها
أحلامها.. آثار أقدام!»

المدينة ـ المومس. تلك العبارة التي تحكمت بالثقافة العربية وبالتعبير الأدبي العربي هي المدماك الذي بنيت عليه العلاقة مع الحداثة كلها لزمن مديد في السياسة والسلوك والفن والعلاقة مع العالم، وارست مفاهيم وقيما شاملة في المجتمعات العربية، لا تزال مؤثرة حتى اليوم.

ومقابل صبغة «المدينة ـ المومس» تقوم في قصائد علي الجندي لازمة مستمرة هي «مناجاة الأم»، التي هي رمزياً الريف ومسقط الرأس حيث البراءة الأولى. وفعلياً هي المرأة الطاهرة الحنون، والحضن الدافئ والطمأنينة والسلام.

وكما في سيرة كل ذاك الرعيل في الثقافة العربية، ستأتي هزيمة 1967 بالصدمة التاريخية، حيث سيجد الشاعر علي الجندي نفسه في مواجهة هائلة مع اقانيمه وثوابته وخياراته، بكثير من المكابرة والألم واليأس، ليكتب في «الحمى الترابية» «احفر يا خنجري الشعري طريقاً دموياً تحت الأضلاع/ارسم بالناب وبالمخلب/اسطورة نار عن هذا العصر المرتاع..» وستتحول صدمة 1967 هذه الى ذاكرة مستبدة، الى بوصلة لحياة كاملة وعنواناً وحيداً لأفق العيش ومعناه، وستتحول الخيبة الى نبرة دائمة والى لغة كاسرة. سيكون اليأس السياسي ومرارة التجارب مع الأنظمة والقمع هي الخلاصة الأولى للوعي لدى الشاعر، الذي بات اكثر ميلاً لليل والكحول والقول التشاؤمي ليكتب في مطلع السبعينات واحدة من افضل قصائده، قبل ان يحل صمته الذي استمر منذ عقدين وحتى مماته. ففي قصيدة «القطارات تمر»: «واقف منذ صباح العيد أستجدي على أبواب مينائك يا.. أمي مواعيد السفر، ارقب العناوين والموتى وحمال التوابيت وباقات الزهر، فقطارات بلا ناس ولا صوت تمر، وارى الحزن على جلد الحقائب.. منذ حين وأنا وحدي، وبرد الصبح يكويني وقد سافر كل الأصدقاء وأنا انتظر الشمس ودفء القاطرة.. غير ان الحارس الجهم اصطفاني من جميع النزلاء، انتهرتني شرطة الميناء، قالت لي ذؤابات الدخان: انت تبقى بعد ان تمضي الى البحر المراكب».

مات علي الجندي وحيداً في اللاذقية بعد ان جر صخرة خيباته طوال عقود صمته. مات شبه منسي اذ لم تسطع الصحف ان تجد له صورة فوتوغرافية لتنشرها مع خبر وفاته. لم تجد كتبه على الأغلب. مات ليذكرنا به وبأقرانه نحن النسّائين، من غير شعور بالذنب تقريباً طالما اننا لم نحمل وزر خطيئة تلك الخيبات القاتلة.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق