قراءة في كتاب ” الحركات الاسلامية بالوطن العربي- تونس نموذجا ” لمؤلفه الدكتور أعلية علاني

يعدّ الحديث عن الحركات الإسلامية في وطننا العربي من أكثر مواضيع البحث حساسية ومغامرة، وهو يستدعي كثيرا من الجرأة في الطرح وإلماما واعيا بتاريخ هذا الفكر، وفهما لتداعيات النشأة واختلاف الإيديولوجيات. ثمّ إنّ دراسة الحركات الإسلامية في الوطن العربي يقتضي تحليل كلّ حركة في إطارها الإقليمي المحلّي لأنّ الحديث عنها يتطلّب دراستها بمعزل عن مثيلاتها في بلدان عربية أخرى، باعتبار اختلاف تعاطي الحكومات العربية مع الإسلاميين، واختلاف الطرح الفكري وأدبيات كلّ حركة، وهذا ما أدركه الدكتور أعلية العلاني في كتابه “الحركات الإسلامية بالوطن العربي – تونس نموذجا”، حيث حاول أن يقدّم تحليلا أقرب للموضوعية وغاص في مكنونات ومدلولات فكر الحركة ومواقفها، وأبرز مختلف المحطات في مسيرتها.

بعد تقديم لمحة عامّة عن الظاهرة الإسلامية والحركات الإسلامية بالوطن العربي عامّة، وإعطاء فكرة عن هذه الظاهرة ببلدان المغرب العربي، وبعد مدّنا بلمحة عن الإطار الذي ظهرت فيه هذه الحركة منذ الاستقلال إلى السبعينات، أخذنا الكاتب من خلال مؤلفه الذي صدر في سلسلة إصدارات “وجهات نظر”عن دار النجاح بالرباط، في جولة تاريخية وتحليلية تنطلق من سنة 1970 إلى سنة 2007، وعلى امتداد 303 صفحة مفصلة في 6 محاور يُمكن لنا أن نرصد مختلف المحطّات التي مرت بها الحركة الإسلامية في تونس، من التأسيس إلى التركز التنظيمي، مرورا بأهمّ مراحل نشاطها وأكثر المحطات تأثيرا في مسيرة التيار الإسلامي في تونس، وخاصة فترات الهدوء القصيرة، وحقبات التصادم الطويلة مع السلطة التونسية وأسبابها.

لقد شهدت الحركة الإسلامية تاريخيا تغييرا متكرّرا في التسمية، فكانت تسمّى “الجماعة الإسلامية” من 1970 إلى 1979 ثمّ “حركة الاتجاه الإسلامي” بين 1979 – 1989 وأخيرا “حركة النهضة”من 1989 إلى اليوم، منتهلة من إرثها الإيديولوجي “الإخواني” ومن كتابات رئيسها راشد الغنوشي المتعددة، وخاصة كتابه المشهور “الحريات العامّة في الدولة الإسلامية”. كما كان للأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتقلبة التي عاشتها تونس أواسط السبعينات الأثر الكبير في نموّ الحركة وانتشارها الذي جاء متزامنا مع بداية انحسار المدّ القومي واليساري.

وقد صنّف الكاتب أعلية العلاني الحركة الإسلامية بتونس كأقدم الحركات بالمغرب العربي، ووصفها بأنها تيّار كان يسعى إلى الوفاق مع التيارات الإسلامية في الخارج أكثر من وفاقه مع الداخل، مما أنتج تصادما في البداية مع عديد النخب الفكرية المعارضة التي ترى أن أسلمة المجتمع والدولة على الطريقة الإخوانية سيقضي على كلّ مكتسبات الحداثة التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال، كما دخل هذا التيّار في مواجهة مفتوحة مع السلطة لأنه كان يقدّم نفسه بديلا لا شريكا في العملية السياسية، ممّا أدى به إلى رحلة طويلة بين المنافي والسجون. كان رموز هذا التيار في البداية يعتبرون محنتهم ابتلاء، لذلك تراهم لا يتورّعون في نعت نظام الحكم بالمغالي في العلمانية والحداثة على الطراز الغربي، وساندوا بقوة الثورة الإيرانية وتبنّوا العديد من شعاراتها، وانخرطوا في الإعداد ليوم الخلاص، فكانت النتيجة أن امتلأت السجون بالأنصار والقياديين، وأصبحت المواجهة الدامية بينهم وبين السلطة هي القاعدة والتوافق هو الاستثناء.

ثمّ إنّ المزاوجة بين الطابع الديني والطابع السياسي أجّجت الخلافات بينها وبين سائر مكوّنات المجتمع، بما في ذلك نظام الحكم، لأنّ الإسلام يبقى هو المشترك بين عموم التونسيين ولا يجوز توظيفه من أيّ طرف كان.

لذلك لا نستغرب من تواصل الأزمة بينها وبين السلطة إلى نهاية العهد البورقيبي، حيث كانت المصادمات والمحاكمات عنوان المرحلة، إلى أن جاء تغيير نظام الحكم على يد الرئيس بن علي في 7 نوفمبر 1987، حينها تنفّس الإسلاميون الصعداء وحاولوا فتح صفحة جديدة مع حكومة التغيير.

جاء مشروع الرئيس بن علي بعفو شمل قياديي حركة النهضة، أو ما يسمّى آنذاك “حركة الاتجاه الإسلامي”، وأفرج عن زعيمها “راشد الغنوشي”، كما أعطى هذا المشروع هامشا من حرية التحرّك لهذا التيار الإسلامي من خلال إعطائه فرصة المشاركة في الحياة السياسية، ومنها بالخصوص المشاركة في المجلس الأعلى للميثاق الوطني والانتخابات البرلمانية لسنة 1989، وتمكين قيادة الحركة من جريدة ناطقة بلسانها سمّيت بجريدة “الفجر”.

لكنّ الحركة لم تستفد من أخطائها في العهد البورقيبي، بل لم تسع إلى تغيير أسلوب عملها، ولم تحسن الاستفادة من الفرصة التاريخية التي منحها لها نظام الحكم الجديد، حيث يوضّح كتاب “الحركات الإسلامية بالوطن العربي- تونس نموذجا” كيف أن حركة النهضة وضعت كلّ ثقلها في هذه الانتخابات وسوّقت لخطاب تعبويّ ذهب الأمر فيه ببعض مرشّحيها إلى الدعوة للتراجع عن قبول مجلة الأحوال الشخصية والعودة لنظام تعدّد الزوجات، وإقامة حكم هو أقرب للنظام الثيوقراطي منه إلى الحكم المدني. ونتيجة لهذه التطوّرات -التي اعتبرتها السلطة خطيرة على مستقبل البلاد- عادت المواجهات من جديد بين نظام الحكم و”حركة النهضة” بنفس الحدّة، وقد خيّر زعيمها الغنوشي مغادرة أرض تونس منذ 1989 بلا عودة في حين أُعلِن التيار الإسلامي حركةً محظورةً في تونس منذ سنة 1990.

وأنت تقرأ هذا المؤلف لا يسعك في النهاية إلاّ الخروج باستنتاجات مفادها أن الحركة الإسلامية في تونس لم تدرك الفرق بين أن تكون حزبا سياسيا وأن تكون تيارا دينيا في نفس الوقت، كما أنها لم تستفد من الفرص التاريخية التي توفّرت لها. ورغم أنّها طوّرت كثيرا من مواقفها السياسية في السنوات الأخيرة إلا أنها لم تقم بتحيين مرجعيتها الفكرية، وهو ما يجعل خصومها يتّهمونها بمواصلة انتهاج الخطاب المزدوج. والملفت للنظر أنّ التيّارات الإخوانية بالمغرب (حزب العدالة والتنمية) والجزائر (حمس) تمكّنا من أن يصبحا شريكين في السلطة في وقت قياسيّ، بعد أن فصلا بين ما هو دينيّ وما هو سياسيّ، وقبلا باللعبة الديمقراطية وإكراهاتها ونتائجها، وتجنّبا الخطأ القاتل الذي وقعت فيه حركة النهضة وهو التسرّب إلى المؤسسة الأمنية في مناسبتين متكرّرتين، وانتهاج سياسة المواجهة المفتوحة. ولم تتفطّن الحركة لهذه الأخطاء إلا في مرحلة المهجر فقامت بنقدها الذاتي وأعادت النظر في العديد من القضايا، وأصبحت تطالب بعقد اجتماعي جديد وتفاهمات جديدة مع كلّ مكونات المجتمع بما في ذلك السلطة، لكنّ الجرح مازال عميقا بينها وبين نظام الحكم، ومازال التخوّف قائما من تواصل انتهاج الحركة لأسلوب اللغة المزدوجة.

إن ما نستنتجه من قراءة هذا الكتاب، أنّ الدارس لتاريخ الحركة الإسلامية في تونس يواجه شحّا في المصادر والمراجع حيث تعد الكتابات في هذا الموضوع نادرة، ربّما لحساسية الموضوع من جهة ولقلّة الدراسات الأكاديمية حول هذه المسألة من ناحية أخرى. لذا يعتبر كتاب الباحث اعلية علاني، وهو في الأصل أطروحة دكتورا، إضافة نوعية في حقل دراسة تاريخ الأفكار.

.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This