قراءة في كتاب “الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي”

 
يهتمّ مؤَلف سامي زبيدة “الشريعة والسلطة في العالم الإسلاميّ” بتقديم إضاءات جديدة ومهمّة في سياق النظر والتحليل للعلاقة الجدلية بين الشريعة والسلطة من ناحية، وتنامي ظاهرة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية لدى حركات الإسلام السياسيّ بصفة خاصّة من ناحية ثانية. فضلا عن بحث علاقة الشريعة بكلّ من التشريع، ونظم الحكم والإدارة، والقوانين الوضعية، من ناحية ثالثة.

 
كما يحاول المؤلّف أن يتلمس الملامح العامة، الأيديولوجية والفلسفية والقانونية الاجتماعية، وأحيانا السيكولوجية، التي تسم المقاربات القديمة-الجديدة الداعية إلى، والمتبنية لـ”العودة إلى الإسلام” شعارا لها. ويعتمد المؤلف منهجا يقوم على طرح التساؤلات بوصفها أساسا منطقيا لمشاريع أجوبة هي برسم الجميع، مادامت الأزمات الراهنة، وفي القلب منها أزمة الإسلام المعاصر، تشكّل العلامات الفارقة لمجتمعاتنا، وذلك بصرف النظر عن مدى جرأتنا على الاعتراف بحقيقة وجودها من عدمه.

ومن المعلوم أنّ قضية التمسك بالشريعة والمطالبة بتطبيقها كانت قد بدأت تتبلور إبان القرن التاسع عشر، عندما دخلت الدولة العثمانية مرحلة التطوير المؤسسيّ والتّشريعيّ لتستوعب التحوّلات الديمقراطية والسياسية التي جرت في أوروبا، وتحافظ في الوقت نفسه على الطابع الإسلامي أو الانسجام مع الشريعة الإسلامية باعتبارها مجسّدا واقعيا لدين الدّولة/الخلافة. وفي السياق ذاته، استنبط العلماء والقضاة الصيغ التي تمّ بموجبها إدخال الممارسات المالية القائمة ضمن نطاق الشريعة، ولم يحدث ذلك بجعل تلك الممارسات تتوافق مع القانون الشرعيّ، وإنما بتوسيع مفاهيم ذلك القانون ومفرداته بحيث تستوعب الممارسات القائمة وتضفي عليها شرعية دينية، مع الحفاظ على اختصاص القضاة ضمن إداراتهم.
 
وقد أظهرت الشريعة، وفق هذا المعنى/الطرح، مرونة كبيرة في الزمان والمكان. ويصل سامي زبيدة إلى القول بأنّ إصرار الآراء الحديثة على الطبيعة الثابتة وغير المتبدلة للشريعة بوصفها قانونا إلهيا لكل الأزمان، لا تؤيده دراسة تاريخ الشريعة وعملها. ومن ثمّ، راح يستقصي المفهوم ضمن سياقاته التاريخية فتعقّب مختلف عناصرها في إطار علاقتها مع أنماط المجتمع والسلطة، مع التركيز بشكل خاص على التاريخ العثمانيّ باعتباره الأقرب تاريخيا والأكثر انزياحا ضمن تضاعيف ثقافات ومرجعيات الحركات المطالبة بتطبيق الشريعة حاليا.

 
ثم انتقل بعد ذلك إلى بحث علاقة الشريعة بالسلطة خلال فترة الإصلاح الحديثة، والحداثة السياسية والقانونية، وتأسيس الدولة/الأمّة. وبحسبه، شهد القانون تحوّلا جذريّا في ظلّ الأنظمة الحديثة، أي أنّ ما تُركز عليه الشريعة من دوائر دينية ومؤسسات وخطابات قد شهد بدوره انزياحا لصالح تنظيم القانون ودولنته تحت سلطة الدولة المعاصرة. وبحسبه أيضا، فإنّه حتى مع الاحتفاظ بالشريعة أو بعض عناصرها، إلا أنّ ثمة تغييرا حدث في طبيعتها بحكم انفصالها عن مرتكزها الدينيّ من جهة، وتحوّلها إلى “قانون دولة” من جهة ثانية، فضلا عن خضوعها بطبيعة الحال للتشريع والتعديل على يد الأجهزة السلطوية من جهة ثالثة.

وقد تناول الفصل الأول من الكتاب الشريعة بمقدماتها وبنيتها، من حيث مصادرها ومواضيعها ومفاهيمها ومناهجها، مثلما درس مسيرة تطورها من منظورين: أولهما، إيضاحيّ يبين الطريقة التي قدمت فيها الشريعة على يد أصحابها، والثاني، من زاوية التسلسل التاريخيّ لتطوّرها حسبما عرضه المؤرخون الجدد، كما بحث فيه أيضا سلطة النصوص القانونية المتفق عليها وتطور الاجتهادات حولها.

 
ويؤكّد المؤلّف أنّ فكرة الشريعة تقوم أساسا على أساس عقديّ، كما أنها تتألّف من أوامر وأحكام ذات إسناد/منشأ دينيّ، أولا في القرآن، كلمة الله، ومن ثمّ في سنّة النبيّ، عليه الصّلاة والسلام، بوصفها تجسيدا للأمر الإلهيّ وتعبيرا عن شريعة الله. ويخلص إلى القول إنّ الشريعة تعتبر بمثابة الفكرة الرئيسة في الدين الإسلاميّ، كما أنها العنصر الأساسيّ في خطابات المجتمعات الإسلامية ومؤسساتها على مرّ العصور. وقد شهدت الشريعة وتطبيقاتها تطويرا وتحديثا على صعيد الممارسة، طوال القرون الهجرية، على يد كل من المحدثين والفقهاء حيث ضمتْ مباحث الفقه مجموعة من القوانين التي اشترعوها وتشتمل على تحديد أحكام الشريعة ومنهجياتها.

غير أنّ النقطة الأساسية التي تلفت الانتباه في مسيرة تطوّر الشريعة تكمن في الحكم على معطياتها حكما عاما وشاملا. بمعنى، أنه إذا كانت الأحكام ذات المنشإ الدينيّ قد تمّ نقلها وتطويرها بواسطة البشر، وإذا كان علم الفقه يعني حرفيا “الفهم”، أي سعي الأتقياء لفهم المشيئة الإلهية واستنباطها، وإذا كانت الشريعة التاريخية، كما طُوّرت في النصوص والممارسات، هي من عمل الفقهاء، فإنّ ذلك يعني أنّها كما آلت إلينا، وإلى حدّ كبير، من صنع الإنسان وقائمة على التأويلات والتفسيرات والخطابات والقياسات والاستعارات الواسعة من الممارسات المألوفة، كالعرف وعمل أهل المدينة والتقاليد المحلية لمختلف المدن التي ضُمّت مؤخّرا لممالك الإسلام…إلخ، إضافة إلى ما أمكن تعديله لاحقا من القانون الرومانيّ.

 
وتطرح مثل هذه النتيجة أسئلة محرجة على السياقات الحديثة للإصلاح و”النزعة الأصولية” على وجه الخصوص. خاصة أنّ كليهما يحاول إنقاذ الرسالة السّماوية من تعاظم الإضافات التاريخية إنسانية الصنع، غير أنهما يصلان في نهاية الأمر إلى نتائج متباينة حول جوهر الرسالة ذاتها ضمن مفارقة ربما لم يتنبه إليها الكثيرون.
فقد كان الهدف الأساسيّ، ولا يزال، لدى عديد الحركات الإسلامية، وبعض الحركات القومية، متمثلا في إعادة الاعتبار للشريعة بوصفها قانون المسلمين. وبالنسبة للبعض، كانت هذه الخطوة في الأساس أحد مظاهر التقوى، واستحضارا لواجبهم في تسيير شؤونهم وبما يتّفق مع التكليف الإلهيّ؛ في حين تركّز الهدف الأوسع على استعادة ما كان يعتبر صحيحا وملائما وأصيلا. وبحسب وجهة نظر الإسلاميين، فإنّ القانون هو العمود الفقريّ للمجتمع والحكومة، ولا بدّ لكل مجتمع من أن تسوسه قوانين منبثقة من تاريخه وثقافته، أمّا أن يُحكم المرءُ بقوانين غريبة عنه، فيعني أنه فقد هويته وانساق وراء وعي ذاتيّ مزيّف.

 
عالج المؤلف في الفصل الثالث مسألة العلاقة بين كلّ من الشريعة والسلطة، وكذلك العلاقة بين الحكام والفقهاء، كما درس الأحداث المواكبة لتطوّر هذه العلاقات وما تركته من آثار كبرى على صوغ أيديولوجيا الشريعة، حيث أمكن في العهد العثمانيّ الوصول إلى مستوى عال من الدواوينية والتمركز في تطبيقها. كما تناول أيضا عصر الإصلاح وتأميم الشريعة إبان العصر العثمانيّ (القرن التاسع عشر)، وبحث كذلك السياقات السياسية والأيديولوجية للإصلاحات والقيود الاجتماعية والاقتصادية، وبالمثل النزاعات التي أحاطت بهما. كما درس سيرورة العلمنة البنيوية التي رافقت الحداثة والإصلاح، وذلك لأنّ الكثير من القضايا والمشكلات التي نشهدها حاليا نشأت أصلا في تلك البيئة.

ويولي المؤلف أهمية خاصة لموقع الشريعة وسيرورتها في عصر الدولة العثمانية على اعتبار أنّ معظم الدول الحديثة في الشرق الأوسط هي وريثة للامبراطورية العثمانية (1300-1922)، وقد خلفتْ ثقافتُها الرسمية، ومن بينها القانون، آثارا عظمى على مسيرة تطورها. أضف إلى ذلك، أن الحركات الإصلاحية التي نشأت إبان القرنين التاسع عشر والعشرين، قد تطورت ضمن نظم الحكم العثمانية، والتي تميزت منذ انطلاقتها بمركزية الدولة من جهة، وإضفاء الصبغة الشرعية على الحكم من جهة ثانية. مثلما تميزت أيضا بجهاز إداريّ فضفاض وهرمية تراتبية ذات بعد رسميّ ونواظم مكتوبة ومفصلة من جهة ثالثة.

 
وقد كان من الممكن لعملية مركزة الامبراطورية هذه وبقرطتها أن تمضي قدما فقط بوجود قواعد مفصلة وواضحة، وهو ما نهضت به مجموعة قوانين رسمية. وقد نظم أبو السعود أفندي هذه القوانين وأضفى عليها الشرعية الدينية. حيث أجاز، على سبيل المثال، الكثير من ضروب الوقف الماليّ على غير الشكل التقليديّ المتعارف عليه، وهو الملكية غير المنقولة أو العقارات. ورغم أن موقفه هذا قد قوبل بمعارضة شديدة من قبل فقهاء الحنفية الأكثر تقليدية، إلا أنّ فتواه التي فتحت السبيل أمام دفع الفوائد والعوائد المالية لخزانة الدولة، جاءت باعتبارها فرجا للسلطات والمؤسسات الرسمية لأنّ تحريمها كان سيؤدّي إلى إفلاس خطير في الحياتين الاقتصادية والدينية معا.
كما صنف أبو السعود كل الأراضي الزراعية في الامبراطورية العثمانية على أنها أراض خراج، بدعوى أنها أُخذت بالقوة، سواء أكان من يحرثها مسلما أم ذميا. ومن ثم، فهي بذلك خاضعة لضريبة العُشر، وهو ما كان له أثره في تسويغ سيطرة الدولة على الأراضي والحيلولة دون تحويلها إلى ملكية مطلقة. ورغم التعارض مع أحكام الشريعة في الميراث، برّر أبو السعود أيضا العرف الذي حرّم تقسيم مزارع الفلاحين، ذات المواصفات المحدّدة بالقانون، على الورثة باعتباره ضرورة عملية، لأنّ الأرض إذا وزّعت على الورثة بالطريقة المعتادة، سيكون من الاستحالة بمكان حينئذ تحديد الحصة التي على كل وريث أن يدفعها للخراج!!! وقد قُيَّض لصياغاته هذه أن تظلّ قائمة حتى إصلاحات القرن التاسع عشر.

 
ويخلص المؤلف في نهاية كتابه إلى القول إن تطبيق الشريعة في الدول والمجتمعات الحديثة إنما يجري فهمه بطرق مختلفة ومتعدّدة من قبل الأطراف المهتمة بالأمر: فالمتشددون والأصوليون، وكذلك الليبراليون على نحو خاص، يميلون إلى نبذ التقاليد التاريخية للفقه ومنطقه ومنهجيته لصالح العودة إلى المصادر القديمة المقدسة، وهي القرآن والسنة. فيما يقرأ المتشددون والمحافظون هذه المصادر بشكل مخالف تماما لليبراليين، ففيما يجنح الأخيرون إلى تبنّي النسبية التاريخية، ويقرؤون النصوص في ضوء زمانها ومكانها مؤكّدين أنه إذا كان القرآن كلام الله موجّها إلى الناس بمصطلحات يقدرون على فهمها، فستكون الألفاظ تتناسب مع الوسط الذي يتلقاها، وإذن فعلينا أن نفهم النصوص بلغتنا نحن، ونفسرها طبقا لمقاصدها وروح العصر، يقرأ المتشدّدون والمحافظون هذه النسبية باعتبارها كفرا بواحا يجب معاقبة من يجهر به بوصفه مرتدّا عن الإسلام.

 
ختاما يرى الكاتب أنّ التحدّي المطروح أمام الفكر والممارسة الإسلاميين إنما يكمن في خوض المعركة تجاه الذات أوّلا وأساسا، وذلك من خلال الكفّ عن معاكسة اتجاه التاريخ، والمضيّ قدما في سبيل الإصلاح والتجديد، والتكيّف مع المستجدّات المتلاحقة، بعيدا عن أفكار التحزّب والصراع والتي تروق الكثيرين ممن يريدون صرف الانتباه عن الاتجاه الفعليّ لحركة الواقع ومعطياته، وأنّ كل خطوة تفاعلية مع الحياة، كما مع الآخر، من شأنها تجاوز خطوتين من الجهل بكلّ منهما.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق