قراءة في كواليس المعارضات السوريّة

يمكن القولُ إنّ لحظةَ إعلان اتفاق شطري المعارضة السوريّة الأكبريْن (هيئة التنسيق الوطنيّة والمجلس الوطنيّ السوريّ)، ثم تنصُّل «المجلس» من الاتفاق بطريقةٍ فضائحيّة، شكّلتْ نقطةً فارقةً في مسار الثورة السوريّة. ويعود ذلك إلى سببين: 1) انكشاف أجندة جهاتٍ محدّدةٍ داخل كلّ طرف من دون علم الآخر، وتبيّن وجودِ مشروعين معارضين لا التقاءَ بينهما. 2) دخول الثورة السوريّة نفقًا خطيرًا تتجلّى ملامحُه في التخلّي التدريجيّ عن السِّلْميّة. وقد حَسم ذلك إعلانُ «المجلس الوطنيّ» تبنّي «الجيش السوريّ الحرّ» والتنسيقَ معه ودعمَه من خلال مكتب ارتباطٍ مشترك، ليعلِنَ(**) بعدها هذا الجيشُ نيّتَه استهدافَ المرافق الحيويّة. وهذا ما جرى فعلاً في بيانٍ صادرٍ عن كتيبة حمزة بن عبد المطّلب (منطقة الزبداني ومضايا)،(***) وتجلّى على الأرض في قيام «الجيش الحرّ» في الزبداني بطرد قوات الجيش السوريّ من المدينة بتاريخ 18/1/2012 بعد توقيع هدنة.

 

غير أنّ توقيع هدنةٍ بين «الجيش الحرّ» والنظام سيعني وضعَ سكّين الخارج على عنق الثورة، فيتوقّف من ثمّ تسلّحُ الثوّار. وهذا لا يمنع من الإقرار بأنّ وجود هؤلاء ساهم في حماية المظاهرات أو في استمرارها في أماكن عديدة ضَعفتْ سيطرةُ الدولة عليها. ولكنّ هذا الإقرار لا يعني الموافقةَ على نظريّة القائلين إنه لولا السلاحُ لأَخمدتِ السلطةُ المظاهراتِ بالقوة. إنّ حماية التظاهرات شيء، والدخولَ في معارك مع الجيش السوريّ شيء آخر؛ فهذا الدخول قد تكون له أهدافٌ أخرى، على رأسها تفكيكُ الجيش السوريّ خدمةً لأجندةٍ غربيّة ـ إسرائيليّة (سنتحدّث عنها لاحقًا). وهذا قد لا يتحقّق إلا بحربٍ أهليّةٍ بات خطرُها ماثلاً للعيان، ومن مؤشّراتها: مكوّناتُ «الجيش الحرّ» الذي تَحْمل كتائبُه أسماءً مذهبيّةً تُرهب الأقليّاتِ الدينيّة المنكفئة والخائفة (بعضُها التحق بالنظام اقتناعًا وبعضُها التحق به خوفًا من القادم)، مقابلَ اعتماد النظام على كتائبه ذاتِ البنية المذهبيّة الواضحة في مثل هذا النوع من المعارك للحدّ من الانشقاقات ولضمان الولاء. وهذا يعني أنّ الاتجاه نحو التسلّح قَطَعَ أيَّ جهدٍ لضمّ الكتل الصامتة أو المتردّدة أو الخائفة إلى الثورة. كما يعني وضعَ جزءٍ كبيرٍ من الحلّ في يد النظام والخارج، لإيصال الأمور إلى تلك النقطة، بهدف إفراغ الثورات من محتواها، مع إحداث تغيّر شكليّ لا يصيب الجوهر ـ وهو ما رأيناه في مصر وليبيا.(1)

في سورية ـ وهنا تكمن الخصوصيّةُ السوريّةُ حقّاً ـ يريد الغربُ تغييرًا جذريّاً في توجّهات النظام الخارجيّة، مع تغييرٍ طفيفٍ في بنيته الداخليّة، خلافًا لما كان يريده من السلطتين السابقتين في مصر وتونس. وهذا ما يجعل الغربَ، بمساعدة بعض المعارضات الملتحقة بالغرب الكولونياليّ، يفكّر بسيناريو قريبٍ من السيناريو الليبيّ، مثل الحماية الدوليّة والممرّات الإنسانيّة ومناطق الحظر الجويّ. وهنا يُطرح السؤالُ الآتي: أتحتمل سوريا الوطنُ من جهة، وسوريا الثورةُ من جهةٍ أخرى، دفعَ كلفةِ الانتقال من محورٍ إلى محور؟

 

مشروعان للمعارضة السوريّة

الفضيحة الإعلاميّة التي جرت بين المجلس الوطنيّ وهيئة التنسيق كَشَفتْ عن مشروعين لا يلتقيان إلاّ على توجيه السهام إلى النظام بهدف “إسقاطه” (بلغة المجلس) أو “تغييره” (بلغة الهيئة)، لا بهدف الوصول إلى دولة ديمقراطيّة علمانيّة مدنيّة. وإنّ متابعة بيانات الطرفين تَكشف هيمنةَ الشعار، بعيدًا عن أيّ مشروع حقيقيّ يناقش التفاصيلَ، حتى لنجد أنفسَنا أمام طرفيْ نزاع على السلطة لا غير: ففي حين يُصرّ المؤيّدون على أنّ سورية هي سوريا الأسد، يصرّ بعضُ أنصار المعارضة على أنّها سوريا خالد بن الوليد كما قال القياديُّ في الإخوان المسلمين فاروق طيفور:« أنا عاتبتُ أبو الوليد [خالد مشعل] على تصريحاتٍ ذَكَرَ فيها عبارة ’سورية الأسد.’ فأرسلتُ له أنّ سورية هي سورية خالد بن الوليد، وليست سورية الأسد.»(2)

 

يقوم مشروعُ هيئة التنسيق على لاءاتٍ ثلاث: «لا للسلاح، لا للاقتتال الطائفيّ، لا للتدخّل الأجنبيّ.» وهو يميل إلى إرساء حلّ داخليّ يؤدّي، سواء عبر التفاوض مع النظام أو عدم التفاوض معه، إلى مرحلة انتقاليّة تمهّد لتفكيك الدولة الأمنيّة باتجاه دولة المواطنين. وترفض الهيئة الدخولَ في مشاريع خارجيّة مغامرة تُسهم في نقل سورية من محور إيران ـ حزب الله ( مع سعيٍ إلى ضمّ العراق بعد ذهاب «حماس» في خطّ لم يتّضحْ بعدُ إنْ كان نهائيّاً) إلى محور غربيّ يقوم على حماية «إسرائيل» ورعايتها. وهذا ما تجسّدُه طروحاتُ القياديّ في الهيئة هيثم منّاع: فهو حين يَرفض التدخّلَ العسكريّ أو الحمايةَ الدوليّة أو الممرّاتِ الإنسانيّةَ المقترحة، يَشْرح سببَ رفضه، خلافًا للمجلس الوطنيّ الذي يَقْبل التدخّلَ بواحدة أو أكثر من صيغ هذا التدخّل من دون أيّ توضيح. يقول منّاع: «أنا، كناشط حقوقيّ، كنتُ في منطقة البحيْرات الكبرى في أفريقيا [أثناء المجازر العرقيّة في رواندا]، وأعْلمُ جيّدًا معنى الكوريدور الإنسانيّ. وأعتقد أنه لا يخْفى على الدكتور [برهان] غليون [رئيس المجلس الوطنيّ السوريّ] أنّ هذا النوع من الممرّات يحتاج إلى قوات تدخّلٍ عسكريّة لحمايته.»(3) منّاع هنا يعبّر عن رؤيةٍ تدرك تمامًا أنّ طروحات التدخّل مقدّمةٌ لتفتيت سورية وطنًا ونظامًا معًا، مؤكّدًا ظهورَ حزب «دع الشيطانَ يأتِ إلى سوريا» لإسقاط النظام… ولو سَقَطَ البلدُ معه!

 

غير أنّ «هيئة التنسيق» لا تَمْلك ثقلاً على الأرض يَدفع باتجاه تحقيق مطالبها. ولقد تمكّن جزءٌ من الإعلام الكاذب، كما يبدو، من بذر الشكّ بين «الهيئة» والجماهير المنتفضة، لأنّ ثمة دولاً ومصالحَ لا تريد لمشروع الهيئة الوطنيّ أن يتحقّق فعلاً.(4) وهنا تستحقّ شجاعةُ هيثم منّاع التحيّة: فقد غامر هذا الرجلُ بخسارة الشارع حين رفض بيعَه أوهامًا على حساب مستقبل سوريا ومستقبلِ هذا الشارع نفسه الذي يجرّه الآخرون، مستغلّين دمَه، إلى أماكنَ أخرى.56)

 

أما بالنسبة إلى «المجلس الوطنيّ»، فنجد صراعاتٍ عديدةً تحْكمه بدءًا من لحظة تشكيله. فقد كان أولُ البنود المعلنة والمختلف بشأنها هو موضوع التدخّل الخارجي، وبدا أنّ البعض في المجلس كان هدفُه الأوحد تسويقَ هذا التدخّل الخارجي شعبيّاً، حتى بتنا نرى شارعًا يَرفع لافتاتٍ تطالب بالتدخّل! ولهذا الأمر علاقة بلعبة الإعلام: إذ ثمّة جهاتٌ كثيرةٌ في الشارع المنتفض تَرفض التدخّلَ الخارجيّ جملةً وتفصيلاً، ولكنْ تغيَّب وجهةُ نظرها إعلاميّاً بسبب هيمنة قوًى معيّنةٍ على وسائل الإعلام. أضف إلى ذلك استغلالَ المجلس الوطنيّ وقوًى خارجيّةٍ لمأساة الناس الذين يحاصرهم الموتُ فعلاً، فيغدو طلبُ التدخّل الخارجيّ ملجأهم الوحيدَ ولكنه تعبيرٌ عن يأسهم أيضًا.

ومن مشاكل «المجلس الوطنيّ» الشكوكُ التي تَحُوم حول بعض أحزابه وشخصيّاته لجهة ارتباطاتها الخارجيّة. فمن المعروف أنّ للعديد علاقاتٍ مع ما يسمّيه منّاع «نادي واشنطن.» يضاف إلى ذلك حضورُ نائب المرشد العامّ للإخوان المسلمين، محمد فاروق طيفور، مؤتمرَ المعارضة السوريّة الذي عُقد في باريس برعاية «الفيلسوف» الفرنسيّ الصهيونيّ برنار هنري ليفي الذي يريد أن «يَدعم» الثورةَ السوريّةَ مثلما دَعم ثورةَ ليبيا بإقامة سفارةٍ إسرائيليّةٍ فيها. لقد كان طيفور حاضرًا في الصفوف الأماميّة، ولم يفوِّتْ ليفي الفرصةَ لإبراز حضوره، إذ تلفّت طويلاً باحثًا عن مكانه للترحيب به في جلسة الافتتاح قائلاً: “أين هو هذا العزيز طيفور؟”.(6) وهذا يَطرح السؤالَ عن علاقة الرجلين، وما إذا كان للأمر صلةٌ بالتدخّل الخارجيّ الذي تبنّاه المجلس؟ وإذا عرفنا أنّ طيفور أحدُ أعضاء “نادي واشنطن،” فهل للأمر علاقةٌ بالاتفاق بين واشنطن وحركات الإخوان المسلمين في مصر وتونس والمغرب وليبيا على وصول الإخوان إلى السلطة ورعاية مصالح «إسرائيل» وفق تفاهمٍ غربيّ تقوده واشنطن وتركيا وقطر؟(7) وهل لهذا السبب لا ترى حركةُ الإخوان المسلمين السوريّة أنّ التدخّل التركيّ تدخّلٌ أجنبيٌّ في سوريا؟ وما الثمن الذي قرّرتْ بعضُ أحزاب المجلس الوطنيّ، وعلى رأسها الإخوان، دفعَه إلى الغرب بعد مساعدته إيّاها على إسقاط النظام؟ أهو إقامةُ علاقاتٍ مع «إسرائيل»، ونفيُ أن تكون المقاومة خيارًا لتحرير الجولان؟

 

الأمر الثالث الذي وقع فيه «المجلسُ الوطنيّ» هو تقديمُه كلَّ ما يريده الغربُ، ما أدّى إلى أن يَخْسر ثقةَ جزءٍ كبيرٍ من الشارع السوريّ، وخصوصًا الكتلة الصامتة، حين طرح موضوعَ التدخّل، في الوقت الذي تُعلن فيه هذه الدولُ نفسُها أنها لن تتدخّل. تضاف إلى ذلك مغامرةُ رئيس المجلس برهان غليون بالإيحاء أنّ سوريا ستنتقل من محور إلى محور آخر، عبر تأكيده أنّ العلاقات ستكون طبيعيّةً مع إيران وحزب الله. ورغم تصحيحاته اللاحقة، فإنّ العلاقات «الطبيعيّة» تعني عدمَ دعم المقاومة. وموقفٌ كهذا أثّر سلبًا في الثورة السوريّة، إذ زاد من وقوف إيران وروسيا وحزب الله إلى جانب النظام لأنّ البديل سيكون بالنسبة إلى هذه الأطراف خسارةَ كلّ شيء. وفي حين يقوم خيارُ «هيئة التنسيق» على ضمان مصالح إيران وروسيا بعد الانتهاء من الدكتاتوريّة، وهو ما قد يساهم في فتح كوّةٍ أمام الثورة، تسعى جهاتٌ في «المجلس الوطنيّ» إلى نقل سورية من محور إلى محور ـ وهو ما لا تستطيع الثورةُ السوريّةُ ولا سوريا كدولةٍ تحمّلَ تكاليفه حقّاً، بل هو غير مطروح على أجندة الثورة نهائيّاً.

 

ولكنّ المقارنة بين «المجلس الوطنيّ» و«هيئة التنسيق» تضعنا أمام إشكاليّةٍ حقيقيّة. فـ «المجلس» يضمّ عددًا مهمّاً من قوى الثورة الحقيقيّة، ذاتِ الدور البارز في الثورة؛ وهذا ما تفتقده «هيئةُ التنسيق». وهو ما يضعنا أمام تعقيد حادّ في سوريا:

ـ فجزءٌ من المعارضة يَعمل وفق أجندةٍ غير مفهومة ولا واضحة، ولكنه يضمّ بعضَ قوى الثورة، ويحظى بتأييد قسمٍ كبيرٍ من جماهير الثورة (ولكنْ لا شعبيّة له نهائيّاً ضمن الكتلة الصامتة الأكبر عددًا)، ويَمتلك الإعلامَ ووسائلَ كثيرةً تمكّنه من السيطرة وتوجيه الثورة.

ـ وجزء آخر يمتلك مشروعًا وطنيّاً واضحًا ولكنْ تنقصه الأدواتُ اللازمةُ لتحقيقه، إنْ لم تتحرك الكتلةُ الصامتة، التي قد يكون هذا الجزءُ من المعارضة هو خيارَها، نظرًا إلى حاجتها إلى الاستقرار والحلّ الآمن من دون تدخّل خارجيّ.

ولكنّ المؤكّد اليوم هو أنّ السيطرة تخرج من الطرفين لصالح سلاحٍ بات محصورًا بين «الجيش السوريّ الحرّ» ومَن يدعمه، وبين النظام ومَن يدعمه. وإذا علمنا أنّ «الجيش الحرّ» و«المجلس» على تنسيق واضح، فهل من المشروع أن نتساءل عمّا يهدف إليه أولئك الذين يدعمون هذا الجيشَ، وما علاقة الأمر بالتدخّل الخارجيّ الذي تبنّاه «المجلسُ الوطنيّ»؟

 

الجيش الحرّ: بين دعم الثورة وتفكيك الجيش السوريّ

قبل البدء في الكتابة هنا نودّ القولَ إنّ هذا النقد لا يطاول الجنودَ الشجعانَ الذين رفضوا إطلاقَ النار على المتظاهرين، متحمّلين كلَّ صنوف الأذى، بما في ذلك الاستشهادُ في سبيل وطنهم وحريّته. ولكنّ هذا شيء، ومحاولةَ كشف الأجندة التي تعمل عليها القوى الغربيّةُ ـ وعلى رأسها «إسرائيل» التي باتت تخشى منذ اللحظة على مصير ترسانة الأسلحة السوريّة ـ شيءٌ آخر. والحقّ أنّ الحالة الليبيّة، التي انتهت بتدمير البنية التحتيّة وتفكيك الجيش الليبيّ وتدميرِ ترسانةِ الأسلحة الليبيّة، تضعنا أمام أسئلة كبيرة:

ـ لماذا دُمّر الجيشان الليبيّ والعراقيّ، في حين أُبقي على الجيشين التونسيّ والمصريّ المرتبطيْن بعلاقاتٍ أمنيّةٍ مع واشنطن؟

ـ لماذا يتمّ، بين ليلة وضحاها، تفكيكُ جيوش قامت طوال عقودٍ على عقيدة محاربة «إسرائيل،» بغضّ النظر عن الأنظمة التي تاجرتْ بها؟

ـ لماذا لم تضمّ واشنطن وحلفُ الناتو الأسلحةَ التي عُثر عليها في ترسانة القذافي إلى الجيش الليبيّ الذي يتشكّل من جديد وفق الأجندة الغربيّة، بدل تدميرها؟

 

وبالعودة إلى سوريا، فقد وجد الغربُ أنّ دعم «الجيش الحرّ» في حرب استنزاف طويلة مع الجيش السوريّ قد يكون مقدّمةً لإنهاكه، ومن ثم تفكيكه. يلاحظ هنا أنّ «الجيش الحر» بات يهدّد بضرب البنى المدنيّة (كما لاحظنا في بيان كتيبة حمزة بن عبد المطلب في الزبداني)، وهو ما قد يؤسّس لعملية تدمير البنية التحتيّة في سوريا، على غرارِ ما جرى في ليبيا، تمهيدًا لعقود من إعادة الإعمار التي تجرّ ملايينَ الدورات.

 

لكنْ، لماذا يريد الغربُ تفكيك الجيش السوريّ؟ فلو افترضنا أنّ النظام رحل، وجاء نظامٌ ديمقراطيّ فعلاً، فما الذي سيستفيده الغربُ، وخصوصًا «إسرائيل»، من بقاء جيش سوريّ يقف على حدود إسرائيل الشماليّة؟ لا شيء بالتأكيد، وبالتأكيد ستسعى «إسرائيل» ومَنْ خلفها إلى منع هذا الخيار!

 

بناءً على ما سبق، وإذا أخذنا في الاعتبار دعمَ بعض المعارضات السوريّة للتدخل الخارجيّ و«للجيش الحرّ»، وعدمَ حماس الغرب حتى اللحظة للتدخّل رغم كلّ صراخ المعارضة، أدركنا أنّ الغرب يسعى إلى إطالة أمد الصراع في سورية لإنهاك الجيش والنظام، تمهيدًا لانتقال سورية من محور إلى محور آخر. وهذا لن يتمّ قبل تفكيك الجيش، وقبل تشويه المعارضة الوطنيّة التي ترفض التدخّل، وقبل الإمعان في قتل الناس إلى أن يصبح الجميع من جماعة «دع الشيطان يأتِ.»

 

المشكلة الكبرى أنه، في الوقت الذي يتصارع فيه النظامُ وداعموه (روسيا وإيران بشكل خاصّ) مع الغرب، فإنهم يقدّمون لهذا الغرب، بطريقة إدارتهم للصراع، ومن دون أن يدروا، كلَّ ما يريده على طبق من دم الشعبِ السوريّ النبيل. نقول ذلك بعيدًا عن «نظريّة المؤامرة» التي نرفضها جملةً وتفصيلاً؛ فمطالبُ الشعب السوريّ في إنهاء الاستبداد مطالبُ واضحةٌ وصريحةٌ، ولا علاقةَ للمؤامرة بالأمر. إنما هناك صراع قوًى تتناحر لتحقيق مصالحها، وعلى الثورة أن تدرك كيف تنْفذ من براثن النظام والخارج والمعارضات ذات الأجندة الجلبيّة (نسبةً إلى أحمد الجلبي في العراق).

دمشق

 

* ـ شاعر وكاتب سوريّ.

** ـ كُتب هذا المقال قبل إعلان برهان غليون (المجلس الوطنيّ) عن تشكيل “مجلس عسكري” نفى رياض الأسعد (قائد «الجيش الحرّ») علمَه به (الآداب).

*** جاء في البيان «يُمهل القواتِ المعتديةَ 24 ساعةً لإخلاء المنطقة والانسحاب التامّ، وإلاّ ستقوم عناصرُ الكتيبة بتدمير المرافق الحيويّة بالمنطقة، وعلى رأسها الآبارُ الارتوازيّة المتوجّهة إلى دمشق، والتي تُعتبر المصدر الأساسيّ لمياه الشرب بعدة مناطق، وعلى رأسها مساكنُ الضبّاط بقرى الأسد والديماس والصبورة وجديدة عرطوز وغيرها» (الجزيرة نت، «قتلى بسوريا وحصار الزبداني ومضايا،» 15/1/2012).

1 ـ ما تزال الثورة المصريّة تقاوم هيمنةَ العسكر والإسلاميين، الذين دخلوا في تحالف أكثرَ تذلّلاً مع الأمريكان لحماية المصالح الإسرائيليّة في المنطقة. وكذلك حالُ ليبيا التي دَخلتْ في ما يُشْبه الانتدابَ شبهَ الرسميّ، مع وجود بوادر إلى الإعلان قريبًا عن سفارةٍ إسرائيليّةٍ هناك. وفي الوقت ذاته أعلن راشد الغنوشي أنه ليس هناك في الدستور التونسيّ ما يمنع قيامَ علاقات مع إسرائيل!

2 ـ طيفور لـ الحياة: «إيران عَرضتْ علينا الحكومةَ في دمشق… شرطَ القبولِ ببقاء الأسد رئيسًا،» 18/1/2012.

3 ـ عثمان تزغارت، «الثورة والسفر الاستعماريّ،» الأخبار، 5/1/2012.

4 ـ هذا موضوع يحتاج تفصيلاً أكثر، إذ نلاحظ أنّ أغلبَ وسائل الإعلام باتت تُرْفق في أخبارها عبارةَ «الهيئة التي رفضها الشارعُ» ـ وهذه ليست حقيقةً بقدر ما هي سيطرةٌ إعلاميّةٌ لتحقيق مشاريع كبرى لها علاقةٌ بالهيمنة. يمكن الاستفادة من بحث لنعوم تشومسكي بعنوان هيمنة الإعلام ـ الإنجازات المذهلة للدعاية (دار الفكر، طبعة أولى 2003) لمن يريد أن يفهم كيف تعمل الأجندةُ الإعلاميّة.

5ـ. يقول منّاع: «نحن نحاول أن نوضحَ للشباب السوريّ أنّ الشعارات الإعلاميّة التي يروْنها على التلفزيون ليست كلُّها صادقةً. كما أنّنا نسعى إلى إقناع مختلف أطراف المعارضة بالتخلّي عن الفكرة الرومانسيّة الساذجة التي تعتقد أنّ شباب الثورة هم دائمًا على صواب.» عثمان تزغارت، «الجامعة و’حماية سوريا’: شرعنة التدخل الأجنبيّ؟» الأخبار، 6 /1/2012.

6ـ عثمان تزغارت، «مخطّطات لإشراك الإخوان السوريّين في حكومة استقرار،» الأخبار، 5/1/2012.

7ـ عن الدور القَطَريّ يقول أنيس النقّاش: «قَطَر، بالوزن والحجم والمصالح، ليس لها أيُّ مصلحة في كلّ ما يجري من تدخّلات تقوم بها. وهي تقوم بذلك نيابةً عن طرح أميركيّ ـ صهيونيّ في المنطقة…»

المقالة منشورة في مجلة الآداب، شتاء ٢٠١٢

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق