قراءة في موضوع ” الانعتاق السياسي” لجاد الكريم الجباعي

في مقاله المنشور بتاريخ 13/2 / 2009 في موقع الأوان ، تحت عنوان “الانعتاق السياسي – 2/2 ” ، يضعنا الكاتب ، جاد الكريم جباعي، في مواجهة صادقة مع القانون، وتأكيد أهميته ودوره الأساسي في خلق مجتمع مدني، مدافعا عن حق المواطن العام، أمام غيره من المواطنين، وحقه العام أمام السلطة التي تحاول أن تهيمن على الدولة عبر القانون نفسه. لكنّ عبارات عامة وفضفاضة، جاءت لتخرّب ذلك الطرح النبيل. حيث نجد الأستاذ الجباعي يخلط ما بين الإنسان الفرد، والإنسان العام ،و يعول كثيرا على سلطان الضمير ،و لا نعلم عن أي ضمير يتكلم . فهل يا ترى هناك فكرة عامة، و موحدة ، عن مفهوم الضمير و القيم التي يحملها ، ام ان الضمير يختلف بين إنسان وآخر، بحسب اتجاهاته الاجتماعية، وميوله السياسية. فهل مرتكزات ضمير بن لادن، مثلا، مثل مرتكزات ضمير المهاتما غاندي، وهل ضمير سارتر، مثل ضمير أبو سياف !!!

فالكاتب يقول ” فلا يجدر بالإنسان أن يطيع أحداً، كائناً من كان، سوى عقله وضميره، ولا يليق به أن يخضع لأيّ قوة، كائنة ما كانت، سوى قوّة العقل والضمير، سواء في حياته الفردية الخاصة أو في حياته النوعية العامة.” وكأنّي به يلتقي مع باكونين في فوضويته، مع أنّي واثق انه لا يقصد هذا الاتّجاه!

ثم يقول في موقع آخر ” السلطة، التي تنبع من كلّ شيء، كما وصفها ميشيل فوكو، تلتهم كلّ شيء، وتطغى على كلّ شيء، ما لم تكن سلطة الدولة، أي سلطة القانون. ولم يكن لها أن تفعل ذلك لولا قدرتها الفائقة على تحويل الإنسان إلى مجرد موضوع، بل إلى وسيلة وأداة، لتحقيق أهداف توصف بأنها وطنية أو قومية دينية أو إنسانية، فهل يعقل أن تتحقق أهداف وطنية وإنسانية على أشلاء الإنسان”؟

فهل سلطة القانون هي ليست بسلطة! فالسلطة هي السلطة، أكانت سلطة الحمر على البيض بعد حروب إبادة قضت على الملايين عند قيام الشيوعية، أم كانت السلطة الثورية، نفسها التي أسقطت الباستيل، وطرحت أنبل ما وصلته الحضارة في ذلك العصر عن حقوق الإنسان، عبر استنادها إلى المقصلة، التي زادت الناس إقناعا بأهمّية طروحات الثورة العظيمة، ثم تحوّلت بعدها إلى دولة الاستغلال والامبريالية. فالإنسان كان منذ القديم وحتى اليوم، أداة السلطة وموضوعها في الآن نفسه. ولا يجوز الفصل بين الصفتين واقعيا.

ثم يقول ” الحداثة لم تنتصر للحرية على حساب السلطة؛ بل استبدلت بهذه الأخيرة، أي السلطة، سلطة القانون، أي سلطة الدولة. فحيثما وجدت الدولة لم تعد السلطة سلطة فرد مستبدّ أو سلطة أقلّية أو نخبة، أو سلطة عاهل أو ملك، أو سلطة جماعة مذهبية أو إثنية أو سلطة حزب أو طغمة، بل صارت سلطة الدولة فحسب، سلطة القانون فقط؛ ومن ثم صارت السلطة، أعني سلطة الدولة، من ماهية الحرية ذاتها. تلكم هي العلاقة الجدلية، الديالكتية، بين الحرية الذاتية والحرية الموضوعية.”

ترى هل يجد كاتبنا في دولة الولايات المتحدة الأمريكية، أنّ السلطة ليست سلطة نخبة في الظلّ، وهي نخبة كبار رجال المال والسياسة! وهل يعتبر سياسة تلك النخبة متوائمة مع ما يطرح من أهمّية خضوع الناس في تلك البلاد للقانون! ومنة الذي يضع القوانين؟ أليست هي تلك النخب، فيم تهدف إليه من أهداف سياسية؟ وهل آلاف القوانين التي صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد إعلان “الحرب على الإرهاب ” إلا انعكاسٌ لهيمنة السلطة على القانون. إذا، فهل إتباع المواطن للقانون بشكل أعمى – حتى ولو كان في دولة تتميّز بأنها مجتمع مدني بامتياز – هو أمر يطالبنا به كاتبنا الكريم !!

ثم نجد كاتبنا يركّز على عبارة ” إذا كانت الحرية هي ماهية الإنسان وجوهره، ماهية الفرد، من الجنسين، وجوهره،” وكأنها تحصيل حاصل، ونتيجة لا شكّ فيها، فهو يتحدّث عن إنسان ينتمي إلى نخبة معينة، ذات أهداف محددة، في مجتمع محدد. ونحن نعذره لهذا الطرح لو اعترف بذلك. لكن لا يمكن لنا تقبل فكرة أنّ جوهر الإنسان هو الحرية. فكيف يحدثنا الكاتب عن الجواهر، وهو على ما أعلم كاتب ذو تراث ماركسي مادي. وإذا كان لا بدّ أن نتحدّث عن جوهر إنساني هام، فهو انه كائن حيّ استطاع إدراك ذاته فرديا وتميّزه نوعيا، ويسعى إلى تحقيق حاجاته التي لا تنضب. ولهذا نجد أن فكرة الحرية ليست بالفكرة القديمة جدا في التراث الإنساني. ولطالما كان هدف الإنسان في المجتمعات القديمة، والحديثة أيضا، هو تحقيق حاجاته المادية قبل البحث في تحقيق حرية وهمية، تجاه سلطة قمعية جبارة لا ترحم من يطالب بالضروريات، فكيف بمن يطالب بالحرية. وبإطاعة القانون، علما أن كبار المفكرين الحداثيين كانوا يعرفون القانون بأنه أداة في يد السلطة، وأخص من بينهم كارل ماركس. فهل كان ماركس مطيعا لقوانين البلاد التي عاش فيها !!

فإذا كان كاتبنا يقصد من موضوعه بحث موضوع الحرية والديمقراطية، فهذا شيء آخر. أمّا مطالبة الفرد العادي بإتباع القانون، ونحن نعلم بأنّ القانون هو أداة بيد سلطة فاشية، مثلا، تمنع كل شكل من أشكال الحريات التي أطلقتها الحداثة، فكيف يكون هذا ! علينا أوّلا خلق الفضاء العام والذي يسمح بالحريات، وبعد أن نحقّق ولو حدّا أدنى من خيرات ذلك الفضاء الديمقراطي، تصبح الحرية الفردية تحصيل حاصل، ويصبح التعارض بين الحرية الفردية والتجاوزات أمرا يسهل التحكم فيه، عبر قانون متفق عليه ديمقراطيا، وعبر تواصل اجتماعي يسمح باحترام تلك الذوات المتشاركة في صنع ذلك المجتمع المدني العقلاني التواصلي الرحب.

أخيرا نصل إلى أنّ احترام القانون هو ضرورة، لكنه لا يعني أنّه السبيل إلى تحقيق حرية الفرد، بقدر ما يعني أنّه السبيل إلى تأبيد حرية السلطة في الاستعباد والهيمنة؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق