قرار تجريم ختان الذكور في ألمانياختان الذكور في مقص القضاء الألماني 

ختان الذكور عند المسلمين واليهود ليس تقليداً دينياً فقط. لكن محكمة ألمانية في مدينة كولونيا قررت تجريم أي تدخل جراحي مبني على دوافع دينية. هذا القرار من علامات مجتمعنا العلماني، إلا أن من السيء أن يضع القضاة أنفسهم فوق الأديان، وفق ما أوضحه الكاتب الألماني ماتياس دروبنسكي في مقال استعرض فيها حالة قضائية غيرت القانون الألماني. فقد قام والدان مسلمان أرادا ختان ابنهما البالغ من العمر أربعة أعوام بتقديم شكوى على الطبيب الذي قام بالختان بسبب نزيف ثانوي تعرض له الطفل بعد الختان، ما دفع الأم لأخذه إلى المستشفى. الطبيب المتواجد هناك استنتج من كلامها أنها لم تكن راضية تماماً عما حصل لابنها، وقام بإبلاغ الشرطة.

المحكمة الابتدائية في مدينة كولونيا برأت الطبيب من تهمة الإيذاء الجسدي، إلا أن محكمة الولاية بالمدينة أصدرت قراراً أثار موجة من الردود، فهي لم تعط الأولوية لحرية الوالدين الدينية أو حريتهم في تربية أطفالهم، ولم تأخذ بمصلحة الطفل التي يفترض أن تنجم عن تربيته ضمن مجموعة دينية معينة، بل أعطت الأولوية لحق الطفل في السلامة الجسدية. ورغم ذلك لم يعاقب الطبيب الذي أجرى الختان، لأنه تصرف بناء على “خطأ في القانون”، وهذا يعني أنه لم يكن يعرف أن ما يقوم به يعاقب عليه القانون.

ورات المحكمة ان “الختان يؤدي إلى احداث تغيير دائم في جسم الطفل غير قابل للاصلاح بسبب الختان” وان “هذا التعديل مخالف لمصلحة الطفل الذي عليه ان يقرر لاحقا انتماءه الديني”. غير ان القرار لا يمنع الختان لاسباب طبية

وبهذا يكون هذا القرار الأول من نوعه لمحكمة ألمانية. ولو ارتأت المحاكم الألمانية الأخرى إصدار قرارات مماثلة، فإن عواقب ذلك على اليهود والمسلمين في ألمانيا ستكون وخيمة، فمن يقوم بختان الذكور بعد ذلك سيرتكب إيذاء جسدياً خطيراً. كما لن يسمح بإجراء الختان إلا لمن يعتقد بأنهم سيخضعون لذلك عن علم ورضا. هذا يعني أن على المحققين السريين أن يخترقوا المساجد والكنس، أن تمنع كل الجمعيات التي تدعم ختان الذكور، وعندئذ سيعمّ السلم الديني أرجاء البلاد!

ولكن بعض متزمتي الجالية المسلمة في ألمانيا ثارت ثائرتهم لهذا القرار. وانتقدت جمعية اسلامية المانية كبرى بحدة الاربعاء ادانة محكمة في كولونيا ختان الذكور كتقليد ديني، معتبرة انه “تعد خطير” على الحرية الدينية. وقال مجلس التنسيق لمسلمي المانيا في بيان ان “حكم كولونيا تعد خطير على الحرية الدينية”.

واعتبر المجلس ان المانيا “تجرم” بذلك التقاليد الاسلامية واليهودية المطبقة منذ الاف السنين.

وأعرب علي كازلكايا المتحدث باسم مجلس التنسيق لمسلمي ألمانيا عن غضب الجالية المسلمة من قرار إحدى المحاكم الألمانية بتجريم ختان الذكور في ألمانيا، معتبراً أن ذلك سيقود إلى صراع أخلاقي.

وقال كازلكاياإنه تدخل صارخ في حرية المعتقد. وقد تلقينا قرار المحكمة بحزن وقلق بالغين. المثير للاستغراب أن تقوم محكمة الولاية بحظر ممارسة أحد الطقوس الدينية التي كانت قائمة ومورست لمئات السنين في هذا البلد. كما أنه من المؤسف أن يحصل ذلك في ألمانيا؛ في ما يقوم الناس في باقي أنحاء العالم، وخاصة في الولايات المتحدة على سبيل المثال بختان أطفالهم، حتى أولئك الذين لا ينتمون إلى الجالية المسلمة أو اليهودية. وهناك بات ختان الذكور قاعدة، في حين تمّ حظره في ألمانيا. هذا ما لا أستطيع استيعابه.

الرجل الذي تقف أفكاره وراء قرار المحكمة هذا يدعى هولم بوتزكه، أستاذ قانون العقوبات في جامعة باساو. ويعتبر بوتزكه، المولود سنة 1973، أحد ألمع أساتذة القانون في البلاد، فهو حاصل على منحة مؤسسة كونراد أديناور ونشط في المجموعات الليبرالية بالجامعة. لذلك لا يمكن اتهامه بأنه معاد للسامية أو للإسلام. لكن منذ أن أجرى بوتزكه بحثاً، في مقال نشر سنة 2008، حول “الأهمية القانونية لختان الذكور”، أصبح هذا الموضوع شغله الشاغل. كما أن القرار الذي أصدرته المحكمة الألمانية يتفق وحججه في المقال. لقد تعامل بوتزكه مع الأمر من الناحية القانونية البحتة، إذ من يمارس القانون يعرف أن استخدام الطبيب لأداة حادة على المريض يعتبر في العرف القانوني إيذاءاً جسدياً.

لكن الطبيب بحاجة إلى سبب مقنع لاستخدام الأداة الحادة، مثل إنقاذ حياة المريض أو المحافظة على صحته، أو، في حالة جراحات التجميل، ضمان رفاهية المريض أو رفع مكانته الاجتماعية. لكن بأي حق ينفذ الطبيب رغبة الوالدين ويزيل قلفة طفلهم؟

تراجع التقاليد والتاريخ

بعد ذلك بدأ هولم بوتزكه بالرد على الحجج التي تجادل بعدم معاقبة ختان الذكور. بالنسبة لحرية المعتقد الديني وحرية التربية الممنوحة للوالدين، يرى بوتزكه أن حق السلامة الجسدية يضع لهاتين الحريتين قيوداً. أما عن مصلحة الطفل ورفاهيته، نظراً إلى أن ربع الرجال في العالم يعيشون دون قلفة، وأن نسبة الرجال المختونين في الولايات المتحدة تصل إلى 75 بالمائة، يتساءل بوتزكه عما إذا الرجال غير المختونين أفضل أو أقل من الرجال المختونين؟

الفائدة الطبية للختان متنازع عليها أيضاً، حسب ما يرى أستاذ القانون الألماني. أما الألم والصدمة التي يتحملهما الطفل جراء عملية ليست ضرورية طبياً، فقط من أجل الانتماء إلى مجموعة معينة، فيبقى أمراً مفتوحاً. ويكتب بوتزكه: “لماذا لا يؤجل اليهود والمسلمون ختان الذكور إلى وقت لاحق؟ لماذا لا يحولونه إلى طقس رمزي، كوخزة بالإبرة مثلاً؟”

كل هذه حجج واقعية لا تتأثر بالتقاليد أو التاريخ الغربي والشرقي، والمثير للانطباع أن محكمة الولاية في كولونيا اعتمدت عليها. لهذا فإن قرار المحكمة يعكس التغير الذي تمر به العلاقة بين القانون والدين في مجتمع يزداد علمانية وتتعدد فيه الأديان. سيتوجب على المحكمة الدستورية في كارلزروه أن تنظر في مسألة ختان الذكور، فالأمور لم تعد كما كانت عليه قبل 30 عاماً، عندما كان الأغلبية المسيحية في المجتمع هي صاحبة القرار الأول، وتعيش إلى جانبها جالية يهودية لا يزيد عدد أفرادها عن 30 ألفاً، إضافة إلى جالية مسلمة ينتظر منها أن تعود إلى موطنها عن قريب. اليوم يعيش أكثر من أربعة ملايين شخص في البلاد يأمرهم دينهم بختان الذكور.

*****

لقد غاب مغزى الطقوس المسيحية عن الأذهان، فيما تبقى طقوس الأديان الأخرى غير مفهومة، بل ويتم إنكارها ومحاربتها، حتى تتدخل المحاكم ويتحول القضاة إلى حكام، وهذا قد يكون في بعض الأحيان مبرراً، مثل انتهاكات حقوق الإنسان المتمثلة في ختان الإناث، وهو عنف يمارس على النساء بهدف التدليل على أنهن لا يملكن القرار فيما يخص رغبتهن الجنسية. لكن في بعض الأحيان ربما يكون من السيء أن يتحول القضاة إلى حكام على الدين، وأن ينصبوا أنفسهم فوقه، وأن يحولوا واقعية القانون إلى دين بديل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق