(قرّة العين): المرأة التي كسرت مرآة الموروث

من هي قرّة العين؟ وأيّ دور لها في كشف المسكوت عنه؟ وهل شهد القرن التاسع عشر دورا قياديا لجيل من الشباب يقوم بانتفاضة تقودها امرأة؟ هذه المرأة كانت تجلّي مباشر لروح التجديد والجرأة في العبور إلى الضفة الأخرى. فهل كانت قرّة العين تحمل روح التمرّد والسعي الدؤوب نحو فضاءات أرحب، وإن بدت بسياقات تدور حول الموروث الديني الموغل في الأسطورة وعقائد التضحية بالذات؟

هذا ما يحاول الإجابة عليه الكتاب الصادر عن دار المدى للثقافة والنشر والذي يحمل العنوان التالي: بكاء الطاهرة – رسائل قرّة العين، لمجموعة من المؤلفين وقام بتقديم الكتاب يوسف أفنان ثابت. ولدت قرّة العين في قزوين في العقد الثاني من القرن التاسع عشر وقد سميّت (زرين تاج) وهو الاسم الفارسي لها الذي يعني (التاج الذهبي) لأنها كانت ذات شعر أصفر، كانت أسرتها من الأسر الدينية المعروفة في قزوين ذات جاه ومكانة تدعى بـ(آل البرغاني). تميّزت قرّة العين بجمالها الفتان وذكائها المفرط، وقد بدأ نبوغها بالظهور منذ صباها الباكر. قيل إنها كانت تحضر دروس أبيها وعمّها التي كانا يلقيانها على الطلبة، فكان يوضع لها ستار لتستمع إلى الدروس من ورائه، وسرعان ما أخذت تشارك في المجادلات الكلامية والفقهية التي تثار بين رجال أسرتها، وكثيرا ما كان أبوها يظهر أسفه قائلا: (لو كانت ولدا لكانت أضاءت بيتي وخلفتني). هذه المرأة التي شغلت المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة من ولاية نجيب باشا عندما أسفرت عن وجهها وارتقت المنبر، وخطبت وجادلت، فكان ذلك أوّل حدث من نوعه في تاريخ العراق، وربّما في تاريخ الشرق كله، طيلة عقود عديدة وامتد تأثيرها في العراق وإيران. وقد أعلنت مرارا وبوضوح أن ليس لها هدف سوى وجه الحقيقة التي تستحق أن نكون شهداء من أجلها، بل أن نكون عشّاقا مخلصين لها مهما كلّف الأمر، وذلك ما حرّض ضدّها رجالات الدين في كربلاء في حملة لا هوادة فيها، وهي مواجهة مألوفة في شكلها الخارجيّ، لها الكثير من النظائر في التاريخ الإسلاميّ، سوى أنّ الطرف المستهدف في هذه المواجهة أنثى تسلحت بالعلم الدينيّ التقليديّ، وهضمته، لتقٌدم مقولتها المستجدّة فراحت تتحدث بضرورة التمرّد عليه.

كانت قرّة العين من الأركان الأساسية في حركة الباب الشيرازي، فمنذ تعرّفها على فكر الشيخ الإحسائي مصادفة في قزوين في بيت أقربائها، اتّضح أمامها الطريق الذي ستسلكه لخوض حياة قدّر لها أن تكون الأعقد والأجرأ والأخطر بالنسبة لامرأة عاشت حياة اجتماعية ودينية صارمة في القرن التاسع عشر، امرأة خرجت من الحاضنة الشيعية الإيرانية للخلاص المهدوي. إنّ ارتباط الدعوة الدينية بالأنوثة على هذا النحو لم يكن نموذجا متاحا في المتخيل الإسلامي العامّ، سوى على شكل جنون متمرّد تنفرد به بعض الشخصيات المدعية معرفة الاتصال مع السماء، وهو ما فهم من حركة قرّة العين في كربلاء أوّل الأمر، ولم يكن من اتخاذها من بيت كاظم الرشتي مكانا للدرس إلا تحدّيا لمخالفي الشيخ الرشتي، واستكمالا لمواجهات فكرية تعود للصدامات الأولى مع فكر الشيخ الإحسائي، لذا تعرّضوا لمواقفها بوصفها نموذجا للجنون المنفرد، واستلهاما لفكرة الشيطان الأنثى، فكرة جسّدتها امرأة تدّعي معرفة أسرار الظهور المهدوي، لذا أعلن عن نشاطها بوصفه هدفا شيطانيا لا يمتّ بصلة للاهوت الشيعي، إلا أن هذا الهدف تضمّن من ناحية ثانية وعي الحرمان الأنثويّ في التاريخ الإسلاميّ، وقدّم هذا الحرمان على أنه قيمة من خارج مسار الحياة البطولية في الإسلام، بل قدّم في جزء منه على إنه مسار خياليّ لن يصمد أمام الإجماع الرصين للارثوذوكسية الشيعية.

إنّ رفض قرّة العين بدا تجاوزا منفردا. حرثٌ في أرض بكر لا تقدّر عواقبه، وإن كان في الأصل أطروحة سمو تضامني مع المعذبين مدعّم بدعوة الباب ذات الطابع الذكوري كما هو الحال في كلّ حركة دينية، وهو ما حصل في كربلاء أوّل الأمر، فقد تبعها عدد من الرجال فراحت تبحث عن أنصار من النساء، وإن كان برفقتها كلّ من والدة الملا حسين كاتب وحي الباب، وأخته خورشيد بكم (شمس الضحى) إلا أنها استطاعت أن تضمّ إلى دعوتها مجموعة من النساء الشهيرات هناك، وممن تبعنها في الأصل من إيران، فقدّمت تلك المجموعة شخصية قرّة العين بوصفها مصدرا مغايرا لمعنى الخلاص، كما أنّ المجتمع هناك بذكوريته الطاغية استقى موقفا جديدا تسبّب به النفور العام من التواريخ المقدسة السابقة، تلك السير التي قادها رجال طالما احتقروا المرأة، وقدّموها بوصفها مكملا محتملا لمشهد البطولة العامّ. إنّ الكشوفات التي قدّمتها قرّة العين في تلك المرحلة صدرت عن تفكير شاعرة متنبّئة اعتمدت سياقا نبويّا معلومة تفاصيله للكثير من مؤرخي الحركات الدينية هناك، فحتى الذين سلّموا بأنّ لكلّ حركة أو دين جديد أنثاه، أو امرأته الأنموذج، فإنّ قرّة العين كشفت، بالنسبة لهم، عن بعد شيطاني سيعبث – لو تركت على حالها- بقضية مقدّسة ينتظرها الناس منذ أكثر من 1300 عام. لكنّ هذه الملاحظة لا تتعارض بطبيعة الحال مع الصورة التي طرحت فيها قرّة العين في المشهد البابي أو حتى البهائيّ، فقد كانت قرّة العين بالنسبة للباب الصورة الأكمل للعالمة الربانية التي انطوت على قدرة فهم وتحليل مسارات حركته وصياغتها بالنتيجة لفكرة الانسلاخ عن الشريعة الإسلامية كما حدث في مؤتمر (بدشت) في ما بعد.

إن جرأة الباب بإعلان الانفصال عن الدّين الإسلاميّ بعد إشهاره كتاب البيان أدّى إلى ضرب سلطة المراجع الدينية كافّة، وحشد جميع المراكز الإسلامية ضدّه، فضلا عن السلطة السياسية. بينما راحت الحركة البابية تنتظم يوما بعد آخر، وعمّت المدن الإيرانية مواجهات دموية، مثل تلك التي حدثت عام 1848 في مازندران وفي عام 1849 في قلعة الشيخ الطبرسي واتخذت طابع المواجهات المسلحة، وبلغت زنجان ويزد. ولما أعدم الباب سنة 1850 لاحقت السلطات أتباع الحركة البابية في كلّ مكان، وقتلتهم في مجازر قلّ نظيرها في التاريخ القديم والحديث، حتى إنه يمكن القول إنّ أغلبهم قد أبيد سنة 1852 وضمنهم أبرز رموز الحركة ومنهم قرّة العين. ليس من الممكن هنا أن ننفي أنّ طرائق الحياة العلمية في إيران لم يكن مشاعا فيها أن تدرس المرأة العلوم الدينية، لكنّنا يمكن أن نستخلص أنّ دراسة (قرّة العين) احتوت صورا غريبة، أثمرت عن معرفة فريدة من بنى عقلية تمنّعت على المعرفة العلمية، اتّخذ فيها النزوع العاطفيّ المشحون بالروايات مسارا سيخطّ الأطر العامّة لأسطورة الأنثى التي أغرمت بفكرة ظهور المقدّس، وأضفت عليه لمسة بشرية كامنة في صلب التقاليد الدينية الصلبة. إنّ بعض الحالات الدينية التاريخية القليلة لتشير حقيقة وبكلّ وضوح لاستبدال بعض الذوات الإنسانية وضعا اجتماعيا مرموقا كالذي كانت فيه قرّة العين، والرخاء المادي الذي تعيشه أسرتها وفضاء طفولتها في أحد القصور الفخمة في قزوين. أن تستبدله فتاة في عشرينيات عمرها بمغامرة دينية محفوفة بالمخاطر، وأيّ نفس حسنة السريرة لا تعدّ هذا الاستبدال إذا ما قبلت بحقيقة ظهور مخلص العالم من العذاب يمكن أن تستوعب كلّ طريق المحن والأزمات اللاحق في لحظة تتجسّد فيها المنة الإلهية بكلمات قليلة قالتها قرّة العين وكررتها كهواجس ذات نبرة تنبؤية:( يا إلهي امنحني الفرصة لأهب حياتي هذه لتثبيت هذا الدين بين عبادك).

لقد اخترقت قرّة العين العالمين الإسلاميّ والغربيّ، في لحظة بدا فيها العالم على تخوم الخروج من ظلام دام قرونا عدّة، عالمين متناقضين في نظرتهما للماضي، ربطت بينهما (قرّة العين) وفرقتهما في الوقت نفسه، أعطت للشرق دفقة من المروق الجديد، أشار في خلاصته إلى أن العدل لن يتحقق أبدا لو لم نبتكر ظهورنا الجديد، أو نجسّد غائبا منتظرا بصور متعدّدة. ونبّهت في الوقت ذاته ضمير العالم الآخر إلى الفرص التاريخية النادرة التي تتخلل العذاب الإنساني في الانتصار لفردية معاصرة تُستوحى من المقّدس المعاصر. لقد أتمت قرّة العين مصادرها الدينية منذ بدايات صباها الاستثنائي، الذي وفّر لها فرصة هضم كلّ المدونات التي كانت متاحة في بيت رجل الدين الأشهر في المدينة، وهو والدها الملاّ صالح القزويني شقيق إمام جمعة قزوين والعدو الأكبر لطروحات الشيخ الاحسائي. لذا لم يكن متوفّرا للباحثين اللجوء إلى قضية أن تكون قد صدمت بفكرة خارج سياق مصادر معرفتها، خاصّة أنّ المصادر القريبة من لحظة موتها والتي تلته، موثقة على نحو كشف عن تفرد في متابعة دراستها الدينية اليومية طوال سنوات التعلم المعروفة في إيران حينها، الأمر الذي أنهى إمكانية الجدل في نقطة كهذه كانت ستسهم كثيرا في البحث عن تحليل أقرب إلى المتوقع من أزمتها الروحية، حيث أنهت قرّة العين المراحل التقليدية في الدراسة الدينية بشهادات معارضيها الأوائل.

قبل أن يدخل الكتاب إلى عالم الرسائل التي سطرتها قرّة العين في مناسبات متعدّدة يقول : “لقد حوكمت قرّة العين على عجل من أجل دعوى خرجت من أطراف الغلو الشيعي، مشتقة مواقفها من ميل عولمي تسمح به فكرة العدالة المطلقة، فهل كان كافيا ذلك الأيمان الحماسي بأفكار الباب للحكم عليها بالكفر؟ إن النظام الديني في الإسلام محكوم اجتماعيا بقوة أخلاقية واحدية، تربط بين التفكير المحدث، والحقّ التأديبي، ولم تكن فكرة إنشاء مذهب ديني أو حتى ديانة مستقلة قد أقيمت في وعي مجموعة من الشباب الإيرانيين لم تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرين، عندما وجدوا أنفسهم في مواجهة سلطة دينية وثقافية وعسكرية، أعطتهم وهما بقدسية مسعاهم، إذ غدت أرواحهم ثمنا زهيدا من أجل فكرة ظلت معلقة في السماء، قرونا، وأنّ لها أن تختبر قوتها أرضيا، فبدا أنّهم فرسان كلّفتهم “السماء بتقديم أجسادهم قربانا.”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق