قصيدة النثر العربية من خلال “أزهار القانون” لقيس المرابط

رغم مرور أكثر من نصف قرن على ظهور قصيدة النثر العربيّة، فإنّ الأسئلة ما تزال تطرح حول ملابسات نشأتها، وحول ما استحقت به التواجد ضمن سياق الحداثة الشعريّة. لقد مثلت قصيدة النثر إبّان ظهورها في زمن حرج من أزمنة تاريخنا الثقافيّ منعطفا مهمّا وخطيرا في آن، وهي تطرح نفسها على النخبة وعلى الجمهور كشكل شعريّ هو الأرقى للخلاص من عدد من القيم الشعريّة التقليديّة التي ظلّت تلابس كلّ حداثة مقترحة، وكأداة أكثر جرأة واقتدارا على إبطال فعاليّة كلّ قدامة تهدّد بالتسلّل إلى حداثة النصّ الجديد، ما من شأنه أن يحيل على واقع في الكتابة جديد، هامشيّ في الغالب يستطيع من خلال إبدالات النثر الشعريّة أن يجد له موطئ قدم في النصّ الشعريّ الجديد، ومتنا يقول من خلاله وجوده الذي ظلّ مقموعا ومحاصرا سواء مع الشعريّة العموديّة التقليديّة أو سليلتها الحرّة المتمرّدة على وحدة البيت والقافية.


إلى جانب هذا الغنى الذي تميّزت به مرحلة النشأة، يجد عمل المراجعة شرعيّة أخرى فيما آل إليه مشروع قصيدة النثر العربيّة اليوم، فقد انتهت قصيدة النثر إلى محض شكل شعريّ (1)، وتحوّل الاختصام والجدل حولها إلى ما يشبه حربا مذهبيّة بين شيع وأحزاب، وقد تخلّيا كلاهما (قصيدة النثر والجدل النظريّ الذي أثارته) عن الأسئلة الكبرى التي كانا يطرحانها حول اللغة الشعريّة وعلاقتها بإنسانها وإشكالات وجوده. من هنا تصبح المراجعة التي مافتئ النقّاد والباحثون يقومون بها
خلال السنوات الأخيرة عبر التفاتهم إلى زمن نشأة قصيدة النثر العربيّة تنظيرا وإبداعا شكلا من أشكال استعادة زخمها الحيّ وبعثا جديدا له في زمن لا يبدو أنّه قد جاوز كثيرا رهانات الستينات من القرن الماضي، ولا أجاب عن كلّ أسئلتها النهضويّة التي ولدت قصيدة النثر من رحمها، فكانت تنظيرات قصيدة النثر الباكرة ونصوصها الإبداعية من أكثر إجاباتها حيويّة وجرأة.


يقترح الباحث منذ المقدّمة تصوّرا لفعاليّة قصيدة النثر في تيّار الحداثة الشعريّة العربيّة يقوم على مبدأ القطيعة، وذلك بناء على "ارتيادها (قصيدة النثر) للنصّ المختلف ولعوالم بكر لا عهد للشعريّة العربيّة بها على مرّ تاريخها الطويل"(ص10)(3) . وعليه فقد قام بتنزيل حركة قصيدة النثر من خلال أعمال مجلّة شعر اللبنانيّة ومجموعة أنسي الحاج الأولى في متنها الشعريّ وعتبتها التنظيريّة ضمن ما سمّاه بالتململات الأولى لعصر النهضة: " إذ سرت في الشعر رعشة جديدة تضارع تلك الرغبة في التجديد التي بشّر بها قديما العصر العبّاسيّ، وعبّر مفهوم الشعر بما هو كلام موزون مقفّى من جديد عن قلقه وضيق أفقه بتسرّب جملة من التصوّرات التي رامت ابتناء شعريّة تقوم على التجاوز، ورؤية تعبّر عن عصرها"(ص9) حيث تنوّعت الاتّجاهات، فجاء البديل الشعريّ المقترح "شأنه شأن التيّارات السيّاسيّة والإصلاحيّة والأديولوجيّة فسيفساء من التجارب، بعضها أبصر طريق الخلاص في تحيين الماضي واستنطاق التراث، وبعضها الآخر تخيّر الانحياز لثقافة الآخر كمحاولة لاستبصار مسالك أخرى، في حين ظلّت أغلب التجارب محكومة بعقدة الذنب لتؤسس بديلها وتجاوبها مع العصر عبر المقاربة بين هذا وذاك"(ص9).


أمّا اختياره لمجموعة أنسي الحاج مصدرا لقراءة مشروع قصيدة النثر العربيّة فيبرّره الباحث بثلاثة دوافع، أوّلها كون المجموعة قد مثّلت مشروع مجلّة شعر اللبنانيّة في وقوفها مع قصيدة النثر وإعلانها الصريح أنّها تتبنى مشروعها الرامي إلى تجديد الشعر العربيّ في أسسه الأكثر أصالة وعراقة، وثانيها اشتمالها (إلى جانب المحتوى الإبداعي الممثّل في القصائد الشعريّة) على مقدّمة نظريّة هي بمثابة بيان يقدّم للقارئ الأسس التي قام عليها تفكير كتّاب قصيدة النثر الأوائل في الشكل الشعريّ الجديد، أما ثالث المبرّرات فيتمثّل في واقعة المصادرة التي تعرّضت لها المجموعة، وهي الواقعة التي كانت تتويجا غير سعيد للنقاش الذي دار بين أنصار هذا الشكل الشعريّ الجديد وخصومه، "فالنقاش الذي انطلق مع حركة مجلّة شعر وتزامن مع هذا الإصدار سرعان ما أفضى إلى اندلاع خطاب العنف والعنف المضاد، وكشف عن مؤسسة الرقابة التي ستعمل على إقصاء الكتاب ومصادرته "(ص12).

ممهّدات النشأة وملامح النوع:

تحت هذا العنوان يعمل الباحث ضمن الفصل الأوّل على تقصّي الممهدّات التي أدت إلى قيام مشروع قصيدة النثر العربيّة بما كان لها من عميق الأثر في زعزعة أمن البيت الشعريّ القديم والعصف بالمرجعيات الموروثة، الأمر الذي سيقود إلى خوض تجربة قصيدة النثر.


يستهلّ الأستاذ قيس المرابط هذا الفصل بتحديد العوامل الموضوعيّة لظهور قصيدة النثر، حيث يحصرها في خمسة عوامل هي: تنامي روح التجديد والتحرّر من وحدة البيت والقافية والوزن الخليليّ، ودور النثر الشعريّ والشعر المنثور، وتأثير الثقافة الغربيّة والترجمة، ثمّ دور مجلّة شعر. هذه العوامل يجمعها الباحث ضمن عنوان واحد هو منزع التجديد في الشعر العربيّ، ما يعني أنّ قصيدة النثر إنّما جاءت ضمن سياق تطوّر طبيعيّ عرفته الشعريّة العربيّة بعد شوقي، متمثّلا في نزوع قويّ إلى تجديد الأشكال الشعريّة، وفتح آفاقها اللغويّة والإيقاعيّة والتخييليّة لتستوعب المستجدّ في الذهنيات والوقائع والتطلّعات التي عرفتها الحضارة العربيّة في مطلع القرن العشرين. ولا يغفل الباحث التأكيد في هذا المجال على تضافر الدوافع الداخليّة والخارجيّة للتجديد، ذلك أنّ تنامي هذه الروح وجد في الرافد الخارجيّ الوافد عبر الترجمة دفعا قويّا أوجد له النماذج والممكنات التي شرّعت لتلك النزعة التجديديّة التي ستطال الأشكال الشعريّة، وقد كانت مجلّة شعر اللبنانيّة واحدة من أهمّ النوافذ العربيّة المفتوحة عصرئذ على التجربة الشعريّة الغربيّة والفرنسيّة على الأخص، حيث: "عمدت منذ أعدادها الأولى إلى ترجمة العديد من النصوص لشعراء غربيين، وعزّزت حضورها في الخارج بمراسلين يتابعون الحياة الثقافيّة في كلّ من فرنسا وأنكلترا وألمانيا وأمريكا، ثمّ تدعّم ذلك الخيار فيما بعد حين شارك في تحرير العدد الثامن عشر من المجلّة ثلّة من الأدباء كبيارجان جوف وتريستان تزارا وجاك بيريفار ليبرز التفاعل مع التراث الشعريّ العالمي كإحدى الدعائم الرئيسيّة لنهضة الشعر العربي، على حدّ عبارة يوسف الخال"(ص36).


من جهة أخرى مثّلت القصائد الشعريّة المترجمة إلى العربيّة أنموذجا آخر لقصيدة النثر بخلوّها من الوزن والقافية، من جهة "ما تستولده في اللغة المنقول إليها النصّ الأجنبيّ من قابليات شعريّة نائمة " على حدّ عبارة عبّاس بيضون، والذي يؤكّد على العلاقة العضويّة بين وجود هذه الترجمات وبين نشأة قصيدة النثر العربيّة في رحاب مجلّة شعر اللبنانيّة، حيث يقول: " استلهمت قصيدة النثر العربيّة كثيرا من الترجمات، وكان في وسعها أن تكون وارثة حركة الترجمة الشعريّة".  ثم يضيف: " و من هنا بعض قوّة هذه القصيدة وضعفها وغناها وغربتها في آن(4)" .


أمّا ثالث العوامل فهو التنظير الغربيّ لقصيدة النثر. ذلك أنّ الشكل الشعريّ الجديد لم تكن له أيّة هويّة خاصة تميّزه عمّا كان قد قُرِئ للريحاني وجبران أو عمّا كان يُقرأ مترجما لشعراء غربيين، حتى جاء كتاب الناقدة الفرنسيّة سوزان برنار "قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن"، ليعطي لقصيدة النثر ملامحها المميّزة.


لقد قدّمت سوزان برنار إذن لمنظري قصيدة النثر العربيّة وأنصارها السمات التي تجعل من هذا الشكل الشعريّ كيانا مختلفا عن أشباهه من ضروب الشعر المتحرّر من الوزن والقافية، وبذلك صار النثر الشعريّ و الشعر المنثور (وهو ما أطلق على كتابات جبران والريحاني) "آخر درجة في السلّم المفضي إلى قصيدة النثر" على حدّ عبارة أدونيس(5)، ووجدت قصيدة النثر لنفسها الدفع النظريّ الذي أحتاج إليه أنصارها ليخوضوا معارك الدفاع عنها ضدّ الخصوم والمشكّكين في أصالة هذا الشكل الشعريّ الوليد.
"بهذا الأفق إذن ـ يقول الباحث ـ بدأ التاريخ الفعليّ لقصيدة النثر العربيّة ليتحدّد بعد ذلك الخيار الشعريّ لمجلّة شعر بعد مرحلة اتّسمت بضبابيّة الرؤية وغموض الاتّجاه … ذلك أنّ صدور كتاب برنار كان بعد انطلاقة شعر بسنتين ثمّ أننا متى تصفّحنا الأعداد الأولى للمجلّة وجدنا مصطلح قصيدة النثر لم يطرح بشكله النظريّ العميق إلاّ مع مقال أدونيس الذي لم يخف فيه اعتماده على المرجع الفرنسيّ وعلى دراسة سوزان برنار بوجه خاص"(ص39).


في القسم الثاني من الفصل الأوّل يعمل الباحث على تبيان الأسس النظريّة لقصيدة النثر العربيّة في مرحلة التأسيس معتمدا على نصين نظريين هما مقدّمة كتاب لن لأنسي الحاج ومقالة أدونيس "في قصيدة النثر" المنشورة ضمن العدد الرابع عشر من مجلة شعر.


لقد عمل صاحبا النصين على تحديد السمات النظرية لقصيدة النثر، فكان التقارب بينهما شديدا، وهو تقارب لا يبرّره فقط انخراطهما في نفس التيار التحديثي تحت راية مجلة شعر أو تاريخ نشر العملين، بل أملته وحدة المصدر إذ انطلق كلاهما من عمل الناقدة الفرنسية سوزان برنار السابق الذكر والصادر بفرنسا سنة 1959.
كلا العملين يؤكّد على ما وصفته برنار " بالنزعة التدميريّة والفوضويّة (في قصيدة النثر) المتوافق مع استخدام النثر، والنزعة البنائيّة والفنيّة المتوافقة مع الانتظام في القصيدة" (6).


تتولّد إذن  النزعة الفوضويّة الهدّامة في قصيدة النثر من خلال ثورتها أوّلا على الإيقاع التقليدي، حيث تنهض قبل كلّ شيء على انتقاض هذه الخاصيّة الفيزيائيّة التصويتيّة(ص50)، وعلى القفز على الأطر الإيقاعيّة المستقرّة لتنبع موسيقاها من معين الشاعر الداخليّ وتجربته الشخصيّة(ص51). كما تتولّد ثانيا من جعل النثر مادة للقول الشعريّ، وبذلك ذهب كلّ من أدونيس وأنسي الحاج إلى إيجاد تمايز بين الشعر والنثر بعيدا عن معطى الوزن الذي كان يعتبر حاسما في التفريق بين الجنسين.


وإذا كان هذان العملان قد قدّما إضاءت مهمّة في تحسّس جوهر الشعر الخالص من، فإنّهما قد اقتصرا في تعريفهما للنثر اللاشعريّ على نوع واحد مخصوص "ألا وهو النثر الخطابيّ دون أن يشير إلى أنواع أخرى يمكن أن تحمل في صلبها نفسا شعريّا، مما يعني أنّ التمايزات التي عقدتها حركة شعر بين الشعر والنثر ليست سوى شكل من أشكال الخطابات السجاليّة و المفاضلات التقليديّة التي وضعت الحدود الفاصلة بين كلا الخطابين"(ص54).

السمة الثانية المميزة لقصيدة النثر تتمثّل ـ حسب تحديد برنار ـ في القوّة البنائيّة المتوافقة مع مبدأ الانتظام في القصيدة، وهو ما يسميه أنسي الحاج بقوّة التنظيم الهندسيّ، وقد وقف الباحث على ثلاثة مفاهيم تؤسس لهذه السمة في تنظيرات أدونيس والحاج هي القصديّة وتحيين البديل الموسيقي والوحدة العضويّة. وتتحقّق الوحدة العضوية بدورها ضمن ثلاثة مبادئ هي الإيجاز والتوهّج والمجانيّة.


وبغضّ النظر عن مدى التزام كلّ من أدونيس والحاج بمجمل هذه السمات النظريّة (7)، فقد مثّلت لكليهما ولحركة مجلّة شعر عامة دعما أساسيّا في الجدل الذي ثار حول قصيدة النثر، ومدى شرعيّتها كتابة وقراءة، هذا الجدل الذي سيؤدّي في أحد منعطفاته الدالة إلى مصادرة كتاب لن لأنسي الحاج، وهي الواقعة التي يقف عندها الباحث في الفصل الثاني من الكتاب.

    قصيدة النثر و مغامرة الاختلاف:
يتناول الباحث في الجزء الأوّل من الفصل الثاني مجموعة أنسي الحاج الصادرة عن منشورات مجلّة شعر اللبنانيّة سنة 1960 كعلامة فارقة في مشروع قصيدة النثر العربيّة وفي منجزها الإبداعي ، من جهة ما تحمله في مقدّمتها النظريّة ونصوصها الشعريّة على السواء من نفي جازم (وهي الدلالة الأساسيّة التي يحملها العنوان) للثوابت التي قام عليها النصّ الشعري العربي في رواسمه القديمة لغة وإيقاعا وتصويرا.


لقد سعت مجلّة شعر ـ كما يقول الباحث ـ إلى بناء بديلها الشعريّ على اعتبار"أنّ الشكل يجب أن يكون شاهدا على عالم الرؤيا ومتمرّدا على كلّ الالتزامات المفروضة على الشاعر من خارج تجربته الشخصيّة "(ص88). على أساس هذا التصوّر لم يقنع الحاج ومن ورائه أعضاء حركة مجلّة شعر بالانجازات التي حقّقها رواد الشعر الحرّ في المستوى الإيقاعي، وعليه فإنّ "لن" التي رفعها الحاج في وجه الإيقاعية القديمة إنّما هي تأسيس لإيقاعيّة جديدة على اعتبار أنّ موسيقى الشاعر تصدر عن الذات في علاقتها الحيّة مع المعنى الذي تعالجه. إنّ النصّ الشعريّ النثريّ "يرفض كلّ الأشكال الإيقاعيّة المسبقة ويقيم إيقاعه على  سمت تجربة الذات مما يجعل الباحث أمام تنوّع إيقاعيّ يختلف من شاعر إلى آخر، بل ويختلف في خضمّ التجربة الواحدة "(ص102).


حاول الباحث تحسّس بعض مظاهر هذه الإيقاعيّة النثريّة الجديدة في نصوص الحاج، في إيقاع الحرف واللازمة، وفي إيقاع الجملة والتركيب، وفي إيقاع الصورة، مؤكّدا منذ البداية على أنّ هذا الإيقاع الذي بشّرت به تنظيرات جماعة مجلّة شعر "يبقى إيقاعا خافتا يصعب تقعيده"(ص103) "باعتبار صدوره من ذوات مختلفة، وانفلاته من القوالب العروضيّة الجاهزة"(ص108).


ورغم قصر الحيّز الذي خصّصه الأستاذ المرابط للجانب التحليلي في الظاهرة الإيقاعيّة لنصوص الحاج الشعريّة (وهي واحدة من نقائص هذا البحث) فإنّ ما توصّل إليه من نتائج يبدو ذا أهميّة في فهم حدّة الردود التي تناولت الجانب الإيقاعيّ في قصيدة النثر من قبل المناهضين لمشروعها الشعريّ. حيث ينتهي الباحث من عرض مختلف المظاهر الإيقاعيّة المميزة في مجموعة أنسي الحاج إلى ملاحظة أنّ " هذا الإيقاع (…) لا يتعلّق بشكل قصيدة النثر فحسب بل يمكن أن نجد بعض علاماته في النصوص الموزونة ذاتها وخاصة في شعر التفعيلة، وبالتالي فإنّ إيقاعات الحروف واللازمة والجملة والتركيب والصورة لا يمكن أن تعدّ من خصائص قصيدة النثر دون سائر الأشكال الشعريّة الأخرى "(ص108). كما يخلص إلى أنّ ظاهرة المعاودة التي تتولّد عنها كلّ المظاهر الإيقاعيّة في شعر الحاج، والتي تؤسس أيضا للإيقاع التقليدي تظلّ هي نفسها الآليّة المولّدة لإيقاع قصيدة النثر، مما يعني "أنّ شاعر قصيدة النثر بوعي أو بدونه ظلّ محتكما إلى الإيقاع التقليدي وإلى ذاكرة موسيقيّة قوامها التعاود"(ص109).


أمّا في تناوله لإبدالات قصيدة النثر في مستوى اللغة الشعريّة، فيبدو عمل الباحث أقلّ كفاءة ووضوحا من عمله على المستوى الإيقاعي، حيث يكتفي برصد عدد من الظواهر التركيبيّة التي لحقت جملة الحاج، كاستحضار الأسماء والصفات في بناء الجملة بدلا عن الأفعال (ص116)، وكذهاب الشاعر نحو تشكيل الجمل غير التامة بحذف نواتها الأساسيّة وكسر أنظمتها النسقيّة وبعثرة العبارة فيها (ص117)، وكتعدية الفعل اللازم إلى الضمير دون حرف الجرّ، وكإخلاله بنظام بناء الجملة عبر عمليات تقديم وتأخير مختلفة (ص119). وإذا كان الباحث قد عمل على تأويل مختلف هذه الظواهر على اعتبار أنّها "احتجاج" يرفعه الشاعر في وجه الأبوّة اللغويّة، وعلى أنّها تكشف عن " رؤيا جديدة تقدّم لنا ممارسة رافضة لمركزيّة لغويّة مقدّسة لا ترى من العالم غير الانسجام "(ص120)، رغم هذا التأويل الذي يبدو متساوقا مع مشروع البحث الرامي إلى كشف الاختراقات المختلفة التي قامت بها قصيدة النثر في مواجهة النموذج الشعري التقليدي ومثله العليا، فإنها ( جملة الإختراقات الموصوفة في شعر الحاج ) لم تخرج عن كونها مجموعة من الاختلالات التركيبيّة والنحويّة، لا يثير تكرارها وتعاودها في النصوص غير الريبة والشكّ في سلامة لغة الشاعر وقدرته على استعمالها بوجوهها السليمة الدالة. وجهة النظر هذه هي التي عبّر عنها مناهضو قصيدة النثر، معتبرين ما وصفه الباحث في لغة الحاج من باب " سوء نيّة " شعراء هذا الشكل الشعريّ الجديد تجاه اللغة العربيّة معقل العروبة وصمّام أمانها ضدّ تفسّخ الهويّة وانحلالها(8).


 بعد الإيقاع واللغة الشعريّة يتناول الباحث مسألة الصورة في شعر الحاج، مبيّنا بنيتها في قصائد  لن من الصورة الحسيّة إلى الصورة العلميّة إلى الرمزيّة والنفسيّة، ليخلص بعد تحليل بدا أكثر عمقا وأقلّ عموميّة مما تناول به العنصرين الأوّلين إلى استنتاج مفاده "أنّ المتخيّل الشعري عند الحاج ظلّ مسكونا برؤيا التفكيك التي طالت ثقافة التعميم  والتوحيد والانسجام، ومحكوما بعقدة قتل الأب من أجل نحت الوجود المتعدّد والمختلف(…)وبالتالي فإنّ الانحرافات التي رشح بها النصّ (…) ليست إلاّ شكلا من أشكال العودة إلى الذات باعتبارها حمّالة كلّ القيم و إطلالة مبتكرة على المسكوت عنه والمهمّش". ثمّ يضيف  "إنّ الصور التي وقفنا عليها لا تتلاحق في حيّز منطقي ولا تتنامى علاقاتها بتضافر الدال والمدلول في وحدة تقريريّة، بل تنمو الصور في شكل عنقوديّ مترابط يحيل إلى وحدة شعوريّة وإحساس واحد، ألا وهو رفض كلّ ما هو منسجم ومؤتلف وبيان مظاهر التفكّك والانهيار الذي يغشى الذات والعالم في آن "(ص154).


في العناصر الثلاثة المتعلّقة بقراءة مشروع قصيدة النثر العربيّة في منجزها الإبداعي من خلال مجموعة أنسي الحاج، ظلّت هناك ملاحظة متكرّرة يعود إليها الباحث في كلّ مرّة ليؤكّد على مرجعيّة كتاب الناقدة الفرنسية سوزان برنار في مختلف الظواهر الفنيّة التي عملت في نصوص الحاج. وإذا كان فعل هذه المرجعيّة واضحا وجليّا في مستوى المقدّمة النظريّة التي صدّر بها الشاعر مجموعته، فإنّ تأكيد الباحث على حضورها في مستوى النصوص الإبداعية وسعيه الدائب على تأكيدها قد مثّل واحدا من الكوابح التي حدّت من حريّة عمل الأستاذ المرابط في قراءته للنصوص في المستويات الثلاثة التي حدّدها.


لقد كان هذا المعطى واحدا من نواقص العمل الأساسيّة حين حدّ الباحث قراءته لنصوص الحاج بتنظيرات المنظّرين  وقراءات المناهضين والأنصار، بحيث تحوّل البحث في هذا الجانب بالذات من قراءة في قصيدة النثر العربيّة كما أراده صاحبه من خلال العنوان الفرعي الذي وضعه لعمله إلى قراءة في مشروع قصيدة النثر العربية بما هي طموح نظريّ قبل أن تكون منجزا إبداعيّا متحقّقا في النصوص.

   واقعة مصادرة مجموعة لــن:
تتنزّل واقعة مصادرة مجموعة  لن ضمن الجدل العام الذي عرفته قصيدة النثر العربيّة بين أنصارها و خصومها. فقد كان لمجلّة شعر وجماعتها تطلّعات إلى تحديث الشعريّة العربيّة انتهت بتبنّي مشروع قصيدة النثر والدعوة لها مرورا بعدد من الدعوات "الفتّاكة" إلى النيل من صرح الشعريّة التقليديّة بتجاوز منجز قصيدة التفعيلة، والدعوة إلى هدم إيقاعيّة الشعر العربي وزنا وقافية، وانتهاء بالدعوة إلى خلخلة البنى النحويّة والتركيبيّة للغة العربيّة، وإلى تبنى بديل لغويّ قوامه اللغة المحكيّة باعتبارها اختزالا للمسافة بين اللغة الحيّة في المجتمع و لغة التفكير(ص112).


 هذه الدعوة  إلى تفكيك الكيان اللغوي هي ما أدى إلى تفجّر حركة مجلة شعر التجديديّة من الداخل بانسحاب أدونيس ومحمد الماغوط قبله، فضلا عن اللهجة الهجوميّة الشديدة التي لقيها مشروع قصيدة النثر من قبل الخصوم.
في مستوى النصوص الإبداعيّة، لم تحض القصائد المكتوبة بلغة النثر بالقبول إلاّ في حالات قليلة ونادرة ، وذلك لأسباب مختلفة يحوصلها الباحث في مختلف مظاهر " التفكيك الذي عمد إليه الشاعر لمختلف المركزيّات "(ص150) بحثا عن لغة جديدة تعبّر عن أزمات الذات في تماسها الحيّ مع واقعها وتاريخها، إلاّ أنّ هذا الطموح " كان كثيرا ما يقرأ في مستواه التعييني ليعتبر من زاوية النقد والرقابة على وجه خاص بمثابة الانحرافات التي تستوجب العقاب، ويظلّ التعامل مع النصّ بالتالي عبر فكر متمركز و أخلاقي لا يبصر غير علاميته الواضحة "(ص150).


لقد كان عمل الحاج في تنظيره وإبداعه "خطرا على طمأنينة المركز فانتقل الصراع الكامن داخلها ( داخل مجموعة لن) إلى الخارج ودفع الرقابة إلى تشغيل آلياتها التي انتهت بمصادرة الكتاب في العالم العربي كلّه ". وبالمقابل فقد كان " عمل الرقابة الذي قاد لن نحو المصادرة مرفودا بشبكة من المؤسسات المتباينة التي تملك نفوذا وسلطات متداخلة، الأمر الذي يعني أنّ تدخّل الرقيب كان بتحريض من مؤسسات أخرى خلقت حالة من عدم الرضا والإثارة، لعلّ أهمّها المؤسسات الصحفيّة التي قادت حربا على اختلاف الكتّاب و من ورائه اختلاف مجلة شعر، وكذلك مؤسسة لجة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب بمصر التي سعت إلى خلق خطابها الرسميّ وتأمين امتثال المبدعين، وأيضا مؤسسة النقد التي أصبحت لها سلطة معنويّة ووجّهت نقدها بلهجة حادة للنصّ بحكم نقضه للأعراف وخلخلته للثوابت"(ص156).


ما يؤكّد عليه الباحث في تناوله لعلاقة قصيدة النثر بالسلطة التي دعت إلى مصادرة الكتاب هو أنّ مجموعة الحاج كانت تستبطن منذ البدء إرادة صداميّة، فالكتاب " لم يصدر إلاّ ليخوض صراعا حادا مع السلطة في شتّى تجلّياتها، اختزلته حدّة الرفض في عنوانه، فقد كتب ليفتح الدوائر ويخترق الحدود، وخاض صراعه من أجل عدم غلقه من جديد، فكانت هذه السلطة حاضرة في الكتاب منذ البدء "(ص162).


إنّ الصراع الذي انتهى بقرار مصادرة الكتاب كان جوهر مشروع قصيدة النثر العربيّة، في صداميّتها لما أعتبر زمنا طويلا ثوابت في شعريّة الشعر العربي. وهو وإن كان مداره الكتابة كعمليّة فنيّة إبداعيّة فقد حمل في صميمه صراعا حول الهويّة ذاتها، هويّة الكتابة والمكتوب داخل كونيّة مفاجئة ما تزال دائرتها تتسّع لتصيب بالدوار تلك الذات العربيّة التي ابتدأ راهنها منذ الدعوات التجديديّة الأولى في عصر النهضة العربيّة وهو ما يزال عاصفا إلى أيّامنا هذه، بل لعلّه ازداد عصفا بثوابتنا بعد خمسة عقود مرّت على ظهور قصيدة النثر.


لقد انتهت قصيدة النثر إلى مجرّد شكل شعريّ، لا تختلف عن مثيلاتها العموديّة والحرّة في حاجتها جميعا إلى نموذج وضوابط تحدّد هيأتها، ولكنّها تظلّ في مدوّنة الشعر العربي الحديث مثار أسئلة ما تزال تطرح حول الهويّة والذات والآخر. إنّها في المحصّلة النهائيّة بحث عن إجابات ممكنة لأسئلة متطلّبة عن حضورنا في زمن لم نشارك في صياغة إوالياته.
 

 

الهوامش:


1-   هذا المعنى هو ما نعثر عليه في استنتاجات مختلفة لنقّاد عرب تناولوا مشروع قصيدة النثر في مراجعات لأسسها النظريّة، وقد تبيّن لنا أنّ بعضها يستلهم استنتاجا سابقا كان قد صرّح به تزفتيان تودوروف في الفصل الخاص بقديدة النثر ضمن كتابه : الأجناس في الخطاب (للتوسع: ينظر مقالنا "قصيدة النثر في سنّ النبوّة" ـ جريدة الصباح التونسيّة : الثلاثاء 21 مارس 2000).
2-    قيس مرابط: أزهار القانون ـ قراءة في قصيدة النثر العربيّة من خلال كتاب "لن" لأنسي الحاج / دار أسبيس للنشر والتوزيع ـ ط 1  ـ تونس 2008 .
3-   أرقام الصفحات الواردة بين قوسين تحيل على بحث الأستاذ مرابط "أزهار القانون".
4-   عباس بيضون : مجلّة نزوى العمانيّة ـ عدد1 ـ سنة 1995.
5-   أدونيس : في قصيدة النثر ـ مجلّة شعر ـ عدد 14 / نقلا عن المرابط : أزهار القانون.
6-   سوزان برنار : قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن ـ ترجمة راوية صادق ـ ص 35ـ ـ نقلا عن : المرابط ص 49
7-   يشير الباحث إلى تفاوت بين الشاعرين في مستوى التزامهما بالمسالة الشكليّة في قصيدة النثر : " ففيما يختار الأوّل(أنسي الحاج) عبارة شروط قصيدة النثر بما تتضمنه من راحة واطمئنان ، يفضّل الثاني (أدونيس) استعمال عبارة قوانين قصيدة النثر تأكيدا على الصرامة والإلتزام"(ص66)
8-   يحيل الباحث في هذا المعطى على نازك الملائكة ومواقفها المتشدّدة من مجلّة شعر وكتّابها ضمن كتابها : قضايا الشعر المعاصر .
9-   يلاحظ صبحي حديدي أنّ الماغوط قد وقع قبول نصوصه النثريّة من قبل القراء لأسباب مختلفة تتعلّق بالنصّ أوّلا ، ثمّ لطبيعة إنتمائه لمجموعة مجلة شعر ، ثمّ لتصريحه بعد ذلك وتبرأة نفسه مما كانت الحركة تنظّر له  ( صبحي حديدي : محمد الماغوط وسيط النثر ، أداء الشاعر وجدل القصيدة ـ مجلة الكرمل / العدد 88ـ89 / صيف وخريف 2006 )
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق