قصيدة النثر بين النموذج والمنجز

غرضنا في هذا البحث أن ننظر في بعض الخصائص المميزة لقصيدة النثر المنجزة في تونس وذلك من خلال الوقوف على دور الإيقاع في بناء الشعريّة في النصوص المندرجة في هذا الجنس من الشعر. ونريد أن نوضّح أوّلا أننا نعني من الإيقاع مفهومه المقترن بالنظم وما يتصل به من عناصر الوزن والوقفة والقافية. وقد يبدو هذا القول من قبيل المفارقات إذ كيف يجوز الكلام عن نظم في قصيدة النثر؟ وكيف نزعم أنّ الشعريّة فيها قد تتأتّى من مكوّنات إيقاعيّة تختصّ بها القصيدة المنظومة؟ إذ من المعلوم المستقرّ أنّ مبرّر نشأة قصيدة النثر في الآداب الغربية وحتى العربية إنما هو البحث عن الشعريّة خارج معيار النظم. وإذا كانت قصيدة النثر قد تعوّل فيما تعوّل لبناء شعريّتها على الإيقاع فإنما المقصود منه مظاهره المتأتية من التّوازي والتكرار والترديد والجناس دون ما يتأتّى من الأوزان العروضية والقوافي. ذلك أن قصيدة النثر تستعيض عنها بالقوانين التي ينشئها الشاعر ليمنح قصيدته انتظامها الداخلي. إن قصيدة النثر مثلما حدّها شارل بودلير وهو أحد روّادها نثر شعري موسيقي من غير إيقاع وزني ولا قافية.1

ولكن برغم هذا الفهم الشائع لماهية قصيدة النثر وطبيعة الشعرية فيها فإنّنا نزعم أن نسبة كبيرة من النصوص الشعرية مما أنجز في تونس بل وفي البلاد العربية وأنمي إلى الجنس الشعريّ يعوّل في بنائه الجمالي، علاوة على مقوّمات أخرى بالطبع، على العناصر الإيقاعية التي تقترن في الأصل بالقصيدة المنظومة ونعني بها الوزن والوقفة والقافية.

وسنعمل في ما يلي على البرهنة على صحّة هذا الزعم وذلك بالوقوف على دور هذه العناصر في بناء قصيدة النثر المنجزة في تونس وسنحاول في مرحلة ثانية فهم هذه الظاهرة وتفسيرها.

I-مقوّمات النظم في قصيدة النثر:

1-الوزن:

يقوم النظم على مبدإ التكرار الكلّي أو الجزئي لصورة صوتية2 وتشكّل التفعيلة، وهي تتكون من سلسلة من المقاطع الطويلة والقصيرة مرتّبة ترتيبا معلوما، أساس التكرار في الشعر العربي وتنضاف إليها القافية ونظام التناظر الأفقي بين الصدر والعجز والعمودي بين الأبيات في القصيدة القائمة على نظام الشطرين. ومن المعلوم أنّ القصيدة الحرة احتفظت بالتفعيلة أساسا لبناء الإيقاع وحرّرت القافية من مبدإ الانتظام في حين أن قصيدة النثر تقوم في أنموذجها النظري على الأقلّ على مبدإ التحرر من كل نظم. إلا أنّ تأملنا في نماذج من قصيدة النثر بيّن لنا أنّ الأمر ليس كذلك على الدوام.

إنّ نزوع الشاعر إلى النظم يمكن أن يلاحظه الباحث في نصّ بأكمله أو في بعض أجزائه. فمن النصوص التي يتخلّلها النظم من أوّلها إلى آخرها نصّ بعنوان “الفأس”3 لعزّوز الجملي وهو من كتّاب قصيدة النثر ولا يكتب غيرها. يقول الشاعر في هذا النص:

كسّر كأسك واسكن

صمت الأشياء

كسرْ رمْسك

واسفرْ

في رياح الطرقات

ك.سـّ.رْ. ر.أ.سـ. ك

يا رجلْ

ما يجدي طبخ الكلمات

وهذه بنيته العروضيّة:

فعْلنْ فاعل فعْلنْ

فعْلنْ فعْلانْ

فعْلنْ فاعل

فعْلنْ

فاعلنْ فاعل فاعْ (= فاعلاتنْ فعلاتْ)

فعْلُنْ فاعِلُ

فاعِلُنْ

فعْلُنْ فعْلُنْ فاعِلُ فاعْ

إنّ هذا النص القصير ينهض في مستوى النّظم على تكرار تفعيلة الخبب فعِلُنْ وقد طرأ عليها زحافها المعروف فصارت فعْلنْ وزحاف آخر ظهر مع الشعر الحر وهو فاعِلُ وعلّة بالزيادة طرأت أيضا مع الشعر الحر هي فعْلان. غير أنّ الشاعر يخرج في البيت الخامس والسابع إلى تفعيلة المتدارك فاعلن. والمتدارك هو الأصل الذي تفرّع عنه الخبب. وهو أمر كان بإمكان الشاعر تداركه لو قال في “ريح الطرقاتْ” أو “في أرياح الطرقات” لكنّه لم يفعل والسبب في تقديرنا أنّه لم يقصد إلى النظم وإنّما انساق إليه انسياقا عفويّا. وهذه ظاهرة لها دلالاتها التي سنقف عليها لاحقا. ونكتفي الآن بالقول إنها ليست عرضيّة إذ أنّها تتكرّر في ديوان الشاعر وفي دواوين شعراء آخرين غيره ممن يكتبون قصيدة النثر.

ففي “ألعاب المجروح” لعزّوز الجملي نقرأ أيضا هذا النصّ الموسوم بـ “حنّبعل”4.

كم أنهارا وجبالا عبرت (كذا)

كم ليال على كتفيك

كم قتلت

كم هربت الموت

والآن

أخيرا في أبْرد رمْلْ

يدُكَ /السّيفُ رغيف النمْلْ

كم أنهارا وجبالا

ونهارا (كذا)

خسرت

إن هذا النص ينطبق عليه ما قلناه في سابقه من نظم أساسه المراوحة بين تفعيلة الخبب (فعلن) والأصل الذي اشتقّت منه (فاعلن). إنّ هذا الأسلوب في النّظم يدعو إلى استنتاج أمرين: الأول أنّه لا يوافق ما درجت عليه الممارسة الشعريّة في الشعر الحرّ وهو ما يخرج هذا النص من هذا الشكل من النظم، والثاني أنه يضفي طابعا تقريبيا على عملية النظم غير أنّ هذا لا ينفيه أي النظم بل يؤكّده إذ من شأنه أن يكون تقريبيا. فالتكرار فيه يقوم على المشابهة الصوتية الكلية أو الجزئية ولا يقوم بالضرورة على مبدأ التطابق الكلّي5.

وحتى لا يتوهّم أنّ هذه الظاهرة تخص مدونة هذا الشاعر نورد شواهد من نصوص لشعراء من كتاب قصيدة النثر تبينّا فيها أو في بعض أجزائها نزوعا إلى النظم بمعنى تركيب بنية وزنية على المادة اللسانية أي إسقاط سلسلة من التماثلات الصوتية على الكلمات المتعاقبة في الخطاب.

فمن ديوان “الصباحات” لعبد الفتاح بن حمّودة نورد هذه الشواهد

رقصْتُ في المنفى على لغتي
على لغتي

على لغة اللغات

على لغة النهار6

ستمطر بعد عام، نعم سترى التخوم
أطفال شمس وزيتون موت

ولوزا لحزن النجوم7

ما الذي سوف تفعل بعد هذا الذهبْ
وأين ورودك

هل أكلتها الطريق

وماذا فعلت بسيف العنبْ8

إنّ الأبيات الثلاثة الأولى من الشاهد الأول يمكن ردها إلى إيقاع الكامل مع افتراض الخرم في البيت الأول. ويمكن إرجاع البيت الأول في الشاهد الثاني إلى الوافر أو المتقارب إذا قبلنا بـ “فعو” في الحشو وأما البيتان الثاني والثالث فمن المتقارب. وأمّا الشاهد الثالث فمزيج من المتدارك والمتقارب أي أنه لم يخرج عن دائرة المتفق.

وهذان شاهدان آخران من ديوان محمد فوزي الغزّي “مدن للحزن ويوم للفرحة”. وقد بني الأول على الخبب والثاني على المتقارب.

– إنّي وجلٌ

وخطاي تجُسّ

طريق الجنّة

والجنّة أول أنثى

تتفتّح في وهمي،

تشرق في كفّي

في ليلي المقهور…9

وبؤنا بسوء المصير…
وحين تنحيّتُ عن سندي

وتسلّلْتُ من جسدي (…..)10

نستخلص من هذه الشواهد وغيرها أنّ قصيدة النثر في منجزها التونسي لا تخلو من نظم وهو نظم جزئيّ في أغلب الأحيان، ولا يخضع لمبدإ الانتظام ويهيمن عليه الطابع التقريبي، إلاّ أنّ حضوره مع ذلك تلتقطه الأذن ويتبيّنه الحسّ مما ينمّ عن قصديّة فنّية توظّف النظم في القصيدة النثرية أي توكل إليه وظائف معيّنة.

2-نظام الوقفة:

تسجّل عند انتهاء البيت الشعري وقفة تدرك سماعيّا بحلول الصمت محلّ الصوت وخطيا بالفراغ أو البياض الذي يعقب السطر المكتوب. وللوقفة دلالتها اللغوية إذ تقترن في النثر بتقسيم الخطاب إلى وحدات حسب المعنى. وإذا كان هذا شأن الوقفة في النثر فإنّها في الشعر تخضع لعوامل أكثر تعقيدا إذ أنّ تحديد مكانها أي الموضع الذي ينتهي فيه البيت خاضع لتفاعل عناصر الوزن والتركيب والنفَس11 واختلاف نظام الوقفة في الشعر عن نظامها في النثر هو الذي يمنح القصيدة تمثيلها الخطّي الخاص. فصورة القصيدة الخطية أو الطباعية إنما هي تجسّم تقسيم الخطاب إلى الوحدات التي تشكل الأبيات.

ولقد أطلقت قصيدة النثر في الأصل على هذا الجنس من الشعر لأنّه يتّخذ صورة خطّية مماثلة للنثر فيكتب النص وفق نظام الفقرة12. ولعلّ أساس التمييز عند الغربيين بين الشعر الحر الذي نظمه الرمزيون وهو شكل من الشعر يتحرّر من بعض ضوابط الوزن، وقصيدة النثر أنّ الأول يتوخّى نظام البيت أي السطر المنفصل خطيا مثلما هو الشأن في الشعر المنظوم وفق معايير النظم التقليدي بينما تتوخى قصيدة النثر أسلوب الكتابة النثرية. وهذا ما جعل جان كوهين يذهب إلى أنّ ما يميّز قصيدة النثر عن الشعر الحرّ إنّما هو احترامها لمبدإ التوازي بين ما هو صوتي وما هو دلالي في تحديد موضع الوقفة. وهذا هو بالتحديد نظام الوقفة في النثر، في حين أنّ الشعر الحرّ يخلّ بهذا التوازي بين البيتين الصوتية والدلالية13 واختلال الموازاة الصوتية الدلالية مقصود ومطلوب لذاته لأنه “عنصر فعّال في نظم الشعر”.14

وإذا عدنا إلى قصيدة النثر في ما استقرّ في الممارسة الشعرية العربية وجدنا أنّها تجمع بين الشكلين أي ما يدرج عند الغربيين في قصيدة النثر بالمعنى الحصري وما يدرج عندهم في الشعر الحرّ. وهكذا أدرج الشكل الشعري الذي أطلق عليه محمد الماغوط وجبرا ابراهيم جبرا مصطلح “الشعر الحر” وهو شعر غير موزون يتوخي نظام البيت، في جنس قصيدة النثر15 إلى جانب النصوص الشعرية التي تتخذ هيئة النثر الخطيّة، بل إنّ مجموعة شعرية رائدة مثل مجموعة “لن” لأنسي الحاج تجمع بين الشكلين أي أنّ قصيدة النثر فيها تتوخّى مرّة نظام البيت ومرّة نظام الفقرة. ومع مرّ الزمن هيمن النمط الأول على قصيدة النثر العربية.

ولم تشذّ قصيدة النثر التي يكتبها الشعراء التونسيون عن هذا المنحى إذ قلّما تتّخذ هيئة النثر الخطّية. ومن الأمثلة القليلة التي ينطبق عليها هذا الوصف نذكر قصيدتي “الشعراء” لباسط بن حسن من مجموعته “الصباح لا يبادلنا جواهره”16 و”صيف 88″ من المجموعة نفسها17. ولكن النزوع المهيمن في كتابة قصيدة النثر عندنا هو اعتماد السطر المنفصل الموافق لشكل النظم في الشعر الحرّ، أي نظام البيت باعتباره وحدة التقطيع في الخطاب الشعري. فتنقسم القصيدة إلى أبيات على غرار انقسامها في الشعر الحرّ الموزون. وهو ما يؤدي إلى التطابق في البنية الخطّية بين قصيدة النثر المكتوبة بهذه الصورة والشعر الحرّ.

إنّ توخّي هذا الأسلوب في تقسيم الخطاب يوزّع الجملة الواحدة على أكثر من سطر ويؤدي إلى الإخلال بالتوازي بين البنيتين الصوتية والدلالية. وهذه سمة أساسية في كلّ نظم حتّى أنّ جان كوهين يقول: يمكن من وجهة نظر بنائية تعريف النظم سلبا بأنه نقيض الجملة18.

إنّ مدونة قصيدة النثر في تونس تشهد على صحّة ما قدّمنا وإذا كان لابد من شاهد فلنختر بصورة اعتباطية هذا المقطع من قصيدة باسط بن حسن: “أنخاب أخرى”:19

من يصغى إلى خفقات

جمالنا

حين يتوارى شعاع العشق

ويهرب من لهفة

ظلالنا

إنّ هذا الشاهد جملة واحدة وزّعها الشاعر على خمسة أسطر على غرار الأبيات في الشعر الحرّ. وهو ما أخلّ بالتوازي بين البنيتين الصوتية والدلالية. إنّ الإخلال بالموازاة بين هاتين البنيتين يخرج الكلام من حدّ النثر ويصله بالنظم. أليس النظم عند بعضهم عدولا عن الموازاة السائدة في جميع ضروب النثر بين الصوت والمعنى.20

لقد بيّنّا أن قصيدة النثر المنجزة في تونس تعوّل في ما تعوّل في بناء الإيقاع على مقوّمين يقترنان في الأصل بالشعر المنظوم هما الوزن ونظام الوقفة. ويبقى أن ننظر في المقوم الثالث من مقومات النظم وهو القافية.

3-القافية:

تضطلع القافية باعتبارها ترديدا للأصوات المتناظرة بدور فعّال في توليد الإيقاع في الشعر المنظوم عموديا كان أو حرّا. وتسند إليها علاوة على ذلك وظيفة أخرى تتمثل في تمييز نهاية الأابيات21. ولئن تراجع دور القافية في تعيين حدود البيت في الشعر الحرّ لأنّ الوقفة لا تقترن ضرورة بها فإنها في المقابل تظلّ عنصرا أساسيا من عناصر الإيقاع لا سيّما وأنّ القافية في الشعر العربي تتميز بغنى بنيتها الصوتية إذ تتضافر عناصر عديدة من حروف وحركات في تركيبها حتى أنّها كثيرا ما تتألّف من أكثر من مقطع22 فكيف تعامل شعراء قصيدة النثر مع هذا المقوم الإيقاعي.

ينبغي أن نقرّ أوّلا أنّ الشعراء التونسيين يتفاوتون في التعويل على القافية في بناء الإيقاع. فباسط بن حسن على سبيل المثال حريص على تجنّب التقفية. وأما فضيلة الشابي أو محمد فوزي الغزي أو حسين القهواجي فيعوّلون أحيانا على القافية في بناء الإيقاع مثلما نتبين من هذين الشاهدين. تقول فضيلة الشابي:

جاء في حديث ظافرات السعفْ

نام الجدول فغطّته الرمال

أما العين فلقد أصابها القذى

للرّمال المكان والصلفْ

أيّها المجنون تاهت بك الكثبان

ثديان من رمل أم وهم امرأة

على الكثيب

تناثرت ظافرات السعفْ

حبّات لؤلؤ وصدفْ23

ويقول محمد فوزي الغزّي:

هذا الظلّ أشهى

من ضلع الموز

والبحر الكلف

بصبيته اللآزورديّة

شيخ تجلو بركاته

سيف خيالي

والبحر الأهيف

بهلوان قديم

شبّ على قدميه

مكر الحبالِ

وهذا البحر المستنكف

حيوان خرافيّ

دجّنته صروف الليالي24

ويبدو التعويل على القافية أشدّ جلاء وأكثر انتظاما عند شعراء آخرين مثل رضا الجلاّلي في قصائده النثرية وعزوز الجملي وعبد الفتاح بن حمّودة وسوف عبيد وغير هؤلاء. ومجرّد مراجعة دواوينهم كفيلة ببيان هذا الأمر.

نخلص ممّا تقدّم إلى أنّ قصيدة النثر التي يكتبها الشعراء التونسيين تعوّل في بناء شعريّتها على المقوّم الإيقاعي لا بالمعنى الذي يشار إليه عادة عند الكلام على الإيقاع في قصيدة النثر بمصطلح “الإيقاع الداخلي” أو “الموسيقى الداخلية” فحسب ولكن ايضا بالمعنى الذي يصل الإيقاع بمبدإ النظم أي بعناصر الوزن وما يعنيه من تركيب للتماثلات الصوتية على المادة اللغوية، والوقفة المميزة لنظام البيت وما تفضي إليه من إخلال بالتوازي بين البنيتين الصوتية والدلالية والقافية وما يميزها من إيقاع جرسي. وإثبات هذا الأمر ينقض ما استقرّ في التصوّرات النظرية والممارسة النقدية من أن قصيدة النثر تبني شعريتها ضد معيار النظم.

فكيف نعلّل الظاهرة؟

II-تعليل الظاهرة:

إنّ تفسير هذه الظاهرة يقتضي منّا أن نأخذ بعين الاعتبار جملة من العوامل المتداخلة منها ما يتعلق بقصيدة النثر الغربية وتطوّرها ومنها ما يتعلّق بملابسات نشأة قصيدة النثر العربية ومنها ما يتعلّق بالمجال الأدبي الخاص بقصيدة النثر التونسية ومنها ما يتصل بثقافة الشاعر ووعيه الفني وتصوره النظري لطبيعة قصيدة النثر.

أما بالنسبة إلى قصيدة النثر الغربية فإننا نشير إلى أن التطور الذي عرفته أفضى إلى خروج بعض النماذج الشعرية التي تدرج ضمن هذا الجنس عن التصوّر الذي تأسست انطلاقا منه وهو البحث عن الشعرية خارج نطاق النظم. ذلك أن بعض الشعراء من أمثال Paul Claudel وسان جون بيرس S.J. Perse وفرانسيس بونج F .Ponge يكتبون شعرا يعتمد نظام الفقرة أو “الآية” وهو لا يخلو من نظم وإن كان محدودا، ومن تقفية وإن كانت غير منتظمة25. ولئن كنّا نحترز على إدراج هذا الضرب من الشعر في قصيدة النثر فإننا نشير إلى أنّ بعض الدراسات الغربية تدرجه في هذا الجنس من الكتابة.

أمّا بالنسبة إلى قصيدة النثر العربية التي شاعت ابتداء من الستينيات فإنه هيمن عليها بصورة تدريجية الشكل الذي كان يطلق عليه جبرا إبراهيم جبرا ومحمد الماغوط تسمية “الشعر الحر” وهو مثلما ألمحنا غير الشعر الحر المعروف. وهذا الشكل بتوخيه نظام البيت ينطوي في حد ذاته على ضرب من النظم مثلما سبق أن بينّا، وإن كان لابد من التنويه بأنّ كتّاب قصيدة النثر العربية لا يعوّلون على القافية إلاّ في حالات قليلة.

وأما قصيدة النثر في تونس فقد شاعت في الممارسة الشعرية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. وقد اقترنت في البداية بكتابات شعراء أدركوا بقايا حركة الطليعة وشعر في “غير العمود الحر” مثل فضيلة الشابي ومحمد أحمد القابسي وسوف عبيد وعزّوز الجملي. وتجربة “في غير العمودي والحر” لم ترفع لواء الشعر ضد الإيقاع كما فعل روّاد قصيدة النثر الغربية وإنما رام أصحابها البحث عن إيقاع جديد يتمرّد على الإيقاع الخليلي. وإذا تأمّلنا نماذج من هذه التجربة وجدناها تتوخّى نظاما في الوقفة شبيها بنظامها في الشعر الحر وتحرص على توظيف عنصر القافية في بناء الإيقاع بل إنّ الكثير من النصوص المندرجة في هذا الاتجاه الشعري لم تبتعد كثيرا عن الإيقاع الخليلي مثلما هو الشأن بالنسبة إلى هذا النص للطاهر الهمامي الذي يمكن ردّه باستثناء البيتين الأخيرين إلى الخبب:

صاح الأول: شيّاتْ

وصاح الثاني: شيّاتْ

وصاح الثالث: شيّاتْ

وصاح الرابع: شيّاتْ

ونادى الخامس: شيّاتْ

وزاد السادس: شيّاتْ

حملت صندوقي ورحت

أشيّتُ مع شعبي ! 26

وهذا الشاهد أيضا للشاعر نفسه وهو مزيج من المتقارب والخبب والرمل:

أرى النخل يمشي

وسط الهجمة يمشي

مشدود الهدب إلى الشمس

موعود الصابهْ

أيها الناسي صوابهْ

أيها المبدلُ بالوهم ثيابهْ27

ومن ثمة نتبيّن أن بعض التجارب السابقة التي تمثل مرجعا من مراجع الشاعر التونسي الذي كتب قصيدة النثر مارست ضربا من الشعر الذي وإن كان يرنو إلى أن يتحرّر من الوزن الخليلي فإنّ للإيقاع فيه بمعنى النظم أهمية حليّة. ومن الوارد أن يتأثّر التونسي الذي يمارس قصيدة النثر بهذا السياق الأدبي. ولكن طبيعة هذا التأثّر وحدوده وانعكاسه على الممارسة تتحدّد بمدى وعي الشاعر بطبيعة قصيدة النثر وطبيعة المراجع الفنية التي نشأ على احتذائها ومدى قدرته على التحرّر من الذاكرة الشعريّة. ومن ثمّة فإن هؤلاء الشعراء يتفاوتون في توظيف مقوّمات النظم في بناء قصيدة النثر.

وبغضّ النظر عن تعليلنا لظاهرة حضور النظم في قصيدة النثر فإننا إزاء حقيقة وهي أن القصيدة النثرية المنجزة في تونس تعوّل في بناء الشعرية على الإيقاع بالمعنى المقترن بالنظم. وهذه الحقيقة تنقض ما استقرّ في التصوّر النظري بل وما يمثل مبرّر نشأة قصيدة النثر وهو إنشاء الشعرية على أنقاض مفهوم النظم. ولكن ورغم ذلك ما زال الخطاب النقدي يباشر قصيدة النثر بمعايير الشعرية التي اقترنت بالأنموذج الأصلي.

الهوامـــــش:
(1) ورد في:
Michel Aquien, Dictionnaire de poétique, Librairie générale Française, Paris, 1993, P 217.

(2) هذا التعريف لجرار هوبكينس G.M.Hopkins أورده جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمّد العمريّ، دار توبقال للنشر، المغرب، 1986، ص 52.

(3)ألعاب المجروح، دار الجويني للنشر، تونس، 1985، ص 26

(4)م.ن.، ص 17

(5)انظر في ما يتعلق بالطابع التقريبي للإيقاع. جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ص87.

(6)عبد الفتاح بن حمّودة، الصباحات، الدار العربية للكتاب، تونس، 1996، ص 33.

(7)م.ن.،ص 47

(8)م.ن.،ص 61

(9) محمد فوزي الغزّي، مدن للحزن ويوم للفرحة، دار أليف للنشر، تونس، د.ت، ص 32.

(10) م.ن.، ص 33.

(11) انظر في قوانين الوقفة في الشعر الحر ودور عوامل الوزن والتركيب والنفس في تحديد موضعها، فتحي النصري، بنية البيت الحر، دراسة في نظام الشعر الحر العروضي، مسكلياني للنشر والتوزيع، تونس، 2008، ص ص 57-63.

(12) Joelle gardes-Tamine, Marie Claude Hubert, Dictionnaire de la critique littéraire, Cérès Editions, 1998, p.222-223.

(13) جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ص 68-69.

(14) م.ن.، ص 68.

(15) نشير إلى أن جبرا ابراهيم جبرا أطلق في أواخر العقد السادس من القرن العشرين مصطلح “الشعر الحر”، وبعد أن شاع إطلاق هذا المصطلح على القصيدة الحرة المنظومة، على القصائد النثرية التي تتوخى نظام البيت والتي كان يكتبها آنذاك هو نفسه ومحمد الماغوط وتوفيق صايغ. انظر في المفاهيم المختلفة التي استخدم فيها مصطلح الشعر الحر، فتحي النصري. بنية البيت الحر، ص ص 11-19.

(16) باسط بن حسن، الصباح لا يبادلنا جواهره، منشورات، Intersignes, paris ، ص 69.

(17) م .ن.، ص 43.

(18) جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ص 69.

(19) الصباح لا يبادلنا جواهره، ص 51.

(20) انظر جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ص 69.

(21) عرّف موريس غرامون القافية بقوله: “هي توافق الأصوات وليس لها من غاية أو نتيجة في الأغلب سوى توفير علامات داخل الإيقاع تفصل بين مجموعات عناصره.

Maurice Grammont : Traité de phonétique, Ed. Librairie Delagrave, Paris, 1973, P 240.

أورده محمود المسعدي، الإيقاع في السجع العربي، نشر وتوزيع مؤسسات بن عبد الله، تونس 1996، ص 45.

(22) حدّد محمود المسعدي العناصر التي تتألف منها القافية قائلا: “إنّ ثلاثة أنواع من العناصر مختلفة صوتيّا تتضافر في تركيب القافية: عنصر ذو جرس حرفي وعنصر ذو جرس حركيّ وعنصر جامع بين جرس الحركة ومداها وهما الرويّ والمُجرى أي الحرف الأخير وحركته. وقد يكفيان وحدهما لتكوينها كما هو الشأن في القافية البسيطة. أما في القافية المركّبة فتضاف إليهما أصوات أخرى ويصبح عدد العناصر الثابتة التي لا تتغير أكبر ويتراوح بين الثلاثة والستّّة”. انظر الإيقاع في السجع العربي، ص 54-55.

(23) فضيلة الشابي، لتوزر القمران، الإنجاز والطباعة، “سكريبت” تونس، 2004، ص 7.

’24) محمد فوزي الغزي، مدن للحرن ويوم للفرحة، ص 1213.

(25) انظر.218-219 M. Aquien, Dictionnaire de poétique,

(26) الطاهر الهمّامي، الحصار، الدار التونسية للنشر، تونس 1972،ص 121.

(27) الطاهر الهمامي، أرى النخل يمشي، ط. الشركة التونسية لفنون الرسم، تونس، 1986، ص 9-10.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This