قصيدة طَرَفَة بن العبد – شعر

ليسَ إسـمي الذي في نهايـةِ هذي القصيـدةِ

ذلكَ عشـبٌ طــريٌّ تهجّى الغيـومَ

ليعـرفَ أينَ حـدود الـردى في امتـدادِ الجسـد

أنا عمــرُ هذي الفراشــةِ

لا ضـوءَ خـلفي يشـيُر إلى أزلٍ كـنتُ فيـهِ..

ولا يعـرفُ الـوردُ معنـى الأبــدْ

أيـنَ يمضـي الفـتى في احتـدامِ زمـانٍ مضـى

وزمـانٍ يُقَــلِّب نيرانـَـه

ويُغـررهُ باتقاد

وليـسَ لـه ـ آخرَ الأمــرِ ـ من ذلكَ الـدفءِ

غـــيرُ رمـــادٍ

وشـاهـدةٍ من رمــالٍ ستشــهدُ

أنْ ليــسَ تحتَ الرمالِ أحــدْ ؟!!!!

تعرفكَ الأغاني أكثر مما يعرفكَ الناس

والصحراءُ خطوتك الضالةُ لفكِّ عُزلةِ القبر ومن فيه

لن ترحلَ أبعد مما شاءت القصيدة

ولن تعودَ إلى موقعٍ أدنى من الغربة فيك

الأهلُ شهادةُ وفاةٍ، على ما فيك من شبقٍ للشَّك

والطمأنينةُ الساطعةُ في قعر الكأس

ليست أكثر من سؤال جديد

لن أقول لك ترفَّـق بيقين لا يشير إلى جهة أو جواب

الحكاية نعرفها كلنا

لكننا نتشاغل عنها بك

ليس اسمي الذي في الحكاية يجري

ويسبقُني مثلَ ظــلٍّ عَـجولٍ

ليختبرَ الصمتَ في أعين الناس

أو في معابدِ آلهتي

كان لي أن أقولَ انتهتْ منذ أن بدأتْ رحلتي

فكتبتُ القصيدةَ،

لكنَّ راحلتي لم تُصدِّق كلامَ القصيدةِ

قد يقنعُ الموتُ راحلتي

تشغلنا الحكايةُ أكثر ممن يعيشون فيها

تشغلنا أكثر ممن يموتون على أرصفتها

كان يمكن أن تموت هناك

مثلما ماتت الليالي

فلم يكن ثمة هواء يكفي القصيدة في أي مكان

خطاك لا تعرف الدربَ إلا في العتمة

كما لو أن أحداً لم يقل لك: هناك نهار!!

ليس اسمي الذي في خطايَ

سيعرفني قاتلي جيداً

أين قلبي ومن فيه سيدتي ؟!!

أين وجهُكِ فــيَّ وفي خمرتي ؟

يتفتتُ هذا الزمانُ فأسقطُ

من مشهدٍ لا يُطلُّ على الغدِ

من نجمةٍ لا تدلُّ الطريقَ إلى أي شيءٍ

سأرتاحُ أينَ ؟

ولي كلُّ هذا العدوِّ هنا عابراً

أو مقيماً بذاكرتي ؟!!

ستٌّ وعشرون لا تكفي كي تقول أنك قد عشت

لكنها كافيةٌ كي نشهدَ أننا عشنا بك

فالنهاية آخر الأمر هي الحكايةُ كلُّها

ها نحن نجلس مدججين بهدوء قتلى أزليين

كي نصطادَ نهايةً صالحةً

لا نحسدُ سوانا لأنهم عاشوا كما شاءت الحياة

نحسدهم أنهم ماتوا كما لا يشتهي الموت

ليس حلمي الذي في دمائي يجري

ويغوي الوحوشَ بلحمي

ويتركها ترتعدْ

من جراءةِ هذا القتيلِ

ومن صمتِ هذي الليالي

ومن بردِهِ الـمُـتَّـقِدْ

كيف أقنعُ ذئبا ليأوي إلى جسدي دونَ خوفٍ

وأنشدُ هذي القصيدةَ حتى

يقولَ لي الموتُ: هيا أَعِــدْ !!!

لا أصالحُ موتي ـ هنا ـ عبثا فهو هذا الجسد

بعيدا فيك أو فينا

لنا الأسماءُ نفسُها

وإن تغيَّرت الحروف

والنهايةُ نفسُها

وإن تغيَّر القاتل

والقصائدُ نفسُها

وإن تغيَّر الزمان

والوجوهُ نفسُها

وإن اختلفت الأبوابُ التي توصدُ كلما جئنا من بعيد

ما الذي يعنيه إذن أننا ولدنا في زمنين مختلفين؟!!

ليس أكثر ـ ربما ـ من أن نكون أوفياءَ قليلاً، ونتذكر!!

ليس جسمي الذي يتناثرُ كالرملِّ في كل ناحيةٍ ويصيحُ

هنا طــللي

يتعقبُني ويسدُّ علي الدروبَ رحيلاً

ويسبقُني كلما عدتُ ســراً إلى منـزلي

سائراً كالحصى أتعثرُ فوق الرمالِ

وأُعْفي الإجابةَ من حَـيْـرَةٍ في السؤالِ

لعلَّ ضياعــاً سيرشدها !!!

كلّ هذا الرحيلِ لأرحلَ عن صورتي للنهاية، في لغتي

عن سكوني كالماءِ قربَ الخيام وعن سُـبُلي

البيوتُ كالبشر تنسى

والأبوابُ خُلقتْ لتوصدَ لا لتُفتح

تذكّرْ ذلك جيداً

كي تترك مكاناً ملائماً للغرباء فيك

ولوحوشِ البر

لست أدري إن كان ثمة نوافذُ تكفي لعبور الضوء

ما داموا ابتكروا كلَّ تلك الجدران

العتبة احتلتْ مكانَ السفح

والكراسي مكانَ الصّهوات

بقليلٍ من التواضعِ

كان يمكن أن تترفق بنا نحن الأصدقاءُ الذين لم تعرفهم

ليس وجهي الذي في المرايا

هنا البحرُ أقربُ من أيِّ شيء إلى بدني

وبي كلُّ هذي الرمالِ

وسيرتُـها زمني

أحثُّ الخطى للشمال

لعلَّ صباحاً يُطِـلُّ هناكَ

ويغسلُني من جنوبي الوحيدِ

ومن شجنــي

ويغسلُني من عذاباتِ روحي

……………… ومن وطني

غريبٌ هنا

لا كلابي تعرفني إن مررتُ بها ـ ذاتَ صبحٍ ـ

ولا سكني

راحلٌ كي أرممَ صوتي قليلاً وأُنشدَ

هل من رأى كفني؟!!

من رآه لن يعترف

سيقولُ : إنه مناسب له أكثر

هكذا الأمر دائماً

يقتلوننا طمعاً بأكفاننا، ليس إلاّ

كما لو أنهم صعدوا ذات يوم ذلك الجبلَ الذي صعدناه

أغني لك الأغنيةَ كي لا يكونوا كلُّهم ضدَك

ليس شعري الذي فاضَ حين أطلتْ علينا

ولكنه الضوءُ ينفضُ عني ضريحي

رأيتُ حبالَ الهلاكِ الجميلةَ ترفعني

والمدى قادمٌ من بعيدٍ على صهوات السفوحِ

يليقُ بيَ الموتُ حين يكون رحيماً إذن !!

وتليق بيُ الصبواتُ

النهاراتُ

وقْـعُ الندى في صحارى جروحي

تليق بيَ الشمسُ حين تُطـلُّ

وتعصفُ بيْ، يا كواكبُ، ريـحــي

تليق النهاياتُ بيْ كالغموضِ

تليق النهاياتُ بي كوضوحي

لأصرخ ملءَ الفضاء الكسولِ:

القصيدةُ تكتُبُني كالهواءِ

وتنشدُني فوق أطلالِ روحي

المرأةُ وحدها سبب مُقنعٌ كي لا نخشى الموت

سبب مقنع كي نقول شيئاً جميلاً لهذي الحياة

لن يسأل القلب

لأن الإجابةَ تفترسُ نصفَ الحب وإن لم نعثر عليها

المرأة لم تكن إبنة للوالي

ولا أختا للإمبراطور

… …

وأعرف أنك لم تكن ذاهباً للحب

ليس شعري الذي في الحكاية يجري على ألْـسُنِ الناسِ

تلك حياتي

رأيتُ النهايةَ عاليـــةً كالقصيدةِ..

وادعةً كالصلاةِ

رأيت الذي فـاقَ حزني صفاءً من الكائناتِ،

يُرتِّبُ لي سيرتي وصفاتي

رأيتُ الكلامَ الذي بين كفيّ أبيضَ أبيضَ مثلَ المماتِ

رأيتُ الطفولةَ والبيدَ ترتعُ في عشبِها الحُـرِّ

سـرَّ الذبيحاتِ والذابحاتِ

فلا تطلب الآن مني رحيلاً

هنا بــرُّ ذاتــي

وصلتُ إلى آخري كاملاً

كالبدايةِ كالماء والظلماتِ

فلا تفتحِ الليلَ لي كي أفـرَّ إلى الفجرِ ثانيةً

أو شتاتـي

قتيلُكَ ؟!! لا بأسَ

لكنني لن أكونَ قتيلَ نـجـاتـي!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق