قصّة عبد الله بن أبي سرح كاتب الوحي، بين إيتالو كالفينو وهانس روبرت ياوس

 قد تكون قصّة عبد الله بن أبي سرح (كاتب الوحي) المطّردة في كتب السّيرة النّبويّة والتّاريخ، وفي مصنّـفات قديمة غيرها، خير مثال للكلام “الكلّي” أو النـّص الكلـّي الذي لا يقبل أيّ تغيير.
قال أبوالعلاء المعري في “ذكرى حبيب” في سياق استدراكه على بيت لأبي تمّام، تمثّل فيه بهذه القصّة: “المشهور أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يكتب له الوحي عبدالله بن سعد بن أبي سرح، وكان يغيّر ما يقوله النّبي فإذا قال :”إنّ الله غفور رحيم ” كتب “إنّ الله سميع عليم” ونحو ذلك، ويقول للنّاس: “لو كان محمّد صادقا لأنكر علي هذا التّغيير .”ثم لحق بمكّة وأهدر النّبي دمه يوم الفتح، فشفع فيه عثمان لسبب كان بينهما…” (تبريزي 2/201).


استثمرالكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو هذه القصّة في روايته “لو أنّ مسافرا ذات ليلة شتويّة…”. وممّا جاء فيها : “كان النّبي محمّد ينصت إلى كلام الله ويمليه على كتبته… وذات مرّة كان يملي على عبد الله… ثمّ تلعثم [توقّف] فجأة في وسط جملة، فألقى إليه عبد الله بالبقيّة عفوا. فما كان من محمّد الشّارد الذّهن إلاّ أن اعتبر ما قاله له عبد الله وحيا إلهيّا. وهو ما استنكره عبد الله فهجر النّبي وارتدّ عن الإسلام”. ولا يعنينا ما في هذا التّوظيف للقصّة من “تحريف” قد يكون مقصودا، ونحن نعرف أنّ النّبي قبل شفاعة عثمان بن عفّـّان فيه، وإن على مضض،ّ فهذا موضوع آخر. إنّما يعنينا تعليق هانس روبرت ياوس عليها في كتابه “جماليّة التّلقّي، من أجل تأويل جديد للنصّ الأدبي”، وهو يؤكّد ما نحن فيه من أمر الكتابة “المقدّسة” أو الكلام الكـلـّي السّابق على الوجود في المخيال الدّيني أو المكتوب في اللوح المحفوظ.

يقول ياوس : ” لماذا ارتدّ عبد الله عن دين محمّد؟ إنّ ما يسوّغ ذلك ليس انصرافه عن الإيمان بـ”الكتاب ” كما استخلص ذلك كالفينو على نحو يبدو لي غير مقنع البتّة، بل لأنّ الكلام الكلّيّ الموحى به لابدّ أن يبقى، في النّصّ المقدّس مفارقا أي ساميا على كلّ أنواع الكلام وغير متوقّّع. والكتاب الوحيد القادر على قول ” الكلّ” يتجاوز جدليّة الإنتاج ـ المنتج البشريّة، ونصّ هذا الكتاب هو، من منظور بشريّ… متعذّر الكتابة، وهو أيضا، وعلى نحو مفارق، مكتوب منذ الأزل وإلى الأبد .”

هذا باختصار بعض ما جاء في رواية كالفينو، واستدراك ياوس عليها. ونحاول في ما يأتي أن نـدلي بدلونا ـ رغم أنّنا من مواليد برج القوس ـ في ماء هذه “القصّة” التي تستدعي أكثر من وقفة، من كوّة في شبكة القراءة، غير التي نظر منها صاحبانا. وقد تخيّرنا رواية أبي العلاء للقصّة، وصرفنا النّظر عن رواياتها الأخرى في كتب السّيرة والتّاريخ، عسى أن نكون في الصّميم من السّياق الأدبي الذي ينتظم نصّيْ كالفينو وياوس.

وسؤالنا، ونحن نحاول أن ننفذ من غواشي الماضي إلى فروض شتّى لعلّها من نسيج السّراب الأبجدي، هو:لماذا لم ينكر النّبي على كاتبه عبد الله بن أبي سرح “التّغيير” الذي أحدثه في”النصّ” [الوحي] إلاّ عندما علم به، وليس لحظة وقوعه؟

أمّا القدامى، ومنهم أبو العلاء المعروف بـ”عقلانيّته”، فيسكتون عن هذا تماما. وليس لذلك من تفسير، في الظّاهر، سوى أنّ هذا التّغيير لم يكن أكثر من محاكاة للـ”كلّي”، بألفاظه وأدواته، مع الاحتفاظ له بسياقه. ويبدو من الأمثلة القليلة التي ساقوها أنّ عبد الله بن أبي سرح كان يدرك أنّ ما نسمّـيه “الصّـيغة”، وهي مجموع الكلمات التي تستخدم باطّراد محكومة بذات الوزن، سواء في القصيدة أو السّورة، هي من أظهر سمات “النصّ” المقروء المسموع، لا الشّفوي فحسب وإنّما الكتابي أيضا. فلم يكن ليستعصي عليه، وهو كاتب الوحي المتمرّس، أن يقيس على هذه الصّيغة أو القالب أي هذا “المثال الذّهني”، سواء قيّده بالكتابة أو لم يقيّده. وقد كان النصّ القرآني يتّسع لمثل هذه”المحاكاة” التي ليست منه في الأصل، وهي تندسّ في ثناياه وأعطافه، حتّى ليتعذّر تمييزها من غيرها. ومثال ذلك الشّواهد التي ساقها أستاذنا عبد المجيد الشّـرفي من “القرآن الذي نزل بلسان الصّحابة” مثل عمر وعلي… نقلا عن السّيوطي في”الإتقان في علوم القرآن”، وعلّلها تعليلا سائغا. والغريب أنّ القدماء كانوا لا يستشعرون أيّ حرج من إيرادها والتّمـثّل بها. وليس لذلك من تفسير سوى ما يقوله المخيال الدّيني من أنّ الصّحابة معصومون مثل النّبي، أو هم بمنأى عن غواية الشّيطان الذي لا يمكنه أن يوقع الدّلسة في كلامهم، وبخاصّة في نصّ مثل الوحي. هذا بالرّغم من أنّ القرآن يفسح للشّيطان في أكثر من سورة وآية، ويسند إليه الكلمة مباشرة.

فليس بالمستغرب إذن أن لا يتنبّه النّبي إلى التّغيير الذي أحدثه عبد الله في بعض الآيات، وهوـ على ما أسلفناـ محاكاة لا تنسخ الوحي ولا هي تمسخه. ولكنّ غضبه،وإهداره يوم فتح مكّة ـ وكان يوم أمن وأمان ـ دم كاتبه الهارب بجلده، يحدّ من كفاية التّفسير الذي أخذنا به. وهاهنا لا بدّ من وقفة أو من “مقترب تداوليّ”، نحاول ـ على ضوئه وإن في حدود ضيّقة بحكم السّقف الذي حدّدناه لهذا الموضوع الذي يحتاج إلى بحث مستـفيض ـ أن نستأنف قراءة هذه “القصّة”، وأن نفترض عليها افتراضاتنا.

أوّل ما يسترعي انتباهنا في هذه”القصّة”، هو قول عبد الله، وقد راعه أن فعل في”النصّ” [الوحي] ما فعل، دون أن ينكر عليه النبيّ فعله: “لو كان محمّد صادقا لأنكر عليّ هذا التّغيير”. فلمَ عمد عبد الله إلى هذا التغيير؟ وما الذي أغراه به؟ أهو فعـل ذلك لرقة دينه ـ وهذا مستبعد إذ لا يعقل أن ينتدب النّبي شخصا بهذه الصّفة، لكتابة الوحي ـ أم لشكّ اعتراه أم ليطمئنّ قلبه؟

إنّ عبد الله “كاتب” يسجّل الوحي ويقيّده بالخطّ. وإذا كانت له مشاركة “شفهيّة” أثناء الإملاء، فهي مخالسة لا تعدو استيضاح لفظ أو معنى أو هيئة من هيئات التّماسّ مع القول أو التّعاطف المرتبط بهذا التّماسّ اللغوي نفسه، ولكن دون أيّ تدخّل منه في أسلوب “الرّسالة” أو في تركيبها.

إذن ما الذي رابه في”النصّ” [الوحي] والنبيّ يمليه عليه، حتى يخون الأمانة ويأتي هذا الفعل”المنكر”، ويتدخّل في ّ”النصّ”؟

ما يمكن تقريره بكثير من الاطمئنان ـ استئناسا بالقصّة وبسيرة صاحبها الذي “حسن إسلامه” بعد أن صفح عنه النّبي وإن على مضض كما جاء في روايات أخرى، حتّى أنه ودّ بعد أن شفع فيه عثمان، لو قام إليه أحد أصحابه وضرب عنقه بالسّيف ـ أنّ عبد الله لم يصدر في هذا التّغيير المتعمّد، عن سوء طويّة ومحاولة للنّيل من النّبيّ والغضّ من قيمته. ولكنـّنا نظنّ، وبعض الظنّ ليس إثما، أنّه ما كان ليفعل ما فعل، إلاّ عن خبرة بالنصّ ودراية بملابسات إملائه. فالأمر في”الوحي” لا يتعلّق بنصّ أو كلام يرتجل، وإنّما بنصّ يملى. ومن المفيد أن نحكم التّمييز بين هذين أي بين الارتجال والإملاء، حتّى نبلغ بهذه القراءة غايتها. والمقصود بذلك أنّه نصّ يمليه صاحبه على نفسه قبل أن يمليه على غيره، ويؤدّيه تحت رقابة “الأذن الدّاخليّة”، وفي حيّز “الخطاب الصّامت” الذي تسبق عناصره كلّ عمليّة خلق لغويّ متأنّية، أو هي تلازمها. ومثل هذا الخطاب يتيح لصاحبه أن يتعهّد نصّه حتّى يستتبّ على الهيئة التي شاء وأراد. إنّ الإملاء كتابة “لامرئيّة” حاملها الذّاكرة، سابقة على كتابة مرئيّة حاملها الخطّ. بل إنّ المرء قد يكون جاهلا بالخطّ، دون أن يكون جاهلا بالكتابة التي هي بنية وتركيب قبل كلّ شيء. وكلّما كان إملاء كانت كتابة، لأنّ الذي يملي يمكن أن يأتي صنيع الذي يكتب، كأن يشطب في ذاكرته، ويحذف ويغيّر ويبدّل، وما إلى ذلك ممّا هو متعارف معهود في طقوس الكتابة. ولعلّ خير دليل لما نحن فيه قول النّبي لزوجته أمّ سلمة: “يا أمّ سلمة لا تؤذيني في عائشة، فوالله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكنّ غيرها”. ولا يمكن لعاقل أن يتخيّل النّبي، وهو في هذه الحال، يدعو أحد كتبة الوحي، ليقيّد ما نزل عليه. فلا بدّ أنّ النصّ “الموحى” يحفظ في الذّاكرة، ثمّ يملى في وقت لاحق.

فما الذي يمكن أن يكون لاحظه عبد الله بن أبي سرح، والنبي يملي عليه؟

نحن لا نملك جوابا جاهزا، ولكنّنا نقول بما يشبه الحدس أو “القناعة الوجدانيّة” إنّ عبدالله قد يكون لاحظ غير مرّة أنّ النبي يتوقّف أثناء الإملاء أو يتأنّى في الأمر ويتبصّر، أو ربّما “يتـلعثم” بعبارة كالفينو. وهذا يكاد يكون ملازما لعمليّة الإملاء من الذّاكرة. مع الإشارة إلى أنّ الفعل “تلعثم” لا ينطوي على أيّ معنى تنقّصيّ، وبخاصّة في العربيّة. وعليه يمكن أن يكون وقع في ظنّ عبدالله، في لحظة ما، أنّ النبي هو صانع القول أو أنّ الوحي كلام بشريّ. ولكن لم يكن بإمكانه أن يجاهر النبي بذلك. ومن هنا فكّر، لكي يطمئنّ قلبه، في هذه الحيلة:أن ينسج على منوال الآية، ويوقع الدّلسة في نصّ الوحي. ويبدو من رواية أبي العلاء “كان يغيّر ما يقوله النّبي” أنّه فعل ذلك أكثر من مرّة. ولن نستطيع مهما بذلنا أن نسترجع الأصل الذي لم ينغمس في الشّبهات، أو نقف على مواضع التّغيير، فقد طوى عليها النصّ وإلى الأبد. ولا يساورنا شكّ في أنّ عبد الله وضع في حسبانه احتمال أن يتفطّن النّبي إلى التّغيير الذي أحدثه، وأنّه أعدّ لهذا الأمر عدّته. فلم يكن ليعدم، في هذه الحال، حيلة أو عذرا مثل السّهو والغفلة وذهاب القلب…أو ربّما كان سيعترف بصنيعه. ولكنّ شيئا من هذا لم يحدث. ولذلك لم يجد عبد الله بدّا من هذا الاستنتاج والقول، وقد راعه الأمر:”لو كان محمّد صادقا لأنكر عليّ هذا التّغيير”.

وهاهنا نقف على السّبب الأظهر في غضب النّبي، وإهداره دم كاتبه. فليس أقذع من أن يرمى النّبي بالكذب، وأن يقاس بمقياس الشّعراء الذين “يقولون ما لا يفعلون”، ولا أحطّ من أن يوزن الوحي” أخو الصّدق” بميزان الشّعر “أخو الكذب”،وأن يصدر ذلك من كاتب ائتمنه النّبي على الوحي. هذا بالرّغم من أنّ الشّاعر مطالب بـ”فعل القول” أو “عمل القول” في هيئة فنيّة مخصوصة تعدل باللغة عن النّمطي والسّائد المألوف، وليس بالمناسبة بين قوله وفعله. والشّعر من هذا الجانب قرين “الوحي”، فكلاهما كتب بعربيّة فنيّة أو “لغة عليا”، هي بالتّأكيد ليست لغة اليومي والمعيش.

إنّ هذه القصّة التي يتحاشاها المسلم الأصولي عادة، ذات بساطة مراوغة. فهي تؤكّد الصّلة اللطيفة بين “الظّاهر” و”المضمر”، وأنّ هذا هو ذاك ،وتثير جملة من القضايا، لعلّ أهمّها قضيّة “الكلّي” وما يتّصل بها من أمور فلسفيّة، لسنا مؤهّلين للخوض فيها. ولكنّنا نقتصر على إشارات خاطفة إليها في هذه الخاتمة، عسى أن نفهم استدراك ياوس عليها.

إنّ ترسّم الكلّيّ باعتباره حدّا قبليّا للوجود إنّما هو غرض أساسيّ من أغراض الميتافيزيقا عامّةّ والإغريقيّة تحديدا، وبخاصّة في لحظتيها الأفلاطونيّة والأرسطيّة. ويمكن أن نستجلي ذلك من محاورات كثيرة لأفلاطون، لكن نكتفي بالإحالة إلى نظريّة المثل لديه والتي يمكن أن نتأوّلها من أمثولة الكهف حيث المثل التي هي كلّيات الوجود تُُنتسخ على نحو من المحاكاة في العالم السّفليّ. ونستجلي ذلك من كتب عديدة لأرسطو، لكن نكتفي هنا بالإحالة إلى ما يرد في كتاب الميتافيزيقا من بيان لعلاقة الكلّيات بالجواهر والأعراض والصور الحسّية في كلّ متكامل. بيد أنّه يجدر الانتباه إلى أنّ استتباعات كلّ من هاتين اللّحظتين على صعيد الموقف من العمل الفنّيّ عموما إنّما هي استتباعات متقابلة أو تكاد؛ فهي في المتن الأفلاطونيّ استتباعات تشين الفنّ في عمومه بوصف تقنية المحاكاة التي تسهم في إنشائه، تشوّه الحقيقة المثاليّة وتباعده عنها. فأن نفكّّّّّّّّّّّّر في تنوّع الحسّيّ وحركته، هو أن نعود به إلى مبدئه الذي هو فوق حسّيّ، وأن نرجع به إلى المثال الذي يتعيّن بوصفه النّموذج للأشيــاء والأصل. وتبعا لذلك فإنّه ينبغي أن نميّز ثلاثة مستويات للواقع: مستوى المثال الذي هو مستوى الماهية التي تنشدّ إليها الأشياء المادّية مثلما تنزع إلى ما ينبغي أن تكون عليه. وهكذا من أجل صنع سرير، تكون عينا النّجّار مثبّتتين على مثال السّرير الذي يستوحي منه تمثّلا (mimesis). أمّا المستوى الثّاني فهو مستوى الأشياء المولَّدة التي هي “مؤٌذّتة” بحيث تحتاج إلى علّة لتلتحق بالوجود. وأمّا الثّالث فهو مستوى المظهر كما هو، أي مستوى ما تظهره الصّورة المرسومة للشّيء الذي بخداعه للعين يدفعها إلى الوهم فتحتسبه بدل نموذجه.

على هذا الأساس يكون الفنّ، أو على الأقلّ الفنّ التّمثيليّ (الرّسم والنّحت والشّعر الدّراميّ) مستنقَصَ القيمةِ بالنّسبة إلى الحقيقة (وهذا ما سعى القرآن إلى ترسيخه من خلال موقفه من الشّعر ونفي شبهته عن النّبي). أمّا في المتن الأرسطيّ فهي استتباعات تثمّن المحاكاة من جهة أنّها تكامل بين الجوهر والهيئة الحسّية. وأهمّ من ذلك، فإنّ المحاكاة تسهم في جعل الفنّ أجمل حتّى من الطّبيعة نفسها. ذلك أنّ مزيّة المحاكاة إنّما تكون في أنّها تُجمّع في لوحة واحدة الجمال المشتّت في الطّبيعة كأن يؤخذ من هذه أنف جميل ومن تلك ساق جميلة… ومن ثمّ يكون المختلف الذي ينشئه الفنّ أمتن من النّموذج؛ وهذا مقابل الموقف الأفلاطونيّ الذي يتذرّع بكون المختلف مجرّد نسخة للنّموذج بحيث يتعيّن استهجانه.

على تماسّ من الموقف الذي يعتبر الكلّيّ حدّا قبليّا للوجود، ومن الموقف الذي لا ينكر بالضّرورة وجود الكلّي، لكنّه ينكر أن يكون بمثابة نقطة يتجمّع فيها كلّ الوجود باعتبار الكلّيّ مطلقا، والمطلق بصفته تلك يكون مفتوحا في كلّ الاتّجاهات، يبرز الموقف الهيغليّ متجاوزا للموقف الأوّل ولكنّه يأتي في نفس الوقت مربكا للموقف الثّاني الذي نطمئنّ إليه أكثر من غيره. ذلك أنّه يكفّ عن اعتبار الكلّيّ متعاليا بإطلاق عن الواقع ومنقطعا عنه، بل يُجري الكلّيّ في الواقع بحسب منطق الصّيرورة وفعلها. فإذا استخلاص مفهوم كلّيّ للفنّ أو لـ”النصّ”الكلّي [القرآن] أمر ممكن؛ ولكنّ إمكانه يقضي على استمراريّته من حيث هو خلق؛ ذلك أنّ النصّ شأنه شأن الفنّ هاهنا، جهة من جهات الرّوح المطلق، هي جهة الجميل تتجلّى في لحظة تاريخيّة معيّنة، فإذا انتهت تلك اللّحظة اسْتُخْلِصَ مفهومها. وإذا تمّ استخلاص المفهوم بطلت الجدوى من استمراريّة الفنّ؛ ومن ثمّ قول هيغل المأثور “مات الفنّ وولدت الأستيطيقا”. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This