قضيّة شريط “برسبوليس”/ رجاء بن سلامة

يمكن أن أواصل العنوان في متن المقال قائلة : وقضيّة جنائيّة مرفوعة تتناقض مع الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، وتتناقض مع حرّيّة المعتقد باعتبارها حقّا أساسيّا من حقوق الإنسان، وتتناقض مع إلغاء الأمم المتّحدة لتهمة “التشهير بالأديان”، وتتناقض مع القانون الجديد للإعلام الذي اعتمدته الهيئة العليا ولم تصادق عليه الحكومة بعد، وإعلاميّون وفنّانون يعتذرون عن الحرّيّة، ولا ينهضون بعبئها، وناشطون ومناضلون سابقون في مجال الحرّيّات يركبون الموجة لحسابات انتخابيّة، وآخرون يلزمون الصّمت، خوفا من العنف القداسيّ، وممارسات عنف واعتداء، وسلفيّون لا يعترفون بالدّولة، ولا بمؤسّساتها، ويدّعون أنّهم أخذوا ترخيص مسيرة يوم الجمعة 14 أكتوبر من “المولى تعالى” (انظر اللافتة المرفوعة في إحدى المسيرات، مع أعلام حزب التّحرير). على حدّ علمي، حتّى الأنبياء والرّسل، لم تكن علاقتهم بالإله بهذه المباشرة، وعلى حدّ معرفتي المتواضعة بالنّفس البشريّة وبالتّحليل النّفسيّ : المجانين وحدهم يدّعون أنّهم على علاقة مباشرة باللّه يخاطبهم ويخاطبونه.

أواصل : ومواطنون خرجوا تلقائيّا من باب الغيرة على دينهم، لأنّهم وقعوا ضحيّة تجييش ساهمت فيه وسائل الإعلام. وهذه النّقطة الأخيرة هي التي سأنطلق منها وأركّز عليها، في انتظار أن أعود إلى قضيّة حرّيّة الرأي والتعبير والمعتقد كما تطرحها أدبيّات حقوق الإنسان لا كما تطرحها بعض وسائل الإعلام على نحو يكاد يكون سرياليّا.

إعلام موجّه وتجييش شعبويّ

هذا الشّريط الحاصل على أوسكار في مهرجان كان سنة 2007، عرض في أبو ظبي سنة 2007، وعرض في لبنان بعد أخذ وردّ سنة 2008، وعرض بتونس في بعض أندية الثّقافة والشّباب خلال هذه السّنة. وقد حدّثتني إحدى زميلاتي قائلة إنّها عرضت الشريط في إحدى مدن الوطن القبليّ، وناقشه بعض الإسلاميّين، ولم يثر الأمر أيّ إشكال يذكر، لأنّ العرض تمّ في إطار حوار وتفكير واحترام متبادل بين كافّة المتدخّلين.

بدأ المشكل إثر عرض قناة نسمة للشّريط مع حوار عقبه. وطلع علينا مراسل قناة الجزيرة غاضبا متحدّثا عن “المسّ بالمقدّسات”، مقدّما تقريرا منحازا إلى أبعد الحدود، لا يستجوب فيه أي ممثّل من القناة المتّهمة. ثمّ احتذت القناة الوطنيّة بقناة الجزيرة مستعملة نفس العبارات : “المسّ بالمقدّسات”. واختارت القناتان تهييج النّاس في الاتّجاه الشّعبويّ، وانساقت القناة الوطنيّة حتّى إلى إدانة بعض وجوه الإصلاح الدّينيّ بتونس، هوالأستاذ محمد الطّالبي. فلم تستجوب القناة المعنيّة، أو صاحب البرنامج، ولم تحاور أيّ ناقد سينمائيّ كان يمكنه أن يوضّح للنّاس أبعاد اللّقطة التي يجسّد فيها الإله. فهذه اللّقطة مبرّرة فنّيّا ونفسيّا لأنّ الأمر يتعلّق بوعي طفلة، والأطفال دائما يتصوّرون الإله متجسّدا، ومبرّرة نفسيّا، لوجود دوافع لاشعوريّة تجعل للإله صورة أبويّة في قرارة نفس الكثير من المؤمنين. ولم تستدع القناة أيّ ناشط حقوقيّ يوضّح أبعاد حرّيّة التّعبير عندما يتعلّق الأمر بالإبداع، ولم تنظّم أيّ حوار فكريّ هادئ في الموضوع، ولم تطلع الرّأي العامّ على الموقف المشرّف الذي وقفته الهيئة الوطنية لاصلاح الاعلام والاتصال عندما أدانت “كل اشكال العنف ومحاولات ترويع الاعلاميين وإسكات صوتهم”.

قناتنا الوطنيّة إذن، سلكت طريق الإعلام الموجّه المؤدلج، وأسلوب الإثارة والتّهييج، فلم تساهم في إنارة الرّأي العامّ، بل ساهمت في إثارة العواطف البدائيّة وتجييش النّفوس، ونشر ما يعبّر عنه محمّد أركون بـ “الجهل المقدّس”. وآخر آية من آيات إبداع فريق الأخبار فيها هو تلاوة مقدّمة الأخبار بيانا صادرا عن السفارة الإيرانيّة، يستنكر المسّ بالمقدّسات، دون أن يستدعي فريق الأخبار ممثّلا من الحكومة أو من وزارة الخارجيّة تحديدا يؤكّد بأنّ تونس بلاد ذات سيادة، أو يؤكّد أنّها بلاد شهدت ثورة ديمقراطيّة بحيث لا يمكن لحكومته التّدخّل في ما تنشره وسائل الإعلام من أعمال فنّيّة، أو غير ذلك ممّا يمكن أن يبرّر تلاوة هذا البيان في نشرة الأخبار.

أين تبدأ المقدّسات وأين تنتهي؟

من خصائص المصادرة باسم الدّين أنّها ككرة الثّلج تنتقل من القريب إلى البعيد إلى الأبعد، وتأتي على كلّ شيء لتفرض نوعا من “ممنوع اللّمس” على الفكر، فتشلّ كلّ رأي وكلّ تعبير وكلّ إبداع. فالمبهمات التي تتمّ باسمها الرّقابة يمكن أن تتّسع لتطول كلّ قول وكلّ فعل، لأنّ المقدّس نفسه يخضع إلى منطق كنائيّ : تنتقل القداسة من مصدرها الأوّل إلى ما حوله : في الشّريط تعلّق الأمر بالذّات الإلهيّة، وقد يتعلّق الأمر في مناسبة اخرى بالرّسل أو بالصّحابة، أو التّابعين، أو الأولياء الصّالحين، أو المحرّمات الدّينيّة، فيصبح كلّ كلام وكلّ تفكير مسّا بالمقدّسات.

فللرّقابة بنية وسواسيّة تشتغل وفق منطق شبيه بمنطق “درء الشّبهات”، وشبهات الشّبهات. دليلنا على ذلك أنّ الجموع الهائجة التي أحرقت ألف ليلة وليلة بمصر سنة 1985، طالبت بدم ناشر الكتاب وصاحب المطبعة، فدعيا للمحاكمة، وفي قضيّة الحال : دعي صاحب القناة للمحاكمة، ودعي المترجمون والفنّانون الذي شاركوا في دبلجة الشّريط، ولولا مسك جهاز الأمن لزمام الأمور، لاتّسعت دائرة المطالبة بالانتقام إلى كلّ من دافع عن حرّيّة التّعبير، وكلّ من أبدى رأيا مخالفا. وقدّ تتسّع دائرة المقّدسات والمحرّمات، بحيث تجتاح جامعتنا حشود أخرى هائجة، تطالب بتحريم تدريس أبي نواس والمعرّي والمتنبّي، وتطالب بمحاكمة الجامعيّين الذين “يمسّون بالمقدّسات”، لأنّهم يدرّسون من “مسّوا بالمقدّسات”.

 

متى نتجاوز الطّرح “البافلوفيّ” لحرّيّة التعبير؟

الكلمة الأخرى التي سادت في وسائل الإعلام هي “الاستفزاز”، استفزاز مشاعر المسلمين. هذه العبارة تدلّ على تصوّر للإنسان لا يحترم فيه ملكة التّفكير والنّقد والمساءلة، ولا يحترم فيه أيّ كثافة ذاتيّة. وكأنّ الإنسان المؤمن يخضع إلى بنية بافلوفيّة : مثير خارجيّ تعقبه استجابة.

ثمّ أين يبدأ الاستفزاز وأين ينتهي؟ فهذا التّصوّر يخضع أيضا لبنية التّوسّع الوسواسيّ : كلّ شيء قابل لأن يكون استفزازيّا لمن يخضع إلى بنية الإثارة فالاستجابة. ألم نشهد من بعض الأوصياء على الدّين اعتداءات على نساء يستحممن في البحر، أو سوّاح يزورون مقام أبي زمعة البلويّ أو غيره من المعالم الأثريّة؟ وقد شهدت بنفسي محاولة اعتداء على امرأة، بررّها المعتدي، بأنّ لباسها “مستفزّ”. أنت مختلف عنّي، أو لا تستجيب لما أراه حلالا وحراما، إذن أنت تستفزّني.

ثمّ أين حرّيّة المعتقد في كلّ هذا؟ ألم تتعهّد كلّ الأطراف المشاركة في اللّعبة السّياسيّة بضمان هذا الحقّ الأساسيّ التي تكفله كلّ المواثيق الدّوليّة وكلّ الدّساتير، بما في ذلك دستور البلاد المعلّق؟ فحتّى لو فرضنا أنّ في الشّريط نقدا للمعتقدات الدّينيّة، أو لتصوّر معيّن للمعتقد الدّينيّ، أليس من باب التّسامح أن نقبل بالمختلف، وأن نقبل بحرّية المعتقد قولا وفعلا؟

التّسامح هو الحدّ الأدنى المطلوب في الحياة الدّيمقراطيّة المتحضّرة، وهو يقتضي تدرّبا على اللاّمبالاة. فأين إعلامنا من تدريب النّاس على احترام الاختلاف وعلى اللاّمبالاة بالاختلاف العقائديّ حتّى وإن كان صادما؟ إن كنت مؤمنا عاقلا، راسخ الإيمان، فتعبير غير المؤمنين عن عقيدتهم لا يمكن أن “يستفزّك”، ولا يمكن أن يكون مسّا بمقدّساتك، وإن كنت مؤمنا تعيش في بلد ديمقراطيّ، فالدّيمقراطيّة كفيلة بأن تحفظ إيمانك أنت وعدم إيمان غيرك بما تؤمن بها، أو إيمان غيرك بما تؤمن به لكن على نحو مختلف. هذا ما تقتضيه أوّليّات حرّيّة المعتقد التي يقرّ بها الجميع، وتخلّ بها أغلب الأطراف في أوّل مناسبة.

فمتى تنهض جميع الأطراف بهذا الحقّ، وتقبل بنتائجه وتبعاته؟ وهل تتعلّم تلفزتنا من أخطائها، وتقدّم إعلاما نزيها يحترم المبادئ والقيم الدّيمقراطيّة؟ أليست الثّورة التّونسيّة نقلة حضاريّة وثقافيّة قبل أن تكون استبدالا لنظام سياسيّ بآخر؟

جريدة “المغرب” التونسيّة 16-10-2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق