قطة سوداء وقطة بيضاء… والنتيجة أسد فضي!

تأتي استضافة المخرج الصربيّ الشهير إمير كوستوريتسا ضيف شرف على مهرجان دمشق السينمائي هذا العام فرصة لتقديم أحد أفلامه الشهيرة؛ ألا وهو “قطة سوداء قطة بيضاء” (وفي الحقيقة الترجمة الحرفية للعنوان هي “قطة سوداء سنّور أبيض”). فالكوميديا الرومنسية التي كتبها كوستوريتسا برفقة غوردان ميهيتش وأخرجها عام 1998 والتي فازت بجائزة الأسد الفضّيّ لأفضل إخراج في مهرجان البندقية 1998 عادت وأكّدت مكانة كوستوريتسا مخرجاً متجدّداً قادراً كلّ مرّة على أخذنا إلى عالمه دون أن نقول… لا لقد كان فيلمه السابق أجمل، ليته لم يقم بهذا!

إنّه من الصعب حقاً أن يصنع المخرج فيلماً ليلحق بفيلم سابق لاقى ما لاقاه “أندرغراوند” و”زمن الغجر” من نجاحٍ منقطع النظير، لأنه لا محالة سيكون محلّ مقارنة بما سبقه… ولا محال أن يتجاوزه، لذلك ما على المخرج سوى أن يصنع فيلماً مختلفاً تماماً عن سابقيه ليتمكّن الجمهور من متابعته “هو” وحده. وهذا ما قام به كوستوريتسا في “قطة سوداء قطة بيضاء” حين حاول الهروب من أجواء “أندرغراوند” الذي حصد سعفة “كان” الذهبية. ليس فيلم “قطة سوداء قطة بيضاء” قطعة فنية نادرة كما هو حال سابقه، إلا أنه دون شكّ فيلم أصيل وجامح ويبثّ الفرح. إنّه تصوير ساحر لعنف حياة نوع مختلف من الغجر ومرحها وصخبها… إنهم الآن يسكنون بيوتاً على ضفاف الدانوب ويضعون القوانين لحضارتهم الخاصة.

” – والداك يراقبانك من السماء.

– لا يمكنهما رؤية شيء، فالسماء ملبّدة بالغيوم !”

هذه هي روح الحوار في الفيلم الذي تتكلّم شخصياته لغات ثلاثا – الرومانية والصربية والبلغارية- وتنتقل بخفّة وكأنّه من البديهيّ أن يفهم المشاهد ما يحدث وأسباب هذا التنقل. وليس تنوّع اللغات هذا إلا جزءاً من التنوّع الذي رسمه كوستوريتسا في هذا الفيلم الهزليّ عن حياة الغجر في مخيمات تتفجر فيها أجيال شخصياته في حياة من الصخب والجنون والفوضى. لذلك على المشاهد ألا يستغرب أن يحافظ عرّاب الخراب وديك المزبلة “جرجا”، والقيصر الحصين الجدّ “زاريجة” – كلاهما في ثمانينات العمر- على صداقتهما “القوية” رغم أنّهما لم يلتقيا منذ 25 سنة!

يعيش ابن زاريجة؛ “مالتو” المهرّب صغير الشأن والمستثمر المتواضع مع ابنه المراهق “تساره” في خرابة على ضفاف الدانوب في الجزء الشرقيّ من صربيا قرب الحدود البلغارية، ويخطّط لشراء مشبوه لقطار كامل من الوقود، لكنه وبهدف الحصول على عربون يمكنه من تسديد الدفعة الأولى يقوم “مالتو” بزيارة لذلك الصديق القديم لوالده: الثريّ الغريب والمقعد “جرجا”. يتحالف “مالتو” لإتمام العملية مع “دادن”: رمز حبّ المتعة وقاطع طريق مدمن محاط بالنساء طيلة الوقت يغشّ في لعب الورق ويتراشق مع أصدقائه بالقنابل مازحاً! والذي بدوره يتحايل ويُفشل الصفقة لصالحه. كما يقرّر”دادن” تزويج أخته العانس والقصيرة إلى ابن “مالتو” ذي السبعة عشرة عاماً. إلا أنّ كلا من العريس والعروس المفروضين على بعضهما البعض يودّ الفرار إلى قدر آخر ينتظره، حتى أنّ موت الجدّ “زاريجة” القصديّ في محاولة لإبطال هذا العرس لا يفشله.

العريس المفترض يحبّ “إيدا” حفيدة صاحبة الحانة في القرية ويريد الزواج بها، والعروس ستهرب في الغابات في سلسلة من المشاهد الغرائبية وكأنها أليس في بلاد العجائب، أو كأنها في أحد مشاهد الأفلام الخيالية! تفرّ من العرس … لا بل من فستان العرس لتختبئ في صندوق وتسير به إلى باب سري (حيث تظهر أوزة بدلاً منها في الصندوق عند فتحه!). وتتسرب كالمياه إلى زورقٍ لا يظهر فيها إلا طرحتها وتصل الغابة السحرية كسندريلا التي تفقد حذاءها الزهري الصغير… مختبئة في جذع شجرة ليراها الأمير الطويل الذي تحلم به وتتسلق على أكتافه مواجهةً أسرتها التي تركض بحثاً عنها!

حكاية سردها اللغويّ يكشف تعقيدها رغم بساطة الأحداث، فالحلول التي تقدمها الشخصيات للعقبات التي تعترضها، أو لتحقيق ما تبغيه، يأتي على أرضية من السريالية التي تجبرنا على التفكير بواقع الحياة هناك أصلاً، كما وتأتي المفارقات المنطقية لتشرح غرابة ما يحدث. وقد أكسبت الصورة الغنية بالتفاصيل والرموز هذه الحكاية أبعاداً خاصة وغذّتها بشيفرات ذات خصوصيات متفاوتة الصعوبة.

وهكذا يمكننا الحديث عن خمس أو ست حبكات تتداخل في الفيلم: من الجريمة والاحتيال إلى الحكايا الرومنسية وانتصار الحب والزيجات التي تفشل في آخر لحظة إلى الانتقام والصداقات التي لا يخربها الزمن! الأجواء الروائية العامة تذكرنا بأجواء فيلليني في ذلك الخلط بين العواطف والسخرية، إلا أن أعمال كوستوريتسا لا تخلو من بصمته الخاصة، والتي لا يمكن اعتبارها بصرية وحسب بقدر ما هي روائية. باختصار؛ هناك حدث ما تقريباً في كل لقطة: حدث مشحون حتى الثمالة بتفاصيل مفرحة ومحزنة. وهذا ما يعدّ بصمة إضافية لأعماله، إنها خليط لا يمكن فصله من التراجيديا والكوميديا محمولة على العنف والمرح ومقدمة إما بشكل مباشر أو كنتيجة محتملة لكل موقف.

يزخر الفيلم بالصور الطريفة التي تتكرر وتعاود الظهور، وهذه الصور تعطي وبشكل غير مباشر بنية معينة تستريح عندها مخيلة المشاهد، إذ يعود به الفيلم إلى مكانٍ يعرفه ويذكره بأنه وعلى الرغم من غرابة ما يحدث وتوتره البصري والسردي إلا أن الأشياء كلها تعود إلى نقطة ثابتة لا تتغير حتى وإن تقدمت الأحداث. من هذه المشاهد تلك التي يظهر فيها الخنزير الظريف يأكل حديد السيارة الصدئ بهدوء ومثابرة لا توقفها أعظم الأحداث. وكذلك ظهور القطتين الاعتباريتين الدائم هنا وهناك… فوق النظام والفوضى وفي الأفراح والأتراح إذ ينتهي المطاف بهما لتكونا الشاهد الوحيد على زواج “تساره” و”إيدا” في قارب! بالإضافة إلى ذلك يأتي هوس الغني المتبطر “جرجا” بالمشهد الأخير من فيلم “كازابلانكا” الشهير: حيث يتقدم الممثلان في ضباب شهير وهما يرددان الجملة الشهيرة: “إنها بداية صداقة جميلة”. والتي يكررها “جرجا” دوماً – والمقصود هنا يكرر عرضها والتعليق عليها- ليقولها نهايةً موجهاً الكلام لصديقه القديم الجد “زاريجة” ليختم بها الفيلم ويعلن بداية صداقة عمرها 25 عاماً! ولتأتي هذه الجملة لتقول أنه ومهما حدث في هذه البقعة من الأرض من غرابة وقسوة إلا أن بقاء الأشخاص مع بعضهم أمر حتمي… الأمر الذي يؤكده اقتتال “مالتو” و”دادن” الأخير في الماء وكأنهما طفلان صغيران يلعبان بخرطوم الماء.. واحد ببزّة رسمية سوداء وواحد ببزّة رسمية بيضاء.. قطة سوداء وقطة بيضاء.

لا يظهر العنوان “قطة سوداء، قطة بيضاء” في الفيلم على الإطلاق وإنما تظهر فقط صورة السيلوليد لكلتا القطتين البيضاء والسوداء معلنة احتمال أن يكون هذا هو العنوان! ولتفتح باب الثنائيات التي ميزت خصوصية هذا الفيلم ورسمت بعداً آخر لرموزه. إنه فيلم عن الثنائيات التي لابد منها ولا مفر.. عن الثنائيات التي لا تنفصل ولا تتعايش ربما. عن حياة الغجر التي يملؤها الشيء وعكسه، وعن تعايش هذه التناقضات وتجاورها دونما مفاجئة. إنه الخير الذي لا ينفصل عن شر وبؤس حياة مخلوط بالمتعة وقسوة حياة لا تخلو من القدرة على الحب الحقيقي. احتيال يصاهر الضعف وقزمة تحلم بأمير طويل… دون أن يأتي الفيلم ليسخر من هذا الحلم.

في الفيلم لا تُقدم الأفكار دون نقيضها ولا تظهر الشخصيات وحدها…حتى الخنزير يصادق سيارة صدئة يلتهمها طيلة الفيلم بحيث تصبح جزءاً من حياته. يقدم الفيلم “مالتو” الأب الذي يحاول دوماً الربح السريع واللعب والمراهنة بما فيها السرقة والمقايضة جنباً إلى جنب مع ابنه الرقيق ذي الـ 17 عاماً والذي نراه بعيداً كل البعد عن هذا النوع من الحياة رغم محاولات الأب توريطه بها. الابن وبكل سذاجته التي نراها يقع في حب النادلة ذات الخمسة وعشرين عاماً والتي تكبره خبرةً إلا أنهما يتشاركان حلماً بالحبّ. و”دادن” و”مالتو” الشريكان المختلفان ببزاتهما البيضاء والسوداء في العرس وكأنهما يكملان بعضهما البعض رغم كل التناقضات والاختلافات إلا أن مصالحهما مشتركة وأهدافهما تتلاقى. بالإضافة أيضاً إلى مرافقي “دادن” الذين يساعدانه في تحقيق أهدافه بطريقتهما المزدوجة وفتاتاه الجميلتان اللتان لا يعدو عالمهما أن يكون سقف سيارة “دادن” التي يقوم بها بكل شيء حتى القمار! الجدة والحفيدة في القرية – أصحاب الحانة- هما المعادل الأنثوي لحياة الأب والابن؛ الجيل الأصغر الحالم بالهروب من الواقع المرسوم بدقة ودون مفاجآت والجيل السابق الذي يعقد الصفقات والزيجات المنفعية. وذلك الثنائي المتناقض من القزمة الصغيرة – أخت “دادن”- التي تُوصف بأنها بطول شفرة جيليت للحلاقة وحلمها في الحب -من أول نظرة- من رجلٍ طويل… الأمر الذي يتحقق بسريالية عندما تقع في حب الشاب الذي لم نجد في الفيلم له غاية أسمى من البحث عن حب حياته ورفيقة روحه! والثنائي الأكثر طرافة هو ذاك الثنائي العجوز الذي يتحدث عن صداقة أثرية لا يمكن تحديد زمنها إن تذكرنا أن الجد”زاريجة” مات في الفيلم ” وهمياً؟” وعاد إلى الحياة. لا يمكن التعامل مع عنصر من عناصر الفيلم دون أن يجرّ هذا العنصر مرادفاً آخر موازياً أو مناقضاً له ليكمله ويسبغ عليه معنى…الأسود والأبيض، وبالتالي كل التدرجات التي بينهما، ولابد أن نصل نهاية للتفكير بالينغ واليانغ، أليس كذلك؟

تعد السلسلة الإيطالية الكوميدية الشهيرة “آلان فورد”، لكل من روبيرتو رافيولا ولوتشيانو سيكي، من أهم مصادر إلهام هذا الفيلم، وقد لاقت هذه السلسلة الساخرة رواجاً خاصاً في يوغسلافيا في ثمانينيات القرن المنصرم. وآلان فورد هو مندوب شركة إعلانية ملعون يتحول إلى عميل سري… نوع من التقليد الساخر لجيمس بوند بمغامرات محمومة ومضحكة! ولم يخفِ الفيلم طبعاً هذا التأثر والإعجاب بتلك السلسلة، لا بل يقدمها معلناً إعجابه بها ونحن نرى أحد مرافقين “دادن” يقرأ هذه الكتيبات كل الوقت: في سيارة الليموزين أثناء اللعب… في المطاردات والمواقف الحرجة، دوماً المجلة بيده! كما أن متابعي المجلة دقيقو الملاحظة يمكنهم أن يرصدوا بشكل مباشر تشابهات بصرية في الشكل الخارجي لبعض شخصيات الفيلم مع أبطال هذه السلسلة بالإضافة إلى تكوينات مشابهة للرسم البصري للمشاهد بما يتطابق أحياناً مع بعض لوحات هذه السلسلة الكوميدية.

تلعب الموسيقى التي ألفتها “أوركسترا ممنوع التدخين” -والتي يعزف فيها كوستوريتسا أيضاً- دوراً هاماً في هذا الفيلم، كما في كل أفلام كوستوريتسا، حتى أن عنوان الفيلم المعتمد أثناء التصوير كان “موسيقى أكروباتية”. إن الموسيقى حاضرة في كل مشهد دون استثناء كما نرى أن الفيلم قد فرز شخصية الجد “زاريجة” لتهب نفسها كليةً للموسيقى: فنراه مع فرقة محلية تعزف له خصيصاً في المشفى وصولاً إلى السوق قرب البحيرة في أحد أكثر المشاهد جمالاً وسريالية، حيث نرى الفرقة مربوطة إلى شجرة بكل آلاتها الضخمة كانت أو الصغيرة تعزف الموسيقى التي يحبها الجد!

وبخصوص الموسيقى يقول كوستوريتسا: “ما حصلنا عليه نهاية هو مزيج من الموسيقى التقليدية والموسيقى الكوبية… موسيقى شعوبية لا يمكن تحديد ماهيتها بدقة، باختصار: موسيقى حرة. إنه أمر طبيعي كون الموسيقى هي الجامع الكلي لكل الأجزاء الأخرى”.

إن جوهر “قطة سوداء وقطة بيضاء”، وخطاب الفيلم المخفي، يتوضع واقع الأمر على ذلك الحد بين السياسة والأنتروبولوجيا محاولاً وبطريقة مدهشة أن يصف الطريقة التي يوجد بها هذا العالم: إنه يوجد كالحيوان الرمي مولداً نفسه بنفسه من كل تلك البقايا المادية أو الثقافية التي خلفتها الحضارات. وصاحب “هل تذكر دوللي بيل” و”عندما كان أبي في العمل” و”أحلام أريزونا” و”زمن الغجر” و”أندر غراوند” و”الحياة معجزة” و”عدني بهذا” ونهاية “مارادونا”؛ كوستوريتسا، الذي وضع اللهاث وراء الدببة والأسود والسعفات الذهبية وراء ظهره، أصبح يمكنه أن ينعم بالتفنن بإخراج أفلام يحبها هو ويستمتع بها دون النظر خارجها، أفلام تقول ما تقوله بطريقتها دون الوقوع في مطب التكرار أو السذاجة…أفلام ينتظرها جمهوره دون أن يخيب ظنهم. وإن تأخر عليهم كوستوريتسا بإنتاج أفلام جديدة يمكنهم الآن ارتياد مطعم اسمه “قطة سوداء قطة بيضاء” في مدينة سانت بطرس بورغ في روسيا؛ مطعم سمي كناية عن الفيلم ويقدم المأكولات الصربية على خلفية شاشة عملاقة تقدم أفلاماً روسية وصربية، وبشكل خاص أفلام كوستوريتسا بموسيقاها الفرحة…!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق