قطط سوداء وأمطار دموية من السماء

عندما كان غورباتشوف يهمّ بطيّ آخر صفحات سلطة ديكتاتورية البروليتاريا، وعند لحظة بدء انهيار المنظومة الاشتراكية، تناقلت وكالات الأنباء خبر هبوط أوّل طبق طائر مجهول الهوية على أراضي الإتحاد السوفييتي وفي روسيا بالتحديد. لكنّ المعروف أنّ الاتحاد السوفييتي وطوال ما يزيد على السبعين عاما من عمره لم يشهد حدثا مماثلا، ولم يهبط على أيّ منطقة من أراضيه الشاسعة أو أراضي حلفائه في المنظومة، أيّ من الأطباق الطائرة. ولم يشهد أيّ حادثة من الحوادث الخارقة للعادة والمتجاوزة لما نعرف عن الطبيعة، ولم يجر أيّ اتّصال بسكّان الكواكب الأخرى!! . فلماذا يا ترى؟

لست هنا في وارد الإجابة على هذا السؤال، بل على العكس تماما، أي لديّ المزيد من الأسئلة. عن أمور لازالت تتحكم بحياتنا بل وبمصائرنا لدرجة كبيرة. فعندما يتراجع العقل لصالح الخرافة بكون الحديث عن الغيب أهمّ من مقاربة عالم الواقع، عندها تنتعش الأساطير ويكون الباب مفتوحا على مصراعيه لنشر الإيمان بها في زوايا العالم الأربع. وهو ما يعيدنا إلى السماء التي تمطر دما سواءً لموت كريشنا الشخصية المركزية في ملحمة الهند الكبرى (المهابهاراتا)، أو لمقتل الإمام الحسين في التراث الشيعي أو في حالات الغضب الإلهي على البشر في مختلف بقاع الأرض! ما قادني إلى تلك الأسئلة هو الكتاب الصادر عن دار المدى للنشر والذي جاء بعنوان(ثلاث عشرة قطة سوداء) وبعنوان فرعيّ هو الإنسان بين الأسطورة والخرافة والخيال وهو من تأليف يوري ديميتريف وترجمة الدكتور إبراهيم استنبولي. وهو كتاب حاول جاهدا وبأسلوب علميّ أن يجيب على أسئلة متعدّدة متداخلة شائكة عن الأساطير والخرافات وأسباب نشوئها وتطوّرها وانتقالها من بلد لآخر، ومن شعب لآخر، والاختلافات الناتجة بسبب اختلاف الظروف والمعطيات والتجارب.

يروي لنا الكتاب خرافة ارتبطت بالفراشات، وهي ظاهرة كانت تسبّب الخوف والقلق عند الناس، وقدّمت لرجال الكنيسة تبريرا كي يزيدوا إيمان الناس بهم. (الحديث هنا عمّا يسمّى “الأمطار الدموية”؛ إنّها ظاهرة غريبة حقا. وهي تترك انطباعا سيئا للغاية، حتى بالنسبة لأولئك الذين يعرفون السبب الحقيقي للظاهرة. فكيف والحديث يجري عن زمن قديم جدا حين كان أسلافنا عاجزين عن تفسير وفهم أبسط الأمور. بالتالي، إن “المطر الدموي” لا بد علامة إلهية تنذر بالكارثة. لم يكن يشك بذلك أحد البتة. وقد كان رجال الكنيسة في القرون الوسطى يولون أهمية كبيرة لظاهرة “الأمطار الدموية” لدرجة أنه كانت تتوجه “لجنة” خاصة مؤلفة من ممثلين رفيعي المستوى للكنيسة، حيث تقوم بالتمحيص الدقيق. وقد كانت النتائج، في الواقع، متشابهة: إمّا أن” الأمطار الدموية” هي عبارة عن “عقاب إلهي” على الخطيئة ” عندها يطلب الغفران”..أو أنها كانت من صنع السحرة والمشعوذين – وعندها كانوا يحرقون عشرة أو أكثر من خدمة الشيطان. لقد تمّ تدوين ” الأمطار الدموية ” في السجلات التاريخية، ويمكننا اليوم أن نتخيّل بدقة الحالة التي كانت تؤدّي إليها “الإشارة الإلهية “، وإليكم حكاية مختصرة عن إحدى حالات “الأمطار الدموية”، التي حدثت منذ 300 سنة في منطقة البلطيق. جاء آلاف المؤمنين من القرى البعيدة والقريبة، تجمّعوا حول الدير وهم يطلبون القمح من الربّ: فقد حدث جفاف في فصل الصيف وكادت تحترق جميع محاصيل الحبوب. فجأة هبّت ريح وتلبدت السماء بالغيوم، وانطلقت صرخات الفرح من أفواه الناس. لكن بعد أن تساقطت أولى قطرات المطر فقد تحوّل الفرح إلى هلع: غطّت وجوه الناس وثيابهم بقع دموية. وبسبب الذعر الذي انتابهم لم ينتبه الناس إلى أنه قد “تلوّثت” ثياب أولئك الذين كانوا تحت الأشجار فقط. راح الناس يركعون رافعين أياديهم إلى السماء ابتهالا وطلبا للرحمة. أقام الفلاحون الصلوات عدة أيام دون أن يغفر الربّ لهم – فالخطايا تبدو عظيمة جدّا. ومع نهاية الصيف كان المحصول قد أتلف بأكمله وأصبح الموت من الجوع يهدّد آلاف الفلاحين.

انتشر خبر “المطر الدموي” ذاك بسرعة البرق ليعمّ جميع أنحاء أوروبا. وكيف لا – فقد خاف الناس ليس من الظاهرة بحدّ ذاتها فقط، بل من نتائجها المتوقعة أيضا. دون أن ينذر الربّ المؤمنين فقد عاقبهم بقسوة. العلاقة هنا واضحة للعيان. فعلا إنّ العلاقة بين الظواهر هنا كانت مباشرة. ولكن ليست تلك العلاقة التي من أجلها قرعت الأجراس وأعلنها الكهنة، والتي بها آمن الناس – فالذنب في “الأمطار الدموية” يقع كله على عاتق الفراشة ” Boyarishnitca ” وهي نوع من الفراشات بأجنحة بيضاء مع عروق سوداء تسبّب الأذى للمزروعات، هذه الفراشة تفرز عند خروجها من الخادرة قطرة صغيرة من سائل أحمر اللون، تجفّ النقطة على ورقة أو غصن شجرة، فإذا كان عدد الفراشات كبيرا جدّا، فإنّ عدد النقط يكون كبيرا جدّا، وفي حال انقطاع المطر لفترة طويلة، تبقى القطرات على الشجر بل يمكنها أن تغطّي الأشجار كلها تقريبا بطبقة سميكة. عندئذ يكفي هطول مطر خفيف لكي تتساقط قطرات حمراء “دموية ” على أولئك الذين يكونون تحت الأشجار. ذاك المطر هو الجزء الأوّل فقط من تراجيديا “الإنذار الإلهي”، أمّا المرحلة الثانية فهي عادة القحط والجوع).

فلا عجب بعد ذلك أن يكون النكوص نحو كلّ ما يفرغ الإنسان من إنجازاته العظيمة، التي راكمها بتضحياته عبر قرون من التطور والتقدم العلمي. مما يمهّد لانتشار الجنون الذي يتجلّى بمختلف الصور من تقديس الخرافات والأساطير حتى آخر مظاهر التطرف والغلو والإرهاب وإلغاء الآخر. يستعرض الكتاب الكثير من الأساطير والخرافات التي نشأت وتطورت لدى مختلف الشعوب، وكيف شكّلت الوعي لفترات زمنية قد تطول أو تقصر، وقد نجدها في بعض الأحيان وقد ارتدت ثوب القداسة بدءًا من أساطير خلق الأرض وخلق الإنسان، مرورا بالطوطمية التي يحدّثنا عنها الكتاب باعتبارها شكلا قديما من الديانات، وهي الاعتقاد بأنّ هذه المجموعة أو تلك من الناس مرتبطة بأواصر قربى مع الحيوانات أو النباتات، وبشكل نادر أيضا مع الجماد. لكن بالتأكيد إلى ذلك الحيوان الذي استوطن أماكن عيش أولئك الناس، الذين كانوا في حياتهم كما لو أنهم في أصلهم يعودون إلى الثعابين والتماسيح. وهكذا نشأت على خلفية الطوطمية الكثير من المعتقدات. مثلا، كان يسود اعتقاد عند الصيادين أنه في حال أكلوا قلب الأسد سيصبحون أقوياء وأشداء كما هو الأسد بالضبط، وإن أكلوا لحم الحيّة فسيمتلكون الحكمة التي كانوا يصفونها بها. ومن هنا ينطلق الكتاب ليعرض ويحلّل ويستنتج للعشرات من القضايا التي لازالت تتحكم بحياة البشر. فيأخذنا في رحلة إلى الماضي البدائي للإنسان وكيف تشكلت الخرافات من خلال علاقته بمحيطه، وبمن يشاركه الحياة في هذا المحيط من حيوانات، وبداية تشكّل وعيه والأسئلة التي فُرض عليه الإجابة عليها أو البحث في الإجابة عليها. ومن الأساطير إلى السحر وعالم الأرواح ووسطاء عالم الأرواح. وقد كان الناس ينظرون إلى الأشخاص المتعاملين مع الأرواح على أنهم أشخاص مميزون. فكانوا يسمّونهم (الشامان) وهم القادرون على الاتصال المباشر مع الأرواح. والشامانيزم( الشامانية) حسب رأي الباحث الروسي ن. ن. خاروزين هي المظهر الأوّلي لرغبة الإنسان في دخول علاقة مع القوى غير الطبيعية. واللافت للنظر هو أنّ تلك القوى هي عبارة عن حيوانات – أرواح. وعليه فإنّ هيبة تلك الحيوانات وعظمتها كانت تحدّد قوة الأشخاص- الشامان. (مثلا لدى أغلبية قبائل الهنود في أميركا الشمالية كان للشامان روح دبّ)، لذلك كان اختصاص الشامان مرتبطا بالروح الراعية. ومن الروح الراعية يأخذنا الكتاب إلى مختلف الآلهة التي ارتبطت بالحيوانات، وارتباطها باللاوعي الجمعي لدى الإنسان، وما يستدعي الخوف أو الاحترام أو التقديس من القطط والعناكب والجعلان وأساطير التفاؤل والتشاؤم وأسبابها والأرقام والمبارك منها والمنحوس، إلى قائمة طويلة من المحذورات والمفضلات من الأفعال مجهولة السبب. كذلك التعامل مع مختلف الحشرات والحيوانات تارة بحبّ واحترام وتقديس، وأخرى بصبّ اللعنات والدعوة لقتلها.

كتاب “ثلاث عشرة قطة سوداء” مليء بالمعلومات التاريخية وبالمعارف العامة – طبيعية، فلكية، جغرافية واجتماعية، وهو محاولة لإزالة الغبار الذي غطّى الروح العلمية التي انتعشت في فترة من الزمن كان فيها الكثير من الناس ينتشون لسماع الجديد من المنجزات العلمية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق