قلم نوح

1

لا أب لهذا الطوفان،
السفينة تتحول إلى طائرة،
 المذبح مثقل بالقرابين والدم هو الهبة الأكثر قبولاً، لن تكون هناك ضفاف تؤمها الملائكة، لن تكون هناك أرض تختلط فوقها دعابات التكوين، شمعة القدر تنطفئ في موعدها، صورة الله تبتعد في الضباب ،ولا جبل يعصمنا من النار.

ذلك غير الطوفان الذي تظنون
في عالم يشبه الطبل .

يحكي مؤرخ الماء عن طوفان بلا مياه، عن إله يهبط على الأرض وبيده عصا، أنظر، أنظر إليه، إنه يمشي كمناحة، هيا أيتها الساحرات، احملْنَ مكانسكنّ، اجمعْنَ أساطير الضواحي، فقد حان وقت إحياء الجماجم والعظام .

يحكي مؤرخ الماء، إيــــــــــــه أيها الطوفان، يا ضيفي الصاخب، هل أعطاك الله خريطة ؟ إذن، دع الأفكار تأخذ مكانها اللائق في المركبة، ما حاجتنا بالمعجزات التي تطرحها المصادفات، ما حاجتنا بالجرار التي تخبئ الأساطير، دع الموت يقدم عروضه الغامضة
إنه وقت اشتعال المياه.

يحكي جثمان معطر بالغيب، سنواتي
سوف أصرفها وأنا أسير بتمهل نحو الينابيع .

يحكي فلكيون وأصحاب طبائع، بما لهم من رؤى، وما فيهم من يقين، وهم يحرقون شجرة دون رماد
ويجرفون النهر الذي يعبره المفتدون .

2

المفتدون الذين انتظروا الضوء، في البحار التي يعبرها الأعمى
لم يلتفتوا إلى الملاك، يعبر المقابر وهو يلهو
ليقترح الطوفان، الحساء الأول للآلهة .

المفتدون الذين ذرفوا الدموع المضيئة للأشياء
لم ينتظروا الهنود يخترعون الصفر
ليجمدوا الطوفان، يعلقونه كوحش مجفف في الأبد
حيث تنتظرهم السماء، الأرض التي سيعودون إليها لاحقاً .

المفتدون الذين وقفوا كمراقب مسحور
بلا درع  ولا عكاز
لم يبصروا المؤرخ يجمع الأزمنة في "معسكر للاعتقال"
ويطلق عليه اسم "التأريخ" .

وعليَّ، أنا الغارق في الكلمة الأخيرة التي سيقولها الظلام
ألاّ أقول : لقد ماتت عروسنا الطبيعة
والحياة هي البقايا التي جُمعّت بمعرفتنا المتأنية .
ألاّ أقول : الطوفان خلع الأرض من عرشها
وجعلها تستجدي عند تقاطع المجرات.
ألاّ أطير بأجنحة خرافية تسمى "الأساطير"
فالغامض وجه صفعة أخرى للفلاسفة .

الذين أبصروا غرقي الظاهر
في مركبة بلا راكب أو هدف
قد يكتشفون قبرا لي، أنا الذي يبني طوفانا حيا 
 طوفان يرقد الآن في قلب الورقة،
سوف أوقظه بكلمات لا تصفه بل تطفو فوقه
( ربما تغوص فيه)
إنها كلمات غواصة
تسمح لنا بالغوص في الأكاذيب.

لنهز مهد الآلهة
تلك التي تلتذ بدسائس الغيب
وتحضر من جديد لنهاية العالم .

3

لا أب لهذا الطوفان
يحكي مؤرخ الماء:- لن يصمد الغراب
توضأ من ماء الطوفان
لبس لباس الطين
أخذ حبة واحدة من المعرفة
بحث في الأرض عن روحه المبعدة المنفية
عانق ترابها وهو يردد :-
يا أخي في الصلصال .

أين هو الإيمان الذي توحي به الصلاة
أنتِ تقفين هناك أيتها الغواية، كشريك محتمل في الظلمة، أو كرفيق يشاركنا الخطيئة،
حيث العدالة الآلهية يجف ماؤها الشافي
ومذابحنا محملة بهداياك، أيها القتل.

حيث الإنسان، قرد الأزمنة الدائم
يستقيم من أجل قطف ثمرة الحياة.

حيث مصائرنا تتبدى الآن شبيهة ببواخر الشحن
تلك التي تضيع دائما، في الأفق الرمادي .

لا نأسف على خداع القداسة
لا نأسف على نفض اليقين
لا نأسف على جنة شاحبة- شاكية
لا نور، لا كافور
وحده الظلام يبارك الشقاء بمصاهرة معصومة.

4

لم يصل جبريل (طاووس الملائكة)، لم يصف صاحب – الكناية بخط الغبار- كيف سقط طائر أبيض على جنازة، كيف انشقت الصخرة تحت أسد بابل، وخرج موت لا يضاهيه موت، موت لا تشيعه قلوب ولا تحف به أرواح، موت شأنه شأن موت متروك نهب ريح، فترتجف الهياكل وتخرج العظام إلى الشوارع، تخرج من المقابر، من البالوعات، من المزابل، تصبح صورة الناس من عظام، امرأة قائمة على تنور من عظام، الخبز في التنور من عظام، صفوف طويلة من الماشين من عظام، الأبنية متشحة بالعظام، واللغة التي تدور الآن كالدراويش من عظام.

اللغة أيضا تلعب لعبة الطوفان، فهي تساير أزرق الحبر أو أزرق الماء، تبحث عن كلمة تصنع سفينة، عن كلمة تركب سفينة، عن شعلة تخوض في البحر، كأنها تقول :- أين هي الكلمة العجبُ التي تضيء الوهم لنلمح سفينة لم نر منها إلا ما يرى في الظلام .

أيةُ لغةٍ، أيةُ كلماتٍ، أيةُ خيبة؟ .
ماذا تفعل لغة توقد نارها من عظام كلمات وكاغد رؤيا ؟.

ربما كان الطوفان أكبر وهم اخترعه الإنسان
ربما كان مجرد دخان ضبابي
ربما كان سديما يتجاذب دقائقه الندم
أو إحدى الألعاب العجيبة للآلهة.

5

سفينة واحدة
بباب واحد
مصحوبة بفأل الطوفان
حاملة انكسار الأقدار وتمزقها
تسرع كخاطرة من شيطان
لترسم موت الأشياء كلها
موت القدر
وموت المصير .

منها ستبدأ الحياة، يالها من مهمة شاقة!.

لماذا أراد الإله أن تبدأ حياتنا من سفينة؟
ألم تكن لديه مجرات وشموس،
نجوم وكواكب وأقمار،
أقواس قزح وملائكة مضيئة ،
وكل ثَمَرَ هذه الأرض
قبل أن تقدم أضاحيها لمأدبة النسور؟.

أدهش، لماذا لم يمنح لنوح غير سفينة تائهة،

تصارع أمواج القتل العالية ،
وهي ترتعش في قلب العالم .

الآن ، ربما نفسر، هذا الخطأ
على أن السفينة كانت أول سمكة
في أحواض الله الزجاجية.

6

في الطوفان، في مجرات تائهة، تغرق أعمارنا
في لغة واهنة، في جسد معطل
في صلواتنا المنتفخة بجيش من القديسين
في سفينة غارقة بطوفان لم يسمع به أحد
في الضياء الذي يأخذ بيد الكلمات
في شجرة لا جذع لها
وهذا الازدراء الذي يحمل نظرة المصير، تغرق أعمارنا.

في لذة مغوية وعيد تنقطع أوصاله
في هذا الحاضر الفظ
في اللايقين وبتاريخ يتأرجح في ظل السؤال
في بلاد رثة الثياب ومنفى بلا زينة
في القوة السحرية للدموع
في رخام جناح جبريل
في هذه القرابين
والقدر الذي لا يقبل الرشوة، تغرق أعمارنا .

في سفينة تنقلب فتصبح طائرة
في موج ينقلب فيصبح نارا.

هل اختلط الأمر على القدر
فاستبدل الماء بالنار والبرق بالطلقات والسفينة بالطائرة ؟ .

7

الله يرمي معجزته الأخيرة
في الطوفان الذي يقدم عروضه الغامضة
في الجبال التي تتقافز خلف القبور
في كف الحياة المنحوتة بمطرقة
في هلاك يتذوق خبز القيامة
ويسمح ببعض التعليقات الساخرة .

بطيش إله يغلق أبوابه
كي نتعلم موعظة الجحيم .

في قيامة الأعمى
حين تضع الحياة البتول
صلوات ومزامير أنبياء
في روحه
وحين تبصره الملائكة
وهو ينسى الموت والأبدية .

في ديكور طوفان
يشدني إلى مياهه
فأقول ما أقول من قول الغلاة
" الله يرمي معجزته الأخيرة".

8

أيها الأب، هذه معجزتك الأخيرة شاحبة
ركز عينيك جيداً على الأرض الغارقة، انظر، انظر عبرها،
دع الجحيم والفردوس ينظران
أهذا نعيمك الموعود للأبرار في ملكوتك ؟
أي مجد باطل، تغري به الإنسان .

هل جئت لتقول كلاماً يهمس كالغبار
وتسوقنا إلى اقتناء الخلاص بذلك النسك المضني
لن ندرب الحياة على تلبية ندائك.

هل جئت لتسهر على النُذُر
وتستعطف الموتى بالعطور والقرابين
السماء لم تعد تستطيع مواساتنا.

أيها الأب، كف عن المداعبة، فنحن مخلوقاتك الصغيرة
وأعمارنا بحجم الخردة
هل تسمع صرخات الرجاء، أيها الأب
لطالما أنشدنا لخلودك المطلق
فلا تتركنا كرماد في أفران المحنة
الموت يمنحنا مظهراً لا يقاس
وسماء كالحة تتوعدنا.

أيها الأب، هذه قرابيننا كاملة، أليس من ثمن لها؟
أيها الأب، لا تشغل نفسك بسماع صوت الأمطار
وهي تهطل بلا توقف
أيها الأب، هل كانت رسالاتك برقيات للتآمر ضدنا؟
أيها الأب، أين ميثاقك ؟
يا أبت
هل كان الغضب شعارك؟
والطوفان شجاعتك؟
كأنك تقول : نعم الصهر هو الموت !.

أيها الأب، بحثنا عن المعجزة، تلك الصدفة النادرة الوقوع
فلم نر سوى حقيبة نوح السوداء
التي حمل بداخلها مذابحنا المستقبلية
تشع بمرارة الأذى والاستعباد
تُرّقع كلماتنا بصلاة لاهثة
علها تكون سبيل عودتنا إلى الفردوس.

أيها الأب، الجالس عند الدفة السماوية
أرجو أن تسدي لي هذه الخدمة
دع كلماتي تأكل حتى الشبع
من شجرة المعرفة .

9

 
ما هي مقاصدك أيها الأب؟
هل توجد يابسة في سمائك للغرقى؟

تلاحقني صيحة جبريل، بكلام
صورته صورة النداء
ويقول لي ذهب الأعياد
هل ركب الشيطان السفينة ؟
وفضة الصيام تقول لي
النائح يعزيه الرماد.
وهواء مشبوه الذمة، يقول لي :
القتل، هو بطاقات الله البريدية لنا
لا يوصلها إلا طوفان
قائم في الهواء
ماء على ماء
لنقرأ خواطر الله وطقوس اغتساله :-
"ذات يوم، أراد الله أن يعمد البشرية كلها في لحظة واحدة، فعمدها بماء طوفانه، صحيح أنه بالغ قليلاً بضربات مياهه، وصحيح أنه أوصى نوحا أن يرشدنا إلى أرصفة مضاءة بشموع النجاة،
لكن ذلك الأناني
لم يفكر
لم يفكر قط
إلا بإنقاذ عائلته " .

صيحة جبريل تلاحقني، بكلام صورته صورة النداء :-
يا اسم " الله" أيها السلاح القوي
أرواحنا الضعيفة لن تزحف تحتك، كن
جديراً بخليقتك الكونية، متعاليا
عن الأمور الإنسانية، مترفعا
عن أفكارنا وآمالنا، غير
مهتم بذنوبنا أو توبتنا.
وأنتِ أيتها الأم المخلصّة العملاقة
يا سفينة الفضاء، خذينا، إلى مملكة السماوات الحقة
فالكون أكثر أناقة مما يخبرنا به الأنبياء
ولم يعد الله ورقتنا الرابحة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق