قناع وما من وجه: حفلات صاخبة من أجل جمال يزيّف الحقيقة / بقلم فاروق يوسف

غالبا ما لا تعجبنا صورنا الفوتوغرافية. نبحث في تلك الصور عن الشخص الذي نعرفه فلا نجده. “آلة التصوير تكذب”، نقول لأنفسنا، كما لو أن آلة التصوير هي التي اخترعت تلك الوجوه التي تظهر مثل أقنعة في الصور. وحين ننظر إلى المرآة نرى صورا لأشخاص يشبهوننا إلى حد ما، غير أنهم ليسوا مثلنا تماما. سيكون علينا دائما أن نبحث في أسرار المسافة التي تفصل بين الوجه والقناع، لنفهم ما الذي يجري من حولنا.

 

فتاة الغيشا تسأل عن سر الموت. واحدة من نائمات كواباتا الجميلات تقفز من الكتاب لتجلس بين يديَّ مثل دمية. تنصت. تصلني حكمتها ويحرجني طيشي. “لا تكفي الصور”، تقول وتضيف: “هؤلاء قتلى وليسوا موتى”. أهدأ لكي استحق احترامها. جانبيا أنظر إليها. كل هذا العناء من أجل فكرة. وجهها قناع. ألمس وجهي بحذر. لم تعد الصور المحشورة بعناية بين الكتب تشبهني. لم أعد أتذكر ذلك الشخص الذي كنته يوما ما. الوجه الذي صرت أرتديه، لا يتذكر هو الآخر. وجهه هو. وجه مَن؟ فتاة الغيشا تترك وجهها في البيت في كل مرة تذهب إلى العمل. لكنني لا أصدّق أنها تستعيد ذلك الوجه نفسه حين تعود إلى البيت. لن يجلس الوجه مكتئبا في انتظارها حتى تعود. له أبخرته التي تعينه على التحليق. له نزواته التي تسمو به على القيام بدور الخادم الأسير. “لقد خذلتني”، سيقولها مرة واحدة ثم يختفي إلى الأبد. ينزع الخادم قبعته السوداء ويلقيها على أقرب كرسي معلنا اعتزاله. “لتحل الآخرة. لا خوف”. ما من طعام ليفسد. ما من زهرة لتذبل. النغم لا يصل. إنه يسعى بطيئا. “لا وقت لدينا”، تضحك الفتاة ساخرة. “صحيح فنحن نقف خارج كل وقت”. ذرة الرمل الضائعة بين الأمواج. الهنيهة التي تفصل بين يدين. صيحة الديك الواقف على سياج هُدم منذ قرون. لن يشعر العثمانيون باليأس. كنا نسهر في خان مرجان ويخيَّل إلينا أننا نسمع صهيل الخيول العثمانية. بعد الطفل ستكون شابا. وبعد الشاب ستكون رجلا. وبعد الرجل ستكون لا شيء. أنت إذاً لا شيء. ستقول المرآة وهي تنظر إليك. المرآة هي الأخرى لا تتذكر. في المرآة مكيدة. لا تؤجل المرآة قراراتها. تفعل ما تراه صائبا لتقلع عين الحقيقة. “المرآة تكذب”: تقع الجملة مثل ماء بارد. جملة نقولها في لحظة خواء. لِمَ لا يكون الوجه هو الذي يكذب؟ فتاة الغيشا تنزع قناعها كلما عادت إلى البيت. تفكر بما لم ترتكبه من الآثام. تندسّ في فراشها لتحلم بالأجزاء التي لم تلمس من جسدها. بريئة كعود ثقاب لم يشتعل. الكذبة كاملة.

 

الجمال كثير ولكن!

 

ليست القوة بريئة. الجمال قوي. قليل لكنه قوي. ما لم نستعمله، يخذلنا ويهزمنا. ولكن من يجرؤ على استعمال الجمال؟ الخوف من الجمال يتسبب بالكرب. لن يقوى أحد على احتواء الجمال والاستيلاء عليه إلا من طريق الخديعة. هل علينا أن نصدّق ما يجري في عالم صناعة الأزياء والعطور والمستحضرات الجمالية؟ التصوير يحتال من أجل أن لا يقول الحقيقة كاملة. هناك صناعة. وهي صناعة لا تنفرد بالشكل وحده، بل تتجاوزه إلى الوعي الذي يسعى الى استلهام ذلك الشكل. نحن نقف إذاً في مواجهة جمال مجاور. جمال يفرض قيمته من خلال معادلات لا تزال غامضة. فما إن تسأل “أين يقيم الجمال؟”، حتى يُرَدّ عليك بما يشبه الصفعة: “ليس في مكان بعينه”، وهو كلام صحيح غير أنه مخاتل. في كل سوق يعجز المرء عن تصفح مجلات الأزياء بعينيه لكثرتها، وهي تتغير كل صباح. هناك ماكينة هائلة تنتج كل لحظة فكرة مغايرة عن جمال لا يراه المرء ميسرا في حياته العادية. هناك جمال مفارق وهو كثير، بعكس ما نعرفه عن قلته. هل صار الجمال كثيرا في عصرنا؟ هوس الاستهلاك لا يقول ذلك تماما. هناك من يهمس في آذاننا بما يشبه الدعوة للقبول بفكرة الجمال الناقص. بمعنى ان الحياة ينقصها الجمال، وما تخترعه دور الأزياء انما يعوّض تلك الحاجة. هو جمال افتراضي يمكنه أن يسدّ فراغا. هناك طبعا من يدّعي ان في إمكانه أن يعيد تعريف الجمال. جمال النساء على الأقل. وهي الفكرة التي لا يستطيع أحد مقاومتها. فكرة تقوم أصلا على غواية المستحيل. فالنساء ماكرات بحسب المعتقدات الشعبية حول العالم، فما هي أحوال من يفكر في اعادة انتاجهن؟ إننا نهوي، ولكن إلى جنة متخيلة. “أحصل على امرأة تكون محط أحلامي وليتبدل الكون”، يقول الرجل كما لو أن تلك الرغبة ستهبه امرأة أحلامه في اللحظة ذاتها. خيلاء المستهلك انبتت اجنحة خرافية لكل من يدفع عربة في الأسواق. “هل رأيتني؟”، يسأل الرجل زوجته وهو يشعر أن كل نساء السوق قد بهرتهن ربطة عنقه الجديدة. “على الموضة”، يقول، ويصحح: “لكنها الموضة التي لم تصل بعد”. ألهذا لم تلتفت إليه إمرأة واحدة؟

 

في حفلة زيف

 

لا احد يفكر في أن ينزع قناعه عن وجهه. فتاة الغيشا وحدها تبحث عن وجهها فلا تجده. هي أفضل منّا. تعرف على الاقل أين تركته. أما نحن فنصرّ على الذهاب إلى أسرّتنا كما لو أن شيئا لم يحدث. نعطل حواسنا المباشرة. فكأننا لم نر ولم نسمع ولم نشم ولم نلمس شيئا. لا غبار في الشارع، لا نفاق في الوظيفة، لا كذب في المقهى، لا خراب في الشارع. يصدمني وجهي العائد إلى البيت بخرائطه التي هي عبارة عن متاهات لا حدود لها. لكنني لا أرى في النوم إلا ذلك الوجه الذي يظهر في الصور، متصالحاً مع هيئته الخالدة. “هل أنا في حاجة إليه؟”، أقول لنفسي وأنا أقصد وجهي القديم. من حق فتاة الغيشا أن تسأل عن الموت. سوف نمرّ جميعا. لن يسأل أحد عن أحد. لن تعوق الأقنعة مرورنا. سيكون علينا دائما أن نفكر بطريقة مختلفة. طريقة تنسجم مع ما انتهينا إليه لا مع ما بدأنا به. ما دامت تلك الوجوه لنا، فعلينا أن ندافع عن حقها في أن تكون موجودة، وهو حق لا نمتلكه إلا افتراضيا. فلا تلك الوجوه لا تزال موجودة ولا نحن قادرون على استعادتها إلا من طريق ما نتذكره منها. نفكر في جمال لم يحن موعده بعد. إنه جمال مؤجل. لكن الجمال من حولنا كثير. كيف حدث ذلك؟ لقد أغرقنا عالم الاستهلاك بأشياء زائفة كثيرة، حتى بتنا نشعر بأن الحقيقة هي الأخرى نوع من الزيف، أو بأن الزيف هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن العثور عليها بيسر. وصل الأمر إلى درجة الشعور بأن الانسان نفسه صار كيانا زائفا.

 

أقنعة السحرة

 

في الفن، وهو أقوى مرجعياتنا، اختفى الانسان منذ عشرات العقود من أجل أن تظهر خبرة خياله البصري. قبل ذلك كانت نساء الرسم جميلات، بما يكفي لصنع نماذج مثالية للمرأة في مختلف احوالها وتجلياتها. من موناليزا دافنشي إلى فتيات موديلياني الناحلات، مرورا بنساء روبنز وديغا ولوتريك ورينوار وبيكاسو وماتيس، وهب الفن الحياة آلهات من طراز عصري. لم تكن الاستعارة قد حلّت يومها ولم يكن القناع ليحلم أن يكون بديلا من الوجه. كانت هناك دائما نساء واقعيات ينتقلن بمحض المصادفة إلى فضاء المتخيل ليكتسبن هالة، هي من مادة الفن السرية التي تُستخرج من مكان مجهول. لم يكن الفنان في حاجة إلى اضفاء أي نوع من الابهة المصطنعة على موديله. كانت إنسانية الجمال وحدها تكفي. امرأة وحيدة تجد نفسها وقد صارت جزءاً من حفلة يقيمها سؤال وجودي، هو أشبه بحارس قادم من الآخرة. كان المعنى يومذاك يلتقط الشكل لينشئ من خلاله اسطورة مجاورة للواقع. ومَن يبحث عن فتيات أفينيون اللواتي رسمهن بيكاسو في لوحته الشهيرة عام 1907 قد لا يجدهن في شوارع المدينة الفرنسية، لكن فشله في العثور عليهن لا يمكن أن يقنعه بالعودة خائبا. سيجلس في اقرب مقهى مؤملا النفس بظهورهن في كل لحظة، كما لو أن الرسم لا يكذب.

بيكاسو نفسه وقع تحت تأثير الأقنعة الافريقية. لكن تلك الأقنعة لم تكن تهدف إلى اخفاء وجه من يستعملها بل لكي تعينه على استحضار قوة السحر التي تنطوي عليها. وهو ما انتتبه اليه الرسام الاسباني ببراعة. يومذاك كانت الفكرة السائدة تنص على أن شكل الإنسان قد استنفد وصار على الرسم أن يبحث عن ذريعة للحديث عن واقع سحري يعيشه الإنسان من غير أن يعيه أو يسيطر عليه. يومذاك حلّ القناع محلّ الوجه ولم يعد الغزل القديم ممكناً. صار لزاماً على الرسّامين أن يذهبوا إلى الوجه من خلال القناع، ولن يكون مهماً بعدها إن وجدوه أو فشلوا في العثور عليه. هل تشعر فتاة الغيشا بالتعاسة حين تكتشف أن الوجه الذي تركته صباحا في البيت اختفى إلى الأبد؟ أشكّ في ذلك.

 

عن ملحق النهار الثقافي 10/7/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق