قوانين تجسد ملكية المرأة للرجل

لم تعد المساحيق قادرةً على إخفاء معالم القهر والضرب التي أصبحت تطال ملامح من وجهها، جعلها تقف مراراً أمام أحد أمرين، إما أن تختبئ متواريةً عن الأنظار، أو أن تبوح بمشكلتها، وأي مشكلة تلك التي لا صدى لها سوى قهقهاتٍ وبضعةُ كلماتٍ تطالبها بالصبر والتحمُّل، سمعتها كثيراً من أمّها وأخواتها إلى أن قررت طرح مشكلتها أمام محاميةٍ لترفع دعوى ضد زوجها.

وهنا باحت (سهام-ص) بما يجري معها دوماً، فهي تتعرض للاغتصاب كل ليلةٍ والمغتصب هو زوجها!.

وضعت المحامية قلمها جانباً وقالت لها: سيدتي أعتذر منك فقضيتك غير واردة في قوانيننا، فأنت قطعةٌ من أملاكه، إنك زوجته يحلّ له أن يفعل بك ما يشاء..والقانون يبيح له ذلك وقدمت لها المادة القانونية (489) التي جاء بها قانون العقوبات السوري والتي تقول: “1-من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل”.

أما المادة (490) فتقول:” يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع”.

وشرحت لها نصوص المادتين، فالعقوبة تطال المغتصب إذا اغتصب غير زوجه بمعنى أن الزوجة يحل له أن يغتصبها، بالقانون، ولو كانت الزوجة لا تستطيع المقاومة لعجزٍ نفسي أو جسدي أو بالخداع، فهو يحل له أن يجامعها.

وخرجت مصطحبةً دموعها بانتظار ليلةٍ أخرى تغتصب بها والقانون متنحياً إلى جانب الزوج صاحب الملك.

وسهام لم تكن المرأة الوحيدة التي تعاني من اغتصاب الزوج بأشكاله المتعددة فتقول (لانا-ك): كنت أعتبر أن من حق زوجي أن يعاشرني متى شاء ولو كان ذلك خارجاً عن رغبتي، فهذا حقه الذي شّرعه الله له، لكن طالما شعرت بالقهر والذل فطريقة الإجبار تلك أبعدتني عن المتعة وعن الشعور بالحب فأصبح الأمر فريضةً، وفي إحدى المّرات رفضتُّ لكنه رماني على السرير واغتصبني اغتصابا وعانيت بعدها أياماً من الكدماتِ التي ترك أثرها هذا الفعل.

أما (ثناء-ع) فقد كان زوجها لا يحبّذ معاشرتها إلا اغتصاباً فهذه كانت تسعده أكثر، وحاولت أن تشتكي على ذلك الفعل فقالوا لها إن هذا الفعل لا يعاقب عليه بالقانون لأنك زوجته، لكن يمكنك أن تشتكي على الضرب إذا أحدث عاهة أو ظهرت معالمه على جسدك.

هذه نماذج من قصصٍ كثيرة تعاني منها العديد من النساء، ففي استبيان قامت به لجنة دعم قضايا المرأة في سورية وزّع على نحو مئة امرأة تبين أن حوالي 39% من النساء يغتصبن من قبل الزوج. وهذا ما أدلت به الجمعية في يوم العنف الواقع على المرأة ما يشكل عنفاً جنسياً. وهو أحد أنواع العنف المرتكب ضد النساء، لكن هذا النوع من العنف يحميه القانون. فاغتصاب الزوجة يجوز بحكم القانون. وبحكم المجتمع بحجة أن الشريعة الإسلامية تعطي الرجل حق الولاية على المرأة لتعتبر جزءاً من أملاكه. وهذا ما ينفيه الشيخ (وليد فليون) الذي يؤكد أن الإسلام بريء من اعتبار المرأة متعة أو متاعا للرجل يحل له أن يفعل بها كما يشاء، لكنه يعترض على استخدام كلمة اغتصاب زوجي لأنه لا يوجد اغتصاب بين الأزواج إنما هو عنف جنسي حيث يقول:”استعمال عبارة الاغتصاب الزوجي غير دقيقة إنما الأصح استخدام لفظ العنف الجنسي”.

أما بالنسبة لمن يقولون أن من حق الزوج أن يعاشر زوجه متى شاء ولو بعيداً عن إرادتها وأن رفضها يعرضها لعقوبة إلهية، فهذا كلام مرفوض فيقول الشيخ فليون: “لا صحة لما ورد في الحديث المنسوب إلى النبي من أن الزوجة إذا دعاها زوجها لممارسة الجنس فامتنعت فإنها تلعنها الملائكة حتى تصبح، ذلك أن اللعن في الشريعة لا يكون إلا بسبب ارتكاب كبيرة من الكبائر كالشرك بالله والقتل فكيف نسوّي بينهما؟!”

ويتابع ليقول: “اعتبر الإسلام زوجة الرجل جزءاً منه (من أنفسكم أزواجاً) وأكد على أن السكينة هي الإطار الصحيح الذي ترسم بداخله علاقة الفراش (لتسكنوا إليها) ولا شك في أنه لا وجود لأدنى تناسب بين العنف والسكينة”. وأكد في حديثه على احترام الإسلام لهذه العلاقة فشرّعها ونظمها بما يحمي الطرفين ويجعلهما بمكانة واحدة. فالإسلام برئ من تهمة التواطؤ مع اعتبار المرأة ملكاً ومتاعاً للرجل.

{{أصوات كثيرة تطالب بحماية المرأة من أشكال العنف}}

كثيرة هي الأصوات التي دافعت عن حق المرأة وضرورة حمايتها من العنف بأشكاله القانوني والنفسي والاجتماعي والجنسي والجسدي، لكن القانون دائماً يقف بالمرصاد فهاهو جامد في مكانه لا يتحرك منذ أكثر من خمسين عاماً في مواضيع كثيرة من ضمنها الاغتصاب، حيث تؤكد الناشطة في قضايا المرأة (سوسن زكزك) أن وجود مادة قانونية تقول من أكره غير زوجه تعطي أن هذا الاغتصاب حق للرجل بالقانون، وهذه تتنافى مع طبيعة العلاقة الزوجية وهي العلاقة الحميمية، وهي لا تحوي اغتصابا أو إكراها، فهو عكس المطلوب والمقصود من العلاقة الزوجية، وانه عنف جنسي يقع على المرأة ورفع الاغتصاب شكل من أشكال تطبيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لأنه عنف جنسي على النساء فهي واردة في الإعلان العالمي الذي صادقت عليه سورية، أما عن طريقة معالجة ذلك فتقول:”يجب وجود قانون عنف أسري ينص صراحة على هذا الموضوع وقانون أسرة يستعيض عن مفهوم (عقد النكاح) إلى (زواج شراكة) بين شريكين متساويين في كل شيء، وهذا العقد الموجود يكرس الاغتصاب الزوجي، لأنه يركّز على مفهوم عقد النكاح خلال ممارسة الجنس بدون إرادتها لأنها من أملاكه، وأحياناً يوجد اغتصاب بشكل آخر وهو أنها تعتبر أن للزوج حقا في أن يمارس معها كيفما ومتى شاء، وهي تقبل إما لأن هذا حقه لمفاهيم خاطئة مكرسة في المجتمع والدين، أو لأنها تريد اتقاء غضبه. وهذا شكل من أشكال الإساءة وعلينا أن نعمل على حماية المرأة، ويمكننا أن نستفيد من تجارب دول أخرى حمت المرأة ويمكنني القول أنه لا توجد أي دولة عربية تعاقب على هذا الفعل”.

وإذاً لازالت قوانيننا تحفظ في طياتها الكثير من التمييز ضد المرأة وكذلك المجتمع، رغم اتفاقية حقوق المرأة (السيداو) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان اللتين صادقت عليهما سورية والعديد من الدول العربية، ومازالت القوانين الموجودة قاصرة عن هذه الاتفاقيات.

فتلك المرأة المنتهكة حريتها وقيمتها الإنسانية لن تستطع أن تبني مجتمعا صحياً، بالإضافة إلى أن ذلك ينتهك حقها كإنسانة ومواطنة، وعلى القانون أن يضمن لها مساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات إن أردنا مجتمعا حرّا ومتطورا.

وفي البيوت قصص وحكايا يقفل عليها بالمزلاج، ونساء لا يجدن ملجأً يحميهن في كنف قانونٍ يعتبرهن ملكاً ناقصات ولاية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق