قوة الشعب أكبر من رجال السلطة في مصر / وائل غنيم

بعد مرورعام على ثورة الـ25 من يناير التي تمكن فيها الشباب المصري من إسقاط نظام سياسي عتيد، يظهر كتاب الناشط وائل غنيم ” ثورة 2.0.. قوة الشعب أكبر من رجال السلطة” ليلقي بمزيد من الضوء على الأسباب التي فجرت هذه الثورة ، فضلا عن عوامل نجاحها.

 

أهمية الكتاب – الذي صدر في الولايات المتحدة في يناير 2012 – تأتي من أن مؤلفه الذي يعمل في شركة جوجل يعتبره البعض مهندس ثورة 25 يناير 2011. فهو المؤسس لصفحة “كلنا خالد سعيد” على موقع الفيس بوك فى صيف 2010، التي أُسست لاستنكار قتل الشاب المصرى “خالد سعيد” بوحشية على أيدي أجهزة الأمن ، والتي تُعد الباكورة التمهيدية لقيام ثورة على القهر والظلم اللذين سادا فى فترة ما قبل ثورة يناير

 

لقد تمكن الشباب المصري – كما يشير غنيم – من استخدام موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) في تحديد موعد الثورة، ودعوة ما يقرب من مليون مصرى للمشاركة فيها، فى مخالفة للأعراف بأن الثورات لا تأتى بموعد أو إعلان مُسبق؛ لينطلق المتظاهرون فى يوم 25 يناير 2011 إلى ميدان التحرير للمطالبة بإنهاء القهر الناجم عن الحكم السلطوى، لتزداد الأعداد المشاركة لتصل الى ملايين المتظاهرين في ميادين مصر الرئيسية للمطالبة بداية بعدالة اجتماعية لخصها شعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، ليتحول الشعار لإسقاط نظام “مبارك” السلطوى.

 

الشرارة الأولى للثورة:

 

تحمل مذكرات وائل غنيم العديد من البدايات الحتمية للثورة، والتي تُعد كلها بدايات مختلفة للثورة، تختلف باختلاف وجهات النظر، وباختلاف ميول القارئ للمذكرات. يفتتحها غنيم بالبداية الأولى الخاصة به، والتي يمكن أن تُعنون بـ “رقم 41″، والذي يعني رقمه في سجن أمن الدولة، عندما تم اعتقاله أثناء ثورة الـ25 من يناير.

 

وعن لحظات اعتقال من قبل قوات أمن الدولة ، يشير غنيم إلى أنه نقل مكبل اليدين مُغطى الرأس، معصوب العينين، حتى وصلوا به إلى وجهتهم؛ ليصف أن ما دار بخلده حينها كان عبارة عن لقطات مفزعة لجثة خالد سعيد، وسيد بلال، وشباب آخرين سقطوا قتلى ومعاقين وفاقدى للبصر، جراء الهجوم عليهم من قبل قوات الأمن، لينتقل بعد ذلك إلى وصف النظام السلطوى الذي تم إسقاطه “بنظام الخوف الذي يخيف معارضيه وكذا يخشاهم”.

 

ويؤكد أن بداية سقوط رمز النظام السابق تمثلت فى إضرابات العمال بالمحلة الكبرى فى السادس من أبريل 2008 ، وهو اليوم الذي شهد أول سقوط لصورة كبيرة للرئيس السابق حسنى مبارك، التي كانت منتشرة بأرجاء المحافظة، ليدلل غنيم على ذلك بأن هذه كانت إحدى بدايات سقوط رمز النظام.

 

ويستطرد غنيم مؤكداً أن هناك بعض الحقائق التي لم تتكشف بعد، خاصة فى الفترة التي تسبق ترشيح عمر سليمان لتولى مهام نائب الرئيس، والذي لم يستمر فيه سوى لأيام معدودة، قبل أن يتم تكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد.

 

البداية الثانية: “البحث عن المُخلص”:

 

قد يفضل القارئ لهذه المذكرات بالبدء بالفصل الخاص بالدكتور/ محمد البرادعى، والمعنون “البحث عن المخلص”، والذي يعد إحدى البدايات المختلفة والحتمية هى الأخرى لقيام الثورة. فقد مثلت عودة البرادعى، المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى مصر بداية بريق أمل لدى الكثيرين بأنه المُخلص من النظام السلطوى عبر دعوته لضرورة التغيير، ومعارضة سيناريو التوريث الذي كان مخططاً له سلفاً من قبل النظام السابق.

 

ويرى غنيم أن عودة البرادعى كانت بمثابة الشرارة الأولى للثورة هى الأخرى. وقد ساعد على ذلك عدم حكمة النظام السابق فى إدارة الأمور، ومهاجمة البرادعى وتصويره بأنه الشخص الذي يريد الفناء والهلاك للشعب المصرى، وليس الشخص الذي يريد الإصلاح، وهو ما ساعد على زيادة شعبيته بين أطياف وفئات مختلفة من الشعب المصرى، لتأتي الرياح بما لا تشتهى السفن، وتكون حملة النظام السابق لتشويه وجه البرادعى بمثابة حملة مجانية لتدعيمه لدى طبقات مختلفة من المجتمع المصرى.

 

البداية الثالثة: صفحة “كلنا خالد سعيد”

 

وتروي المذكرات حادثة خالد سعيد، وكيف قضى نحبه على أيدي قوات أمن الدولة في صيف 2010، بعد تعذيبه بوحشية من قبلها، ثم الحادث الأكثر مأساوية بتفجير “كنيسة القديسين” بالإسكندرية، أثناء احتفالات أعياد الميلاد، والذي أودى بحياة نحو 40 قتيلاً، ووصولا إلى حادث مقتل سيد بلال على أيدي قوات أمن الدولة أيضاً، ليكون هذا الجزء من المذكرات بمثابة قراءة للواقع الأمني ما قبل ثورة 25 يناير، وكيف أن هذه الوقائع الثلاث مثلت أضلاع مثلث القهر والتعذيب والظلم الاجتماعى الناجم عن إطلاق يد قوات الأمن بلا رقيب على المواطنين، لتتحول الشرطة من خدمة الشعب إلى قهره. وليس أدل على ذلك من علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع النظام السابق، والذين قضى معظمهم حياته فى غياهب السجون.

 

تضافرت هذه الأحداث جميعاً لتكون أحد الأسباب الحتمية المؤدية إلى قيام الثورة ضد النظام السابق بهدف إصلاح حال الوطن، وحتمية أن يبدأ هذا الإصلاح بانهاء العلاقة المتردية بين جهاز الشرطة البوليسى والشعب، والذي حاد عن مهمته الأساسية من حماية الوطن إلى قهره وتعذيبه.

 

وأيا كانت نقطة الانطلاق فى تصفح هذه المذكرات، فإنه مذكرات غنيم تدعو القارئ إلى إعادة قراءة الأحداث بصورة أو بأخرى فى ذكرى مرور عام كامل على ثورة 25 يناير، وكيفية تحول الشباب المصرى من المعارضة السلبية إلى الوقوف فى الصفوف الأولى للثورة؛ بعد أن سادت حالة من الاعتقاد بأن الشباب المصرى أصبح شبابا خاملا وضعيفا، نتيجة تأثره بضعف التعليم، وفقدان القدوة والقيادة، وكذا فى ظل وجود إعلام موجه لا يحترم عقول شباب هذا الشعب، ولا قدرته على الوصول إلى مصادر المعلومات عن طريق الشبكة العنكبوتية، بل والتواصل من خلالها، والتي كانت المحرك الأساسى للقيام بالثورة.

 

القوة الزائفة:

 

السؤال البديهى الذي يتوارد إلى الذهن هو: كيف نجحت ثورة 25 يناير؟. تكمن الإجابة على هذا التساؤل عند وائل غنيم فى خواء النظام السابق وقوته الزائفة، فالنظام السابق لم يستعد إلا لقمع المعارضة الجادة التي تمثلت- من وجهة نظره حينذاك- فى الإسلاميين الذين يتمتعون بأرضية واسعة بين أفراد الشعب، من خلال الزج بهم فى غياهب السجون؛ فى محاولة منه لنسيان هؤلاء الأشخاص.

 

كذلك، رفض النظام السابق أن يعمل تحت مظلته شخصيات لها دور يُثنى عليه من الشعب ويقدره، ويأتى على رأس هؤلاء الشخصيات: عبد الحليم أبو غزالة، كمال الجنزورى، وكذا عمرو موسى. فالنظام كان يشوه من يجاسر على الظهور بقوة على الساحة السياسية والاجتماعية والإعلامية. وتمثلت أدواته فى جهاز الشرطة البوليسى القمعى، وكذا فى الإعلام الموجه. وعلى الرغم من هذه الوسائل، فإنها كانت خاوية من القدرة الحقيقية على التأثير، فهى تتبع طريق السيطرة والقمع، ولكن بدون قوة حقيقية.

 

ليؤكد غنيم أنه من هنا تنبع أسباب نجاح الثورة، فالنظام السابق تجاهل ما يُطلق عليه غنيم “تسونامى الرقمى”؛ الذي لو فكروا ملياً فيه، لوجدوا أن الخطر القادم هو من خلال الشبكة العنكبوتية التي واجههتم فيما بعد. فالتنسيق للقيام بالثورة كان من خلال صفحات التواصل الاجتماعى “الفيسبوك”. ولكن لأن أيدى النظام التي تمثلت فى الأمن والإعلام كانت غير قادرة على التفاعل مع التفاعلات الرقمية الحديثة، ولأنها تخلو من القدرة الحقيقية، لم تستطع مجابهة حقيقة أن الخطر القادم هو من خلال هذه التفاعلات الرقمية التي أدت إلى نجاح الوقفات الصامتة على كورنيش الإسكندرية فى صيف 2010 تضامنا مع مقتل خالد سعيد، وصولاً للدعوة العلنية إلى الثورة فى 25 يناير بميدان التحرير، انتهاءاً بتنحى الرئيس السابق عن الحكم.

 

ويؤكد غنيم أنه مثلما كانت التفاعلات الرقمية هى الطريق الممهد والمؤدى إلى الثورة، فإن الشباب كانوا هم الأداة المحركة، والذين كان كثير منهم غير معنى بمباشرة العمل بالسياسة، ولكنهم يملكون العلم والمعرفة، والقدرة، والإرادة التي مكنتهم من التحدى والمجازفة، وتطويع الآليات الحديثة لمرواغة النظام القائم ثم مواجهته.

 

فبعد أن اقتصر المصريون لفترة طويلة على الانخراط فى إبداء الرأى السياسى – ولكن بشكل سلبى – على نظام التعليم، والرعاية الصحية، والأوضاع الاقتصادية، والبطالة، وانتهاكات جهاز الشرطة والرشوة والفساد، استطاعوا تحويل هذا الشغف والاعتراض السلبى الذى كانوا يمارسونه فرادى إلى اعتراض جماعى إيجابى، لتكون الثورة غير المتوقعة التي أنهت حكم مبارك الذي استمر لما يقرب من ثلاثين عاماً، ووأد آمال جمال مبارك فى خلافة والده.

 

“كل فرد بطلاً فى ذاته” بهذه المقولة، ينهى غنيم مذكراته التي وإن تمثلت بالأساس فى كونها رواية شخصية لما حدث، فإن بهذه المذكرات لمحات من تفاصيل وتقييمات شخصية لما حدث على مدى ثمانية عشر يوماً من العمل الجماعى المشترك لدى جموع المصريين المشاركين بهذه الثورة، التي كما فاجأت أصحابها، فاجأت النظام السابق، وأدت إلى سقوطه بالكامل. فالثورة تتصف بالأساس بأنها جماعية فى القيادة، وأدت إلى كسر حاجز الخوف الذى تغلغل بين طبقات الشعب المختلفة.

 

عن مجلة السياسة الدولية القاهرية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق