قوة العقل الديني في تفكيك المجتمعات (2/2)

تكفير التكفير…
 

حين كتب ابن رشد “تهافت التهافت” كان يريد أن يصحّح معنى أقوال فهمت على غير مجراها، ويصحح “انحرافات” فكرية وجدها غير صحيحة “العلة” و”معلولها” خاطئ لدى الإمام الغزالي، لذا يحلو لي تسمية هذا الأتون الذي القينا فيه كوقود مستدام، بـ”تكفير التكفير”، لكن الخوض في شرح ملابساته يطول، مكتفيا بإشارات.
 
دينيا، بالمجمل جميع الأحزاب الدينية العراقية (الشيعية) منذ بدء الصراع العلوي – الأموي، وقود حيويّ لتصدير شعاراتها وللتأثير على الشارع المأخوذ عاطفياً بذلك الصراع، فالمجلس الأعلى الإسلامي العراقي (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق – أيام حقبة الرعاية الإيرانية المباشرة) المتحول إلى طاعة المرجع علي السيستاني بعد الخروج عن طاعة الولي الفقيه الخامنئي، يتخذ من طقوس إحياء عاشوراء، موسما فريدا لتسويق أجندته السياسية، فيما يخص ظاهرة “المشاية” – أي المشي على الأقدام طيلة أسابيع وتحت ظروف جوية قاسية إلى مرقد الحسين بن علي في كربلاء- التي يشارك فيها قادته البارزون ممن يشغلون مناصب عليا في الدولة العراقية، كعادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية السابق، ونواب وأعضاء مجالس محافظات عن التنظيم ذاته، للتدليل على أن “القضية الدينية” هي محور العمل السياسي، فيما نجد أن نهج المجلسيين الابتعاد عن “الفكرة المهدوية” لأنها لا تخدم طبيعة مسعاهم السياسي.
 
حزب شيعي آخر، هو حزب الفضيلة الإسلامي، يفترض بالضرورة الخصومة الحادة مع التاريخ، ويتجه خطابه إلى تكريس نوع من “الفرز الطائفي التاريخي” في التشديد على ضرورة إبراز “قضية فاطمة الزهراء” كقضية محورية في العمل الحزبي اليومي، والخطاب الديني لمرجع الحزب الروحي آية الله العظمى “محمد اليعقوبي”.
 
فالحزب الذي كان متنفذاً ما بين عامي 2005 و 2009 في المحافظات الجنوبية وخصوصا البصرة 3 ، رغم عدم المضيّ سوى عام واحد على تأسيسه!! ، لم يرفع شعار “إحياء مظلومية الزهراء” إلا بعد أن مني بهزيمة مرّة في الانتخابات التشريعية (مجلس النواب) والبلدية (مجالس المحافظات) العام 2010 فخسر نفوذه السياسي والإداري وانفرط عقد أبرز قياداته ومموليه.
 
ولعلّ رفع الحزب لشعار أخذ الثأر من المتعدّين على (فاطمة الزهراء بنت رسول الله محمد الهاشمي) فيها دلالة على أن خسارته كانت انتزاعا قسريا لحقّ من حقوقه، كما انتزعت (ضيعة فدك) من فاطمة!!.
 
ويبرز التساؤل ممّن يريد أن يثأر اليعقوبي وحزبه لفاطمة اليوم ؟! ، وإلى من سيوجّه الحزب سهامه لاستعادة الحقّ المغتصب؟!. في العمل السياسي كل إستراتيجية لها منطلق وتنفيذ فعلي، وفي العمل الحزبي كل شعار هو “أجندة” يتم الاشتغال عليها حتى تتحقق ولو بجزء يسير.
 
لكن من النافل القول بأنّ حزب الفضيلة الإسلامي، يلجأ إلى “العقل الديني المخيف” الآن في حين كان شعاره قبل سنوات “عروبي قومي” !!.
 
وفيما يخص أكثر الفصائل الشيعية رعباً، بوصفها منظومة عقائدية مغلقة ومتعصبة، هي التيار الصدري الذي يرفع من شعار (نصرة المهدي المنتظر) وجناحه المسلّح (جيش المهدي) المتحول الآن إلى (لواء اليوم الموعود) بعد أن تفكّكت أجزائه واقتسمها المموّلون ما بين العصائب والمصائب!!. والذي يتخذ من المرجع الديني الراحل محمد محمد صادق الصدر (المولى المقدس) مرجعا روحيا له.
 
نرى أنّ ابرز الأحزاب السياسية الدينية، تشتغل على عقل ديني مغلق ومنقسم، فهي تتخذ من ثلاثة قضايا رئيسية ومترابطة في المذهب الشيعي أساسا لعملها السياسي، ومن ثلاثة مرجعيات فردانية مراجعا روحية لها وكالآتي :

 


 

وفي العراق، أيضا يبرز قيادي معروف في حزب شيعيّ نافذ، لتكفير كاتب وشاعر عراقي شابّ، لأنه انتقد تسليم مصير الإنسان إلى (القوى الغيبية) وأن يظل منتظراً (لغودو المقدّس). لكنّ ذلك القياديّ العتيد لم ينبس ببنت شفة على فضيحة وكيل المرجع الديني الأعلى علي السيستاني !! مناف الناجي في مدينة العمارة، ومغامراته الجنسية المصوّرة مع “مؤمنات!!” مغرّر بهنّ، ولم تتفتق مخاوف أو لعنات سيد “النجف” على وكيله الناجي، الذي نجا فعلا من العقاب بفضل شفاعة السيد!!.
 
وفي مصر ، نجد أن العقل الديني يبدو أحيانا ساذجاً، وانفعالياً في ردود فعله، حين هوجم رئيس تحرير مجلة الهلال ومجلة أكتوبر السابق المصريتين مجدي الدقاق، واتهم بالكفر والإلحاد، لأنه سخر من طريقة تعاطي العقل الجمعي المصريّ لفكرة “الله الحامي” وتوظيفها في خصومة كروية بين مصر والجزائر، علق الدقاق بالقول: (عمالين تدعو يا رب نفوز، يا رب نفوز .. أهو ربنا بتاعكم طلع جزايري). هل تستوجب مثل هذه الجملة تكفير مثقف، وان يقوّم نواب (الإخوان) أو نواب (الإسلام هو الحل) الدنيا ويقعدوها، كان يفترض أن يدققوا فعلاً، إلى أي طرف انحاز الله بتلك المباراة، فقط حتى يكفوا عن خداع البسطاء من الناس بالحط من قيمة انتمائهم الروحي، واختطافهم إلى منطقة معزولة القيم، تعمل على نسف المعنى الإنساني للحياة ، وتحويلهم إلى ألغام موقوتة قد تنفجر عند أبسط خلاف دنيوي، لتحويله إلى خلاف ديني بتصوير الطرف الآخر بأنه يتجاوز على إيمانهم الشخصي فتكبر بذرة العنف والإرهاب بدواخلهم على أنها دفاع عن مقدسهم العظيم.
 
وفي العراق.. تكفير المثقف بالرصاص الحي، الذي يسلب الروح الحية، ويلقيها جثة هامدة بلا حراك، وكأن عبقرية الموت جاءت حلاً متميزاً لإسكات الصوت الحرّ ضد الخرافة التي تسوقها الأوساط الدينية المتطرفة في العراق، ومثالنا في اغتيال المفكرين العراقيين (كامل شياع) و(قاسم عبد الأمير عجام) والشاعران (احمد ادم) و(رعد مطشر)، ومحاولات إلغاء المثقف المستمرّة عبر العنف الجسدي، وتتتالى المحاولات في تكميم الأفواه، كالحملة التي استهدفت الزميلين أحمد عبد الحسين، وأحمد عبد السادة في جريدة الصباح. فضلا عما تعرضنا له في البصرة برفقة الزميل الشاعر كريم جخيور من محاولة منعنا المشاركة في تظاهرة سلمية لمثقفي البصرة ضد انهيار الخدمات والأمن في البلاد جراء ديكتاتورية الحكم الديني.
 

ظاهرة ابو زيد والعلوي..

 

الفرق بين “نصر حامد أبو زيد” و”هادي العلوي” اللذين مارسا نقداً حرّيفا للسلطة، وبيننا كمثقفين مسؤولين ومسائلين – بحكم الضرورة وبحكم إدعائنا – في خضم أزمة كارثية تقتات من صمتنا وخنوعنا “الأبدي” ، هو أن “أبو زيد” و”العلوي” نظرا للأزمة من الداخل متضامنين مع إنسان القاع المستخدم في قتل الخطاب الوطني الحضاري مدافعين عن حقه في فهم حقيقة مؤسسة الحكم ومؤسسة الدين الخائنة للمستقبل.
 
فيما نقف نحن واهمين باشتغالنا على معارضة ضدية للسلطة والتخلف والخرافة، والحقيقة نحن[طائفيون/ايدلوجيون/متعصبون]، ندافع عن نرجسيتنا الغبيّة وننظر للأزمة من ثقب مصالحنا وامتيازاتنا في مؤسسات السلطة، دون الاكتراث باقترابنا سريعا نحو الصدام بين الماضي المتخلف وحريتنا المسلوبة وبين مستقبل ينظر لنا كمجموعة من الخراف “مثقفة” تساق إلى الحظيرة وهي تعبر عن رفضها فقط بالرغاء لتعيد الكرة كل يوم دون جدوى فداء للوطن المحروق بداخلنا.
 
لامس أبو زيد والعلوي تخوم العقلية البوليسية في إدارة الجمهوريات المحرّمة على مواطنيها في عموم الأرض العربية، عبر طرح عدد من آليات السلطة في قتل مشروع النهضة جماهيرياً في أنها تشتغل على مناخات معقدة من التجهيل والتضليل وقمع التفكير عبر تحريم العقل المنطقي والتبشير بمنطق العقل السطحي الغارق بلقمة العيش.
 
ولعل صدى ذلك نراه بائنا جداً في مستوى الفهم العراقي للأزمة السياسية في أزمة تشكيل الحكومة وأزمة بناء مؤسسات الدولة وتشتت المشروع الثقافي العراقي، فنجد اشتغالا أحادياً جمعياً باتجاه جعل الممارسات المتخلفة ومنطق التديّن الشاذّ وعقلية العشيرة المغلقة الفهم، ثوابت وطنية وتقاليد عريقة، لا يمكن للبلد أن يعبّر عن هويته الحضارية إلا بها!!.

 عبادة النص..

 بدءاً أتساءل هل “الله” يحرم التفكير ؟!! ليضع إزاءه نصاً للتكفير؟!.وإذا ما كان “الله” لا يقبل العقل فكيف به يخاطب “أولي الألباب”، وإن كان الله لا يحترم الكلمة، فكيف يقرّ في كتبه “المنزّلة من عنده” أن في البدء كانت الكلمة؟!.فهل يتجاوز الله قناعاته التي يريد من عبيده الالتزام بها؟!.
 
إن حوارية العقل للعقل يجب أن تقوم على أساس المنطق، فلا يمكن أبداً الاحتكام إلى حوارية منقوصة ومجهزة ومحاطة بالتقديس سلفاً، فبالضرورة أن “الغلبة” ستكون “للمقدس” إزاء نص “المدنس”، فالله المقدس لا يمكن له التسليم بالإنسان المدنسّ، “فالضدان لا يرتفعان معاً” وهذه القاعدة المنطقية مرتكز أساس في فلسفة الأصول وإثبات الألوهة لدى الفرق الإسلامية، لنطل مرة أخرى بتساؤل جديد : كيف يرتضي المقدس أن يُعبد ويقدس من قبل المدنس؟!.
 
فالمدنس على وضاعته لا يمكن أن يضفي ميزة على المقدس ورفعته، فإن كانت العبادة “واجب” بضرورة الخلق (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات/الآية 56، فما الذي يضفيه الله على قداسته ورفعته وربوبيته ووحدانيته من “عبادة منقوصة”، ألا يفترض أن تكون هناك علة عقلية “تزهق الباطل ليظهر الحق”!!.
 
يبدو ان الفقهاء والمتقولين في اللاهوت وأصحاب الصنعة من المتكلمين في الدين، برّروا هذه الإشكالية “بسفسطة كلامية” لا تخضع لمنطق ولا يمكن لعقل أن يحاجج بها، فهم يلجئون إلى الطبيعة وتعقيداتها وخلقة الإنسان وتركيبته في إثبات وجود “الخالق”، ليطل تساؤل آخر: لِمَ لم يتعرف الإنسان البدائي على الله دون رسله وأنبيائه، فراح يجعل من الشمس والقمر والأشجار والأنهار والحجارة واللات والعزى والعجل، الهة يعبدها؟! ولربما يجيب المدافعون الشرسون عن التدين أن الأنبياء حجة الله على عباده، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء) سورة إبراهيم/الآية 4، لكن هذه المرة لم يتبعها “بغير حساب”؟!!.
 
و”السفسطة الكلامية” تأخذ بعدا آخر في التعالي على “العقل” و خداعه، عبر تركيب جملية وكلامية صعبة الفهم، عسيرة الهضم، بسبب تشتت معناها دون الوصول إلى معنى، وان بلغ المعنى فنجده مجرّد وفاض من الروح المقدسة التي تجسد الله.
 
ولما تكون الإلوهية قداسة، وعرفاناً .. مشيئةً وتجبر، فكيف يمكن ان نحل إشكال ما هو بشري تجسد به الإلهي، فالله يشدد في القرآن، على انه شديد العقاب، جبار قهار …الخ من التوصيفات التي تؤكد مدى قوة الله وقسوته على الكافرين به، ألا يبدو ذلك مدعاة للتفكير، فلم الله يحرق البشر بالنار، وهو من يصفهم بالدونية وعدم معرفتهم إياه، إذن الخطيئة التي لا تعتبر خطيئة فلا تستحق العقاب، لأنه “يعلم” ما النفوس وما في السرائر، إذن مبدأ العقاب (هناك!!)، مبدأ مفروغ من غايته، فالعقاب له غايتان أما تقويم المخطئ، أو الانتقام منه.
 
وبالتالي ما دام الله جعل النار في الآخرة، أي إن حاجتها التقويمية انتفت، وبالتالي لم يبق سوى الانتقام، وهو ما لا يمكن لأحد أن يحاجج ببطلانه، فهو من يصف نفسه بـ”المنتقم”.
 
و لعل جميع الفقهاء يقولون إن دلالة الانتقام هنا دلالة رمزية في انتصار الحق على الظلم، فإن صح ما يقول الفقهاء، فقولهم باطل بدلالة أن “الله” هو من يقول إن ما من حق وباطل إلا من لدنه!!.(إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) سورة الإسراء/الآية 16.
 
إذن ما تقر به الآية الصادرة عن الكلمة الأولى في الكون و هو الله، هو ان الفساد وتعني به الآية هنا الظلم، جاء بأمره، لا باعتقادهم، ولا باختيارهم بل باختياره، فكيف إذن يعطي الحق لذاته بمعاقبتهم عن ذنب هو أمرهم به، وكأن الله هنا ينقسم الى ضدين متناقضين يميل احدهما إلى الشر ويميل الآخر إلى الخير، “تنزّه سبحانه عما يصفون”!!.
 
و لعل هذه القراءة تحيلنا بشكل مباشر إلى الآلهة العراقية القديمة وخصوصا انليل الإله العراقي الغاضب دوما، وتحيلنا إلى انكي الإله العراقي الخيّر دوما، وتحيلنا إلى مردوخ الإله العراقي الذي كان أوّل من أقرّ بـ”كن فيكون”، وكأن معتقداتنا اليوم، خرجت من معطف بابل (ارض هاروت وماروت)!!.
 

حرب الكراهية:
 

منذ اعوام ونحن نتشمم رائحة حرب كراهية، تفوح من هنا وهناك، في الوقت الذي ننشغل فيه جميعا بإشكاليتنا المحلية، متناسين الإشكالية الأكبر في أنّ العالم يتّجه نحو أتون حرب دينية مرعبة كالتي شهدها في الحروب الصليبة والغزو الإسلامي، فالسيناريو يستعيد ذاته، تحرّكه دوائر متعددة (دينية وسياسية واقتصادية) لديمومة انقسام العالم واحتقانه.
 

فحركة قسّ فلوريدا بمحاولة حرق القرآن بذكرى 11 سبتمبر، واحتجاجا على بناء مسجد إسلامي بالقرب من نقطة انهيار البرجين (زيرو كراند)، هي واحدة من نقاط تصاعد الكراهية بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي، فمنذ 11 سبتمبر، وملفّ الكراهية يتزايد، ويتراكم، ليصير ادبيات مطبوعة في العقل الكاره والعقل المكروه.
 

ولعلّ أغرب ما يمكن للعقل أن يعجز عن تفسيره، هو سلخ مسيحيي الشرق والعراق، من مواطنيتهم، ولصقهم بمواطنية دينية هشّة، وضخّ أسباب لانفصالهم عن الأرض والوطن قبالة انتمائهم الى مجتمع ديني ينتمون اليه!!.
 

ولعلّ المحرقة المستمرّة في العراق منذ 2003 ، أحرقت جميع مكوّنات الوطن العراقي وأديانه وقومياته، ولم تبخل على أيّ منها بسعارها، لذا المطالبات المريبة من قبل الدوائر الفاتيكانية والبابوية والاوربية بفتح الباب لهجرة مسيحيي العراق بعد جريمة كنيسة سيدة النجاة ودعوة البابا بندكتوس السادس عشر بحماية الاقباط بمصر عقب تفجير كنيسة القديسين بالاسنكدرية، يؤشر على “مؤامرة” دينية في خضمّ التمهيد لحرب الكراهية التي ستندلع في العالم.
 

فما جرى للعراقيين المسيحيين في كنيسة النجاة، هو ذاته مسلسل تكرّر آلاف المرّات منذ 2003 على مواطني العراق من المسلمين، فلم نجد سينودس فاتيكاني انعقد ولا الدول الأوربية فتحت أبوابها ولا نقلت جرحى اليها، هي فقط التزمت بحصص اللجوء المعتادة والمقررة من الامم المتحدة لا غير.
 

“إفراغ الشرق من مسيحييه”، أخطر مشروع في سياق حرب الكراهية، ولربما يمكنني القول أنّ هناك من يساعد ويعمل بجدّية على الامر، إن كان البابا حريصا على عدم ذلك، فعليه أن يدعو المسيحيين الانحياز الى مواطنيتهم المدنية والتمسك بانتمائهم الوطني، لا تطيير المواقف غير المسؤولة في توصيف ارض العراق أو الشرق بأنها أرض معادية لمواطنيها المسيحيين.
 

سيناريو خبيث يتكرر:
 

مذ شنّت الدولة العراقية حملتها ضد مواطنيها اليهود إبان تأسيس اسرائيل عام 1948 حتى صار تواجدهم مقرونا بالخيانة سياسياً، وبالعداوة اجتماعياً، غير أن ذلك لم يكن حقيقيا بالمرة، كانت تلك حركة سياسية للحفاظ على ماء وجه الوزارات ذات النزعة القومية الآخذة بالسقوط حينها مع إعلان فوز الحلفاء ضد ألمانيا النازية، التي كان مبعوثها في العراق يغذّي العداوة ضدّ اليهود العراقيين ليخلق حزبا قوميا نازيا نجح في ان يصدر قانونا لسحب الجنسية العراقية منهم في العام 1951.
 

منذ ذلك الحين تعاظم الضغط على اليهود العراقيين، وتبدلت النظرة الاجتماعية من مواطن شريك إلى عدوّ خائن، فما كان من اليهود العراقيين ومنهم من كان يعيش في البصرة، إلا التخفي والانصهار في بوتقة المجتمع المسلم خشية العقاب أو الطرد من الوطن العراقي على أقل تقدير.
 

يقول مير بصري آخر رئيس للطائفة الموسوية اليهودية في العراق في كتابات نشرت أواخر حياته، أنّ اليهود لم يقدموا على طلب الهجرة من بلدهم الأمّ إلا بعد أن تحوّل العداء من قانون إلى ضغوط اجتماعية كحرق أملاكهم ومتاجرهم، فضلا عن الفرهود عام 1941 ابان انقلاب رشيد عالي الكيلاني، والذي كان الأقسى في البصرة.
 

لكن وقائع كشفت ان ما حدث لليهود في العراق لم يكن مرتبطا بعامل السياسة وحده فحسب، بل الخوف من خطوات التحديث السريعة و ثورة بناء الدولة المؤسساتية دفعت الحكم الملكي العراقي وحكوماته الوقوف ضد المطامح اليهودية العراقية في ذلك، وسنحت للسلطة الفرصة بأعلان اسرائيل لتكون القشة التي قصمت ظهر الولاء للوطن من مواطنيه اليهود.
 

في 26 حزيران 1948 ألف مزاحم الباجه جي الوزارة العراقية، و كان على حد وصف مصادر تاريخية رجل متقلب الاطوار ابعد عن العمل السياسي منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية لميوله القومية، وحين تقلد المنصب عزل اكثر من 11 الف يهودي من الخدمة المدنية في دوائر الدولة فعطلت بعض المصالح الحكومية وموانئ البصرة حينها.غير ان المفجع لليهود العراقيين كان قانون سحب الجنسية العراقية منهم.
 

بعد ان رفض رشيد عالي الكيلاني المؤيد لالمانيا النازية وقتها، شنّ انقلابه ضد الدستورية الملكية دون المساس بها فهرب الوصي ونزلت القوات البريطانية لتنهي عصيان الكيلاني ومن ورائه اربعة من قادة الجيش، كان ذلك في حزيران من العام 1941، حينها انفلت الامن بهرب الملكية واستقالة حكومة الكيلاني وهرب قادة الجيش، فجاء ذلك متزامناً مع عيد النبي يشوع اليهودي، فأشتعلت شرارة ما عرف بالفرهود.
 

كان المتهم الاول وراء تغذية مشاعر الحقد ضد اليهود البعثة الالمانية ببغداد وطيف من السياسيين العراقيين المؤمنين بفكرة النازية كحزب الاستقلال، ومن خلفهم كان مفتي القدس المنفي الى بغداد حينها امين الحسيني يلعب دور المشرع، فيما كانت الاذاعة الالمانية العربية واذاعة بغداد الرسمية تؤجج العداء ضد المواطنين اليهود.
 

قتل في حادثة الفرهود الشهيرة حسب احصاءات الحكومة حينها 110 يهودا ومسلمين بضمنهم 28 إمرأة، فجوبه تقرير الحكومة برفض من رئيس الطائفة اليهودية الذي اعلن عن مقتل 130 يهوديا ومسلما وجرح 450 يهوديا، فشكلت الحكومة بأمر من الوصي عبد الاله لجنة برلمانية تضم توفيق النائب وعبدالله قصاب ومصطفى سعدي صالح واصدرت تقريرها في 8 تموز 1941، لكنها لم تأت بجديد.
 

بعد عشرة أعوام تقود العراق حكومة ترى في اليهود مواطنين غير مؤتمنين على امن وسيادة البلاد، ففي الخامس من شباط 1950 ألف ناجي السويدي وزارة جديدة وأسند حقيبة الداخلية لصالح جبر، فأصدرت بعد شهر في أذار من نفس العام قانون سحب الجنسية العراقية من اليهود الراغبين بالهجرة الى اسرائيل.
 

مضت اشهر طويلة ولم يتقدم بطلب سحب الجنسية من اليهود الا مئات فقط، فضاقت البلاد بهم، اعتداءات بالقنابل وحرق لمتاجرهم و لمصالحهم وسرقة لممتلكاتهم، فأزدحمت مكاتب السفر والهجرة بهم، ليخرجوا من البلاد بجواز سفر صالح للاستخدام مرة واحدة، فيما قضت الوزارة الاخيرة للملكية في العراق برئاسة نوري السعيد على اخر حلم لهم بأسترداد ممتلكاتهم، حين اصدرت قانونا بمصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة.
 

لم يكن اليهود العراقيين داعمين لتأسيس وطن قومي ليهود العالم في اسرائيل، ولم يكونوا راغبين بالهجرة الى هناك، فليس من شيء يربطهم بتلك الارض سوى موسى.
 

بعد هذا العرض التاريخي، لطرد اليهود العراقيين من ارضهم، اود الاشارة، ان السيناريو يتكرر مع المسيحيين العراقيين في طردهم من بلادهم، عبر جرائم يرتكبها ما يعرف بتنظيم دولة العراق الاسلامية الارهابي، ومحاولة ربط القضية العراقية بالقضية المصرية الداخلية في محاولة لالغاء حدود المشكلات الداخلية وجعلها مفتوحة تمهيدا لاطلاق شرارة حرب الكراهية الدينية عبر العالم وهي المرحلة الثانية بعد مرحلة 11 سبتمبر.العقل الديني بالنهاية عقل مخرب وقاتل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق