قُصَّر بلا حماية

لم يعنها يوماً منظر طفل صغير يلمّع حذاء زوجها في الشارع، أو يمسح زجاج سيارته أثناء توقّفها على إشارة المرور، معرّضاً وجوده وحياته برمّتها للخطر. كما لم يعنها أيضاً كلّ ما كانت تراه أو تقرأه من عبارات أو إعلانات لمنع عمالة الأطفال. بل جلّ ما كان يعنيها هو العناية بأطفالها وتدليلهم وتعليمهم، حتى كان يومُ ماطرُ تعرّض فيه زوجها لحادث مميت أودى بحياته وبسيارته وقلب حياتها رأساً على عقب، إذ وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن خمسة أطفال بلا معيل، أكبرهم في المرحلة الإعدادية.

     بادرت فوراً للبحث عن عمل علّها تكفيهم شرّ الحاجة، لكنّ افتقادها للشهادات العلمية والخبرات التقنية المطلوبة لأيّ عمل جعل بحثها بلا فائدة.


    وأمام ضغط الحاجة المادية والاجتماعية، اضطرت للرضوخ والموافقة على قرار ثلاثة من أطفالها بهجر الدراسة والتوجّه للعمل، بحيث يعمل الكبير في معمل وضمن ورديتين متواصلتين، في حين يعمل أخواه خارج أوقات الدراسة في أعمال متقطّعة وضيعة كبيع أوراق اليانصيب في الشارع. يومها فقط بدأت تعي معنى عمل الأطفال وأثره في ضياع مستقبل أبنائها.


    فرغم أنّ عمالة الأطفال ظاهرة اجتماعية قديمة، لها جذورها في الموروث الثقافيّ القديم الذي رأى في الطفل، مشروعا اقتصاديّا منتجا للأهل، أو أنّ العمل ضرورة لا بدّ منها لتنشئة الطفل التنشئة الصحيحة وتعليمه كيفية التعامل مع المحيط الخارجيّ. لكنّ هذه الأمّ باتت تدرك الآن، وبكثير من الألم والحسرة، أنّ عمل فلذات كبدها لا يقتصر على ضياع مستقبلهم العمليّ فحسب، بل يعرّضهم أيضاً لزعزعة استقرارهم النفسيّ والعاطفيّ، بسبب تعرّضهم الدائمً لتوبيخ الكبار وإذلالهم.


    لم تكن حسرتها وقفاً على خسارة أطفالها تفوقّهم الدراسيّ فقط، بل تعدّى ذلك إلى إحساسها بخسارتهم لقيم تربّوا عليها، وأخلاق لم تعد في قاموسهم اليوميّ، بعدما حلّ محلّها عبارات نابية وألفاظ غليظة، تدعمها سلوكيات يومية لم تستطع حيالها أيّ شيء. إنها سلوكيات الشارع الذي يعملون فيه ولغته.


    ومن ثمّ أخذت تسأل نفسها عن أولئك الأطفال الذي يعملون خدماً في المنازل، وهم في الأغلب من الإناث، فإنهم ولا بدّ يعملون بأجر زهيد لساعات طويلة ومتواصلة، وأنهم ربما يتعرضون للإساءة البدنية والتحرش الجنسيّ وحتى الاغتصاب من قبل أصحاب العمل أو من يكبرونهم سنّا، دون أدنى حماية لهم من أيّ نوع كانت. فما هو مستقبلهم؟! وما هي الأسر التي سيؤسّسونها؟!


    ما من شكّ أنّ تطوّر المجتمعات وسيادة النمط الاستهلاكي، أدّيا إلى تطوّر آخر في النظرة إلى مشكلة عمالة الأطفال، بحيث غدت الآن ظاهرة خطرة تهدّد استقرار المجتمعات في العالم، خاصة بعدما ظهرت أشكال متعدّدة ومتنوّعة من استغلال الأطفال في البغاء، أو في الحروب أو في الاتّجار بهم، أو استغلالهم كيدٍ عاملة رخيصة، وكقصَّرٍ غير مدركين للأخطار التي يتعرّضون لها. رغم أنّ المجتمع الدوليّ كان قد تنبه لهذه المشكلة منذ 20 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1959، عندما أصدر أوّل إعلان عالميّ لحقوق الطفل، وقد انطوى هذا الإعلان على أهداف محدّدة لحماية الأطفال، ومنع استغلالهم وتشغيلهم، ومن ثمّ العمل للقضاء على هذه الظاهرة نهائياً، إن أمكن. وإعمال المبدأ التاسع من مبادئ الأمم المتحدة القاضي:

    “ضرورة أن يتمتّع الطفل بالحماية من جميع صور الإهمال والقسوة والاستغلال ويحظر الاتجار به على أية صورة”.


    “ولا يجوز استخدام الطفل قبل بلوغه السنّ الأدنى الملائم”.


    إلا أنه ووفقاً لدراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية عام 2004 ” فعدد الأطفال العاملين على مستوى العالم بلغ 282 مليون و960 ألف طفل في العالم يعملون وسنّهم أقلّ من 14 سنة، أكثرهم من الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما تقلّ عمالة الأطفال نسبيا في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا واليابان. وهذه الأرقام تعني بما لا يدع مجالاً للشك أنّ حوالي 18،5% من الأطفال في العالم يحرمون من طفولتهم ويزجّ بهم في سوق العمل.


    ومن جانب آخر، تؤكّد الدراسة ذاتها، أنه على امتداد العقدين الماضيين أُجبر نحو 4.5 مليون طفل على حمل السلاح في أكثر من 30 دولة، بينها إيران والعراق والسودان. وخلال عقد التسعينات فقط لقي مليونا طفل مصرعهم في ساحات الحرب، وتيتّم مليون طفل آخر، ولحقت إصابات بالغة وإعاقات جسدية بعشرة ملايين طفل، ويعاني ستة ملايين آخرين من أمراض نفسية حادة، كما أنّ أعدادا لا تحصى من الأطفال، خاصة الفتيات، كنّ أهدافا لجرائم الاغتصاب والعنف الجنسي.


    وتشير بعض التقارير العالمية إلى أنّ (8) ملايين طفل من الأطفال العاملين في العالم يمارسون الدعارة والسخرة، وأنّ هناك ما بين 50 إلى 60 مليون طفل يعملون في أعمال خطرة بالنسبة إلى أعمارهم وهشاشة قدراتهم.


    وأوضحت بعض الإحصائيات أنّ عدد العاملين من الأطفال في الوطن العربي يبلغ اثني عشر مليون طفل. لكن عدم وجود إحصائيات دقيقة تدفعنا إلى القول إنّ الرقم أكبر من هذا بكثير.

    إنّ قلق المجتمع الدولي من خطورة هذه الظاهرة دفع بمؤتمر العمل الدولي المنعقد عام 1999، إلى تبنّي اتفاقية القضاء على “أسوأ أشكال العمل الطفلي”، التي تدعو إلى ضرورة القيام بإجراءات مباشرة وفعالة لمنع أسوإ أشكال عمل الأطفال وإزالتها، بما في ذلك التجنيد الإلزاميّ للأطفال والمتاجرة بهم وبيعهم واستخدامهم في البغاء والنشاطات المحظورة كالاتجار بالمخدرات وغير ذلك من الأعمال التي تؤذي صحة الأطفال وأمنهم وأخلاقهم.


    كما بادرت منظمة الأمم المتحدة في أيار/مايو 2002، إلى عقد قمّة الأطفال تحت عنوان”من أجل عالم لائق للأطفال” أصدرت بنهايتها وثيقة مكونة من 21 هدفاً، للعقد الأوّل من الألفية الثالثة، وتنصّ على أربع أولويات: الصحة، التعليم، الحماية من الاستغلال والعنف، ومكافحة مرض الإيدز”. وطالبت هذه القمة الحكومات بتنفيذ خطط عمل تتضمن اعتبار الأطفال في مقدمة الاهتمامات، واستئصال الفقر، ورعاية الأطفال وتعليمهم، وحمايتهم من الحرب والاستغلال، وعدم ترك أي طفل يتخلّف عن ركب التنمية.


    وفي هذا السياق، تشير الدراسات الحديثة- بوضوح- إلى ضرورة بحث أسباب هذه الظاهرة خطورة آثارها، سواء على صعيد الفرد أو على صعيد المجتمع. حيث يؤكّد علماء النفس على أنّ ثمّة سمات سلبية كثيرة ستتّسم بها شخصية الأطفال العاملين، فهم غالباً ما يستحوذ عليهم الشعور بالدونية والحزن نتيجة افتقادهم الحب والحنان والدفء العائلي، ويترافق ذلك مع إحساسهم بغبن المجتمع وظلمه لهم ورفضه إياهم. هذا بالإضافة إلى افتقادهم الإحساس بالثقة والكرامة الإنسانية، وغياب الإحساس بالأمان والحرية،الأمر الذي يدفع بالكثير منهم إلى إدمان المخدرات أو الانحراف والعدوان.


    أسباب هذه الظاهرة وتجلياتها وآفاقها:


    ثمة إجماع على اعتبار الفقر أحد أهم أسباب هذه الظاهرة، فكثيراً ما يعمد الأطفال إلى هجر الدراسة والبحث عن عمل- مهما كان وضيعاً-  لمساعدة الأسرة في تأمين سبل معيشتها، رغم إدراك الأهل لما تتضمنه هذه الخطوة من خسارة أطفالهم فرصة كسب العلم والمعرفة، وبالتالي خسارتهم فرصة عمل أفضل وحياة أكثر احتراماً وأكثر جدوى في المستقبل.

    كما تلعب الحالة التعليمية لدى الأهل دوراً بارزاً في تفاقم هذه الظاهرة وتكريسها. إذ يؤدي الجهل لدى الأبوين وعدم الثقة بمستقبل الدراسة وأهمية الشهادات العلمية، إلى التضحية بتعليم الأطفال ودفعهم دفعاً إلى سوق العمل لتعلم حرفة ما، باعتبارها أكثر جدوى من العلم والشهادات العلمية. بالإضافة إلى هذا وذاك فقد ساهمت الحروب في تفشي ظاهرة عمالة الأطفال نتيجة ما  يستتبع تلك الحروب من أزمات اجتماعية واقتصادية وفكرية. وثمة عامل آخر لا بدّ من الإشارة إليه، ألا وهو آلية النظام التعليمي المتخلف القائم حالياً، والمستند إلى التلقين والحفظ الببغائي، والمستمد استمراريته من اعتماده أساليب القمع والترهيب. الأمر الذي ساهم ويساهم – إلى حدٍ بعيد-  بتسرب الأطفال من المدارس. يعزز ذلك ضعف المساءلة القانونية من قبل الدولة سواء فيما يتعلق بالأهل، أو بأصحاب العمل. وتتجلى خطورة هذه الظاهرة بأنها كفيلة بتحويل المجتمع- بعد حين- إلى مجتمع من الأمييّن والمعاقين فكرياً نتيجة تخلفهم العلمي والتكنولوجي، بالإضافة إلى إعاقاتهم الجسدية الناتجة عن ممارستهم أعمالاً ضارة بالصحة، كالعمل في معامل الدباغة أو معامل تطلق الغازات السامة، أو نتيجة ممارستهم العمل في أماكن قليلة التهوية، أو في أماكن تضرّ بسلامتهم العقلية أو بنيتهم الأخلاقية.


    ثمة تشريعات دولية ومحلية، تنصّ صراحة على منع تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة من العمر لمدّة تزيد عن ستّ ساعات عمل نهارية متضمّنة فترة راحة، كما تحدّد هذه التشريعات شروط عمل أولئك الأطفال، مبينةً الأعمال والأماكن الواجب الامتناع عن تشغيل الأطفال بها، حفاظاً على سلامتهم البدنية والسلوكية وتطوّرهم الفكريّ. إلا أنّ انعدام الرقابة والمساءلة القانونية ضرب بهذه التشريعات عرض الحائط.


     من هنا يمكن القول، أن صياغة قوانين جزائية عقابية محلية، تُنزل بمخالفي قواعد تشغيل الأطفال أقصى العقوبات، أمر في غاية الأهمية لكن الأكثر أهمية هو حسن مراقبة هذه المخالفات وضبطها، دون أن يؤخّر ذلك اعتماد الدولة سياسات وخطط وطنية منسجمة مع التوجهات الدولية، للحدّ من الفقر ودعم الأسر الفقيرة، وتطوير المناهج التعليمية والقائمين عليها، للحدّ من تسرّب الأطفال من المدارس، وإيجاد سبل تشجيعية للأطفال لحثهم على متابعة التعلم، بالإضافة إلى القيام ببرامج توعية مجتمعية، لرفع سوية الوعي المجتمعي والوعي عند الأطفال أنفسهم، وتبيان مخاطر العمل المبكر عليهم وعلى المجتمع برمته. دون أن ننسى ضرورة تعاون جمعيات المجتمع المدني في محاربة هذه الظاهرة، من خلال القيام بحملات توعية لمنع تشغيل الأطفال واستغلالهم وتوفير الحماية القانونية اللازمة للعاملين منهم. 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق