كأنها لم تكن جارتنا دائماً: اكتشاف تركيا عربياً

ليست تركيا بالجار الطارىء للمشرق العربي، ولا حتى بالجار الخامل، فالدور الإقليمي التركي كان على الدوام محورياً في توازنات المنطقة. أما الاهتمام العربي “المشرقي على وجه خاص” بالشأن التركي فهو اهتمام موسمي تزامن حتى الآن مع دخول الإسلاميين الأتراك حلبة المنافسة السياسية، سواء في التجربة القصيرة لحزب الرفاه ومن ثم الفضيلة، أو في التجربة الأكثر نجاحاً لحزب العدالة والتنمية. ثمة عامل إضافي، ربما، هو الاهتمام بالتبعية، فقد جرت العادة على الاهتمام بما يهتم به المركز الأوربي، ومع وصول مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي إلى مراحل متقدمة أصبح ملحّاً اكتشاف ذلك العضو المرشّح، خاصة أنه يأتي من موقع التمايز الديني.

وفي الواقع إن إسلامية تركيا هي أكثر ما يُنظر إليه، أو يُنتظر منه، أوروبياً وعربياً. وعلى نحو أقل مجازية باضطراد، تبدو تركيا بمثابة الشقيق الأكبر الذي يؤمل منه تقديم المثل الجيد للباقين. وبشيء من التعسف نستطيع أن نقارن بين نتائج الدبلوماسية الأوروبية في تركيا، ونتائج التدخل العسكري الأميركي في جارتها العراق، لنتبين حدّين للتغيير، يمثّل فيهما التكيّف الديمقراطي التركي النقيض الأفضل لسيئات محيطه الإسلامي.

عطفاً على ما سبق يحقق فوز حزب العدالة والتنمية رغبةً إقليمية، قد تفوق نسبة منتخبيه في صفوف الأتراك أنفسهم. وإذا استعرضنا المواكبة الإعلامية العربية للانتخابات الأخيرة سنرى نسبة ساحقة من التعاطف مع حزب العدالة، على الرغم من اختلاف المنابر الإعلامية واختلاف مشاربها وغاياتها. وبدا حزب العدالة والتنمية كأنه ينتقم للعرب من أتاتوركية بغيضة لهم، هذا من الناحية القومية. أما من الناحية الدينية فالأمر أكثر وضوحاً ومنطقية، إذ يتوسل الإسلاميون عودة تركيا إلى هويتها الإسلامية. يبقى الحداثيون والعلمانيون، وهم موجودون في وسائل الإعلام العربي بنسبة تفوق كثيراً نسبتهم إلى مجتمعاتهم، والمفارقة أن هؤلاء، باستثناءات قليلة، كانوا من مشجعي حزب العدالة والتنمية، فيما يعكس واقع الحال العربي، أكثر مما يعكس خياراتهم الثقافية المفترضة، وفي دلالة على انزياح هذه الخيارات، وتوسل الحدث التركي كحقل دلالي، أكثر من النظر في حيثياته ومقدماته الداخلية.

على نحو مجرد قدّم المثال التركي مادة للسجال حول علمانية متسلطة وإسلام ديمقراطي، ومن الطبيعي أن البداهة الأخلاقية المعاصرة تحسم الخيار لصالح الديمقراطية، على حساب علمانية “مرذولة”، وعلى الأرجح غير متوخاة عربياً. إسلام سياسي معتدل وديمقراطي، هذا هو العزاء الذي يقدّمه حزب العدالة، وسط محيط من التطرف الإسلامي يبدأ في باكستان وصولاً إلى المغرب العربي. وعلى وجه خاص إنه عزاء بعض الخائبين الحداثيين والعلمانيين الذين يخشون الأصولية الإسلامية في مجتمعاتهم، ويتشبثون بأية بارقة اعتدال يقدّمونها كأنموذج لتلك الأصوليات. وكأن حزب العدالة خاض معركتين في آن واحد، الأولى داخلية ضد علمانية خشبية، والثانية لصالح ناخبيه الإقليميين ضد الإسلام المتشدد.

تقدّم تجربة حزب العدالة السلوى لمن يبحث عن التقاطعات الاجتماعية الإقليمية، فمن الواضح أن الإسلام كهوية وعاء أشمل من القومية التركية، وليس خالياً من الدلالة أن يحصل الحزب على نسبة عالية من الأصوات في المناطق الكردية، وينطبق هذا ظرفياً على الأرمن المتخوفين من التطرف القومي التركي الذي اتخذ أشكالاً عنيفة وتحريضية في الفترة السابقة على الانتخابات. ولأن المجتمعات العربية متعددة في غالبيتها، ولكن مع رجحان الطابع الإسلامي، فهذا يغري بإسقاط الحل التركي الحالي عليها، من دون المرور بمقدّمات التجربة التركية التي تعود إلى حوالي قرن من الافتراق عن الثقافة السائدة في المنطقة. وكأن الخيارين الوحيدين الممكنين هما إما إسلام جهادي قادم من الباكستان أو أفغانستان، أو إسلام معتدل يتم استيراده من التجربة التركية، وهكذا تغيب مساءلة الإسلام السياسي بحدّ ذاته، لصالح انتظار الحلّ منه. يتغير سلم الأولويات، ليتقدمها الإصلاح الديني كضرورة لإصلاح حال المجتمعات، وتتغلب المسألة الثقافية على مجمل الظروف المحيطة بها.

ولأن المقارنة جائزة، بل وضرورية أحياناً، فمن المستغرب أن تتراجع مساءلة الفكر القومي كإيديولوجيا دولة في تركيا، بدءاً من حكم الاتحاد والترقي مروراً بالأتاتوركية، ويتركز الانتباه على الوجه العلماني لتلك الإيديولوجيا. وهذا الاجتزاء المتعمد لدى البعض سيقود إلى النتائج المفترضة مسبقاً، وسيكون من الأسهل فكرياً الانقضاض على علمانية عربية مستضعفة، بدلاً من تفحص الفكر القومي العربي بوصفه سبباً للمدّ الإسلامي اللاحق، مع أن المقاربة الأخيرة أكثر وجاهة، خاصة إذا استرجعنا التجربة البهلوية في إيران والثورة الإسلامية التي تلتها. وربما علينا أيضاً أن نتذكر أن الافتراق العربي/التركي نجم عن بروز الفكر القومي لدى الطرفين، وارتباط هذا الفكر بمسألة الاستقلال، وهنا يكمن أحد الاختلافات عن الإسلام الباكستاني الذي كان عاملاً أساسياً في إيديولوجيا الاستقلال عن الهند.

لقد أدت الإيديولوجيا القومية التركية دورها “التاريخي” في بناء تركيا، إلى الحد الذي أصبحت فيه هذه الإيديولوجيا معيقة لتطور الدولة ولتطلعاتها إلى اندماج أكبر في الاقتصاد العالمي. أما التقدم الأخير للقوميين في الانتخابات فهو تقدّم ظرفي ناجم عن النقمة من عرقلة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وأيضاً عن عمليات حزب العمال الكردستاني. وبالمقارنة فإن الإيديولوجيا القومية العربية وصلت إلى المآل ذاته، ولكن من دون إنجاز الدولة، فقد لعبت هذه الإيديولوجيا دورها التاريخي كإيديولوجيا استقلال، هذا من الناحية العاطفية. أما من الناحية العملية فقد عجزت عن أداء دورها “النهضوي”، وأثبتت فشلها سواء في إقامة الدولة القومية المتوخاة، أو في بناء الدولة الوطنية المعاصرة. ومن هنا يبدو الإسلام السياسي العربي وكأنه يستأنف معركة الاستقلال، أي الدور الذي اضطلع به القوميون سابقاً. وعلى هذا لن يكون من المستغرب أن خطاب الإسلام السياسي العربي أقرب إلى خطاب القوميين الأتراك من خطاب العدالة والتنمية، إذ نجد في الخطابين الأولين معاداة الآخر الخارجي، وتخوين الآخر الداخلي، ما يعكس فوات الخطاب القومي التركي وأزمة الواقع السياسي العربي.

ثمة نموذج لا ينبغي إغفاله في المقارنة وهو النموذج الإيراني، فإخفاقات التجربة البهلوية في إيران تلقي الضوء على نجاح التجربة التركية، ولربما كانت التجربة الإيرانية، بمسارها ومآلاتها، تجربةً وسطاً بين الواقع السياسي التركي والعربي. فبالتزامن مع أتاتورك قام الجنرال محمد رضا بهلوي بتوحيد إيران تحت حكومة مركزية، معتمداً نموذج الدمج القومي مع إطلاق عملية تحديث كبيرة في البلاد، لكن كفاءة النظام البهلوي توقفت عند توحيد البلاد، وأتت تجربة مصدّق في محاولة للتحديث بواسطة الإيديولوجيا الاشتراكية القومية المعهودة آنذاك. والحق إن إجهاض تجربة مصدّق قد قطع المسار الطبيعي لإيران، وأعادها إلى نموذج من الإقطاع السياسي تغلب عليه التبعية المبتذلة لقوى خارجية. لقد أخطأت القوى القومية الإيرانية آنذاك خطأها التاريخي بالتحالف مع الشاه ضد مصدّق، ما مهّد الطريق أمام التيار الإسلامي للانقضاض على الحكم لاحقاً. ويمكننا أن نلاحظ تبدلات التيار الإسلامي الإيراني من إسلام تقليدي محافظ بقيادة أية الله شريعتي الذي شارك في الانقلاب على مصدّق، إلى إسلام “ثوري” استقلالي بقيادة الخميني، كما يمكننا أن نرصد التحاق القوميين الإيرانيين مؤخراً بالحكم كمؤشر على استدراكهم للدور الذي عجزوا عن إنجازه سابقاً. وأن يقود الإسلام الإيراني عملية التحديث، بالمعنى التقني، فهذا هو المقلوب الإسلامي للتحديث الشامل الذي رفعت رايتَه التيارات القومية.

في النموذجين الإيراني والباكستاني تحوّل الإسلام إلى نوع من “قومية”، وهذا ما تذهب إليه أغلب الحركات الإسلامية العربية، في الوقت الذي تُحال فيه التجربة الأتاتوركية إلى التقاعد بعد أن أنجزت مهمتها كاملة. والمؤشر الذي لا ينبغي إهماله هو تراجع الأحزاب التقليدية التركية، بما فيها حزب السعادة الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان، ومن هنا فإن ميزة حزب العدالة والتنمية ليست في إسلاميته، التي بقيت في إطار ثقافي شديد العمومية، بل على العكس من تجربة أربكان، تبدو ميزة حزب العدالة في أنه لم يطرح الإسلام كإيديولوجيا دولة وحكم، وبدا أقرب إلى مفهوم الإدارة المعاصر، وهذا ما افتقده منافسوه. ومع الأسف لقد تحقق هذا فقط بفضل اعتراض العسكر التجاربَ الإسلامية السابقة وهذا ما لا يجب نسيانه، وإذا كان مطلوباً من الجيش التركي الاستقالة من دوره السياسي اليوم فهذه علامة نضج تُحسب للمجتمع السياسي، ولا تلغي الدور “التاريخي” للجيش، مع أنها تسلط الضوء أكثر على السلبيات التي ترافق تدخل العسكر في السياسة.

نعم يقدّم لنا حزب العدالة درساً، لا في الإسلام المعتدل الديمقراطي، ولكن في الإسلام عندما يحكم بأدوات علمانية. وهذه النتيجة تدعو إلى التأمل في آفاق الأنظمة العربية، وخاصة الجمهورية منها. فالأنظمة الملَكية أمامها نموذج مضمون هو الملَكية الدستورية، حيث تضمن الملكية وحدة واستقرار البلاد وديمقراطيتها، ولا تتدخل (تحكم) إلا في حال تعذرت الانتخابات. من هنا فإن الملَكية العربية مرشّحة للقيام بدور الضامن للاستقرار في حالة التحول الديمقراطي، أي الدور الذي اضطلع به الجيش التركي على علاته، وهذا ما تفتقده الأنظمة الجمهورية، حتى وهي تتحول إلى جمهوريات وراثية. وما نذهب إليه هو أن الواقع العربي يتطلب صيغ توازن تحافظ على الدولة أثناء التحول الديمقراطي، فالديمقراطية تنبع من مفهوم الدولة، ولا تكون مقدمة لانتفائها، كما أن الديمقراطية هي وعد بديمقراطية أعمق وأشمل، وهذا الرهان يزداد صعوبة في الواقع العربي إذ يترافق مع استحقاق بناء الدولة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق