كاتو – شوإيتشي… الشعور القومي والإرهاب

الأديب والمفكر الياباني كاتو – شوإيتشي (1919 – 2008) يعرِّف نفسه بأنه “في الجوهر مؤرِّخ أفكار”. على أن هذا الإيجاز لا يفي كاتو – شوإيتشي، الطبيبَ أصلاً، حقَّه. فقد كان، فوق ذلك، فيلسوفاً، وناقداً، وباحثاً، ومدرِّساً، وصحافياً أيضاً. وفي السنوات الأخيرة من عمره كان رئيس تحرير موسوعة اليابان الكبرى.

الأستاذ محمد عضيمة (يعمل في الجامعات اليابانية منذُ سنوات طويلة) يصف هذا العَلَمَ اليابانيَّ بأنه “أحدُ ألمعِ المثقفين اليابانيين المثيرين للجدل”. ولا يخشى كاتو – شوإيتشي من وصف نفسه بـ “الهامشيِّ”، بل ويوضِّح ذلك قائلاً: “ليس مصادفة أن أكون هامشياً! بالعكس، هذا خيار واع وإرادي (…) الهامشيُّة لا تعني الإقصاء”. إذ إن ما يجده كاتو – شي إيتشي إيجابياً في الهامشية هو أن المرء لا يكون خارج المجتمع، بل يظلُّ جزءاً منه، يستطيع تتبُّعَ مساراته، وفهمَه من الداخل، ولكنه يحافظ على مسافة تفصله عن مركز المؤسسة / النظام، مسافةً تمنحه قدرةً على المراقبة، وحريةً نسبية في اختيار زاوية النظر إلى الظواهر والحوادث والأشياء، وتحديد الوجهة، والموضوعِ، والموقفِ الذي يشاء. فهو في حِلٍّ من التنافس مع أحد، أياً كان، وبذلك لا يقع تحت ضغط المنافسة. إنه يرى الأشياء عن بُعْدٍ: “لذلك اخترتُ أن أعيش وأعمل على هامش جميع الدوائر ذات النفوذ والتأثير، وبالطبع ينبغي دفعُ الثمن!”. وما الثمن إلا فقدانُ ما يتمتع به رجال السلطة ومثقفوها الموجودون داخل النظام. ولكنْ، من جهة أخرى، لمّا كان هؤلاء يشكلون جزءاً من النظام، فإنهم لا يستطيعون أن يكونوا موضوعيين دائماً.

والخطر الذي يتوجَّس منه كاتو ـ شوإيتشي هو الإقصاء، دفعه من الهامش إلى خارج المجتمع، أي إبعاده عن المنابع الثمينة التي يستقي منها معلوماته.
من موقع “الهامشي” يلقي هذا المفكر الياباني أضواء كاشفة على جملة من القضايا والمشكلات التي هي، أقلُّه في جانب كبير منها، جزء من هواجسنا ورهاناتنا، نحن أيضاً، أمس واليوم…

بهذا المعنى يكون الحوار الذي أجرته جولي بروك مع كاتو – شوإيتشي (اليابان. رؤية من الداخل. ترجمة وتقديم محمد عضيمة. دمشق، دار التكوين، 2009) بالغ الأهمية للقارئ العربي اليوم. ونحن هنا، إذ لا نستطيع، ولا نريد، أن نلِّخص (= أن نُفسِد) هذا الحوار، نتوقَّف عند نقطتين أساسيتين، من نقاط كثيرة لا تقل أهمية وإنما لا يتَّسع لها المقام، هما، أوَّلاً: الوطنية (أو الشعور القومي)؛ وثانياً، مسألة الإرهاب، ووجوه الترابط بينه وبين الشعور القومي.
يؤسس كاتو- شوإيتشي، من منظور تاريخي مستفيض، على نفي صفة النقاء عن الثقافة اليابانية، بوصفها هجيناً مع الثقافات الصينية والكورية، والغربية… الخ.

وعليه، فإن المشكلاتِ والحروبَ، في رأي كاتو – شوإيتشي، “تبدأ بالظهور عندما يصبح الشعور بالهوية الوطنية قوياً جداً”. ولكنْ، ما المحرِّضات التي تجعل هذا الشعور (النبيلَ في الحدود الطبيعية)، مفرِطََ القوَة (= وَرَماً، مرضاً، هلوسة)؟ إن الفروق بين الدول الغنية والفقيرة (وهو يؤكد أنها ليست فروقاً اقتصادية فقط) تُفضي إلى إحساس بالدونية في البلدان الأقلِّ تطوراً، كما يقول. ولكننا، لكي نتجاوز هذا الشعور بالدونية (في الحقيقة، لتكريسه عقدةً مستعصية، ذاتَ حدَّين)، لا بد لنا من أن نتباهى، من أن نُظهر تفوُّقنا في أي مجال كان، ولو وهْماً، أو كذِباً، أو نكوصاً إلى “ماض لا يعود” (عذرا سلفاً من عبد الكريم غلاب)…

ووَفقاً لهذه العقدة/الهوَسِ بين بلدان متجاورة، كفرنسا وألمانيا في مرحلة تاريخية معلومة، ظهرت وتطورت الرومنسية في ألمانيا القرن التاسع عشر. هذا الربط الـ “شوإيتشيّ” بين تضخم الشعور القومي وظهور الرومنسية يقوم على مبدأ أن شعباً “لا يستطيع امتلاك قيمة في أي مجال آخر” لا بد أن يضع في الصدارة ما يميِّزه، ما يعوِّضه، ما يمنحه الأهمية والفرادة، أي ما يجعله لا نظير له في أعين العالم كلّه (نوعاً من “شعب الله المختار”، أو “خير أمة أُخرِجت للناس”، أو صفاء العرق الآري وتفوُّقه…). هكذا تغدو اللغة الألمانية ضرباً من المقدَّس تحميها الآلهة، وإن تكنِ المقارنة بين جمال اللغات مسألة مستحيلة، بل وعديمة المعنى (بالطبع، “لغة أهل الجنة” خارج، أو فوق المقارنة أصلاً!). ثمة ظلم، لامساواة…، وما من سلاح للرد على الظالم (الأجنبي، المحتل، الناهب…) أفضل من الحجة الثقافية: اللغة والثقافة المكتوبة بها. إنها الخيار الوحيد الذي يبقى للأمم المظلومة في سباقها العالمي، خيار البحث في التقاليد الثقافية عن وسيلة لتعويض النقص في أشكال الإنتاج الأخرى. وهياج هذا الخيار، هذا السلاح الروحي “الذي يفضي في حالاته القصوى إلى الحروب”، يعود بجذوره إلى “الشعور الوطني المكلوم”، وذلك لعدم قدرته على التعاطي مع الآخرين على أسس أكثرَ تكافؤاً وتعادلاً، كما يبيِّن كاتو – شوإيتشي.

ولكنْ، هل أصحابُ هذا التباهي، أدعياءُ التفوق (الألمان واليابانيون في الحوار مع إيتشي)، مقتنعون بتفوقهم حقاً؟ على أن الجواب سؤال أيضاً، ينبع من واقع تكرار لا ينتهي لما يشبه تعويذة: “أنا ياباني، أنتَ ياباني، نحن يابانيون، نشعر أن تلك حقيقة يمكن الإيمان بها طالما يؤمن بها الجميع، وهذا شيء مطمئِن. لكنْ، إذا كنا فعلاً مقتنعين بأننا يابانيون، هل نشعر بحاجة لتأكيد الأمر باستمرار؟ إن مجرد الشعور بالحاجة للكلام حول ذلك يدل على أن هناك شيئاً ما غير أكيد”. هنا تأتي ضرورة اختلاق صفة القداسة لجعلها أساساً للهوية الجماعية، ولكنه أساس مضطرب أصلاً.

هذه التعويذة/الأساس، التي لا يكفُّ معتنقوها عن الندب والردح، هي حاملة الضلال، ومدعاة النفور إذن، منذ أقدم العصور، أقلُّه منذ أبي تمام الطائي القائل:
كذبتمُ، ليس يُزهى من له حَسَبُ ومـــــن لـه نســبٌ عمّـــــن لـه أدبُ
إنــي لــذو عجـبٍ منــكـم أردِّدُه فيكم، وفي عجبي من زهوِكم عجبُ
لجاجـةٌ ليَ فيكـم ليــس يُشـبهها إلا لجــاجتُــكـم في أنكـــم عـــــربُ

وصولاً إلى ( ولا أقول انتهاء بـ) محمود درويش الذي رفض يوماً أن يستجيب لإلحاح جمهور غفير من محبيه في بلد عربي طالبه بقراءة “سجِّل أنا عربي”. فهذه القصيدة كتبت في ظروف أخرى، وجغرافيا أخرى، لتكون صرخةً في وجه محتل يريد إلغاء هويته، وعملياً إلغاء حقه في الوجود…، ولم تكتَب لتكون تعويذة يرتِّلها، كالمهرِّجين، بين محبيه من أهله وأبناء قومه.

الظلم، شهوة السيطرة على ثروات الشعوب ومصيرها، تعميق الفروق بين الشعوب (إذَنْ، تعميق حدة الشعور بالدونية، وبِذلِّ الحاجة أيضاً)، هو ما يجعل المفكر الياباني كاتوـ شوإيتشي ينظر إلى ما يسمَى بالـ “حروب المقدَّسة” بوصفها تجلياً أخيراً “من تجليات اليأس، والإذلال والإكراه”، من جهة، وتعبيراً “عن توسع، أو عن سيطرة حقيقيين، يؤدي إلى استغلال الموارد البشرية أو الطبيعية تحت غطاء الحضارة التي تبدو كغطاء مقدس”، من جهة أخرى.

والحال، فإن شوإيتشي، إذ يؤكد على ضرورة مكافحة الإرهاب، يتساءل عمّا إذا كان يمكن تسمية الحرب مكافحة إرهاب؟ وهو يدعو إلى التفكير بوسيلة فعالة حقاً، بدلاً من القنابل والصواريخ، أي إلى التفكير بأسباب الإرهاب الحقيقية، بنتائج عدم التوازن في العالم بين جنوب فقير، متخلف، مسلوب…، وشمال يكدِّس الثروات على حسابه. فـ “البلدان النامية تعدُّ الحلول الدولية اعتداء أو رغبة في السيطرة عليها، دون أن تكون لديها أية وسيلة للاحتجاج”. هنا يغدو ما يوصف بالإرهاب “تمرداً على الظلم”، وتغدو “حرب الجزائر أيضاً حرباً على الإرهاب” في نظر كاتوـ شوإيتشي الذي يمضي قائلاً: “ما هو صحيح بالنسبة للجزائر، صحيح أيضاً بالنسبة إلى إسرائيل وفلسطين. فإسرائيل متفوقة جداً عسكرياً وإعلامياً(…)، وتتمتع بدعم الولايات المتحدة”.

ثم نقرأ خلاصة رأيه بخصوص إحدى أكثر المسائل الشائكة حساسية وراهنية أيضاً، حين يخاطب جولي بروك قائلاً: “هل تعتقدين أننا نصير انتحاريين بطيبة خاطر، ومن الفرح؟ الانتحار فعل يأس. إننا لا ننتحر إذا كان بمقدورنا أن نجد حلولاً أخرى للخروج من المأزق”.

لكأن هذا الكلام موجَّه مرة أخرى إلى كل من لا يرى في المشهد إلا وجهه العابر، المؤلم والخادع في وقت واحد، لا يميز بين قتلٍ إرهابي (سيّان أقام به فرد أو جماعة أو دولة)، وفعلِ مقاومة عادلة، مشروعة ولا بديل لها (بصرف النظر عن خلفياتها الأيديولوجية، على أهمية عدم إغفالها، أأعجبتنا أم لم تعجبنا).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق