كاسترو … حتى لو تنحّى

فيديل كاسترو خارج السلطة في كوبا! لم يتم ذلك نتيجة ثورة شعبية أطاحت حكومة ورئيسا استبدا بالشعب لعقود طويلة، كما جرت عليه عادة التنظير والتبشير في الأدبيات اليسارية والماركسية التي حمل رايتها كاسترو نفسه طوال العقود الماضية، ولا نتيجة ثورة برتقالية أو مخملية او انتفاضة سلمية قال فيها الشعب كلمته. بل إن عملية انتقال السلطة تمت بشكل خارج عن المألوف في هذا النوع من أنظمة الحزب الواحد التي تختصر أيضاً بالفرد الواحد.

فأن يتم التنحي عن السلطة برسالة تنشرها صحيفة على نحو ما نشرت صحيفة «غرانما» في 18/2/2008 رسالة للرئيس الذي اقترنت كوبا الكاستروية باسمه طيلة النصف الماضي من القرن الماضي والسنوات الأخيرة هو استثناء، ولو مع بعض الملاحظات والآراء فيه في محاولة للبعد عن التبسيط في الرأي حول ما جرى.

فلن يكون من السهل حتى بعد استلام خليفة كاسترو مقاليد الحكم اعتبار كوبا غير مرتهنة ومختصرة ومشخصنة على الأقل اسمياً بفيديل، زعيمها التاريخي، طالما ان الخط الشيوعي أو اليساري الذي تسير عليه كوبا وحزبها الشيوعي الحاكم اخذ الصفة الفكرية (الكاستروية) كأمثاله من التيارات الغيفارية والبوليفارية والماوية والستالينية واللينينية. وهذا نفسه يحيلنا إلى سبب الاستقالة كما ورد في رسالة كاسترو وهو تردي الحالة الصحية له، ما معناه ان بقاءه على قيد الحكم مرتهن ببقائه على قيد الحياة طالما سمحت له صحته الجسدية والذهنية بذلك، كأمثاله من محتكري السلطة في العالم، وليس لأنه من حقوق الشعوب على حكامها ان يضمنوا تبادلاً حراً وديموقراطياً للسلطة بكامل مؤسساتها ومنها مؤسسة الرئاسة، وان تعيش البلاد في ظل تنوع ثقافي وسياسي ونظام ديموقراطي برلماني حر بكل ما للحرية من معاني.

لن يكون محور هذا المقال توجيه الاتهام والمسؤولية لكاسترو عن كل الكوارث الاقتصادية والسياسية التي لحقت بكوبا وإجراء محاكمة له، فهذا شأن التاريخ الذي سيذكر دوماً هذا النوع من الأنظمة الأحادية المستبدة بشعوبها باسم شعارات تقدمية كثيرة، وشأن الشعب الكوبي الذي لايبدو انه سيكون ذا رأي في هذا الموضوع طالما بقي مغيباً سياسياً عن الرأي وصنع القرار في بلده.

بل سنتكلم بالمعنى العام عن فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي وما بعدها والتي كانت حقبة تغيرات سياسية وفكرية عصفت بالعالم في ذروة الحرب الباردة والتي أوصلت قادة ثورات وجنرالات وحملة رايات التحرر في بقاع كثيرة من العالم ومنها عالمنا العربي الذي يدفع الآن ثمن تحول الشعارات التقدمية البراقة مع الزمن والتفرد الطويل بالحكم إلى أنظمة استبدادية وشمولية في صيغة أحزاب واحدة أو أشخاص متفردين بحكم بلادهم وشعوبها باسم قضايا قومية لم تضع الهزائم المتلاحقة حداً لها، بل زادتها تكلساً وجموداً وصنمية، وصار المعيار الأساسي لوطنية هذه الأنظمة وأمثالها في العالم مقدار عدائها لأميركا، الخصم السياسي والإيديولوجي لليسار والفكر القومي في العالم.

وهذا يعني مثلاً ان شعبية كاسترو او أي زعيم مثله كان تزداد بشكل يتناسب طرداً مع محاولات الاغتيال التي كانت تحيكها ضده المخابرات المركزية الأميركية، مهما كانت الحالة السياسية والاقتصادية المتردية وحال الحريات العامة في البلد الذي يحكمه؛ أو بمقدار الهجوم السياسي او العسكري الذي تشنه الولايات المتحدة وحلفاؤها على هذا النظام او ذاك، مما يحيلنا إلى اعتبار صدام حسين مثلاً القائد الوطني العربي الأول بحسب فكر هذا النوع من الأنظمة، وقاموس الاتهامات بالخيانة والعمالة واللاوطنية جاهز لمعارضي هذه الأنظمة ودعاة الديموقراطية والتغيير وحقوق الإنسان.

كاسترو يشكل نموذجاً لأنماط حكم في العالم العربي تشابهه بالجوهر والعام مع فارق شكلي بينته استقالته الأخيرة وهو ان البلاد العربية لم تعرف حالة تنحٍّ او تنازل عن السلطة طوعاً وبملء إرادة الحاكم، ونعني هنا الحاكم المتشبث بهذه السلطة حتى الرمق الأخير من حياته باستثناء ما جرى من تنحي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 مع ما تحتمله هذه الحادثة من احتمالات شك ومصداقية في الطريقة التي تمت بها وأسلوب التفاف الشارع المصري ونزوله في نفس الوقت للمطالبة بعودة الرئيس الى السلطة، أي احتمالات كونها مدبرة ومسبقة الصنع والتخطيط.

وما عدا ذلك تظل سمة هذا النوع من أنظمة الحكم في العالم العربي والعالم الثالث بشكل عام إن في كوريا الشمالية أو كوبا أو ما شابهها حكم الشعوب بالقوة وبشكل متفرد واستبدادي وباسم شعارات باءت بالفشل وذهبت أدراج الرياح، وصارت بحاجة إلى تجديد يتناسب وروح العصر الذي نعيشه ومفاهيمه وأفكاره الجديدة وتطوره، شعارات موروثة من حقبة الحرب الباردة التي انتهت ولم تنته معها أنماط وأنظمة حكم تستعيد النموذج السوفياتي في الحكم، نموذج الحزب الواحد ولجنته المركزية او الأمين العام والحاكم الفعلي على ما كان عليه الحال أيام ستالين الذي صارت توصف وتكنى نظم الحكم الشمولية في العالم باسمه.

هذا ما كانت عليه حال رسالة الزعيم التاريخي والأوحد لكوبا الذي لن يعني تنحيه أبداً حياة ديموقراطية في المدى القريب في كوبا في ظل وجود الحزب الواحد المهيمن وبقاء السلطة سلطة عسكريتاريّة كما كنت أيامه دوماً وهو الذي لبس البزة العسكرية التي صارت الزي التاريخي والوحيد له منذ بدايات ثورته ومعاركه الى جانب تشي غيفارا والآخرين في أميركا الجنوبية ولم يخلعها ربما حتى أثناء كتابته رسالة التنحي والاستقالة.

{نشر في الحياة في 10/3/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق