كتاب (الإسلام وعصر التنوير) لصادق محمد النعيمي

في كتابه (الإسلام وعصر التنوير) يرى د.صادق محمد نعيمي أنّ التوتّر الحادّ، بين الثقافتين الشرقية والغربية، يرجع إلي تراكمات منتج أدبيّ ودينيّ وتوظيف الكنيسة للأيدلوجية في نشر العداء للإسلام بصفته منافسا شرسا للمسيحية، خاصّة أنّ القرآن يحتوي علي رؤية محدّدة للمسيح وللتوراة. وهو توتّر ينتج ثقافة عالمة تحاول التحرّي والاستقصاء من أجل الفهم، وليس من أجل الاحتواء والسيطرة، وهي ثقافة نخبة في توتّر مستمرّ وحادّ مع ثقافة محافظة تستند إلي تراكمات أثمرتها هويّة مجتمع وإلى عواطف دينية من أجل نشر العداء ضدّ الثقافة الجديدة التي تسعي إلى الفهم، ومن بين ما تسعى إلى فهمه: الحضارة الإسلامية. لذا كان موقف مؤرّخ مستنير مثل فولتير، أو مفكّر ثوريّ مثل كوندورسيه حرجا عندما التعرّض للموضوع الإسلامي، بسبب معالجتهما موضوعا درجت الثقافة الغربية على كراهيته وعدائه وتحقيره وتشويهه لأسباب دينية سياسية، سعيا إلى بثّ منظومة عقلانية تعلي من شأن الإنسان وتجعله فاعلا في هذا الكون وليس ضحية قدر إلهي.


ظهر هذا العمل في باريس باللغة الفرنسية تحت نفس العنوان سنة 2003، وقد قام المؤلف بإعادة كتابته بالعربية آملا أن يثير حوارا فكريا حول بعض القضايا المسكوت عنها، ولعلّه يقدّم مثالا معنويا – قبل أن يكون فكريا – لأولئك المتطلّعين لهوية جديدة لمجتمعنا، تنفض عنه ركام الاستبداد والترهل والرجعية التي لوّثت الكثير، حتى نيلُنا الخالد لوّثوا مياهه وخنقوه بخرسانات عديمة الذوق مما حرم الناس منه، كما لوّثوا عقول أغلبية بشرنا بمناهج غثّة تفسد أكثر مما تصلح. لعلّ الراغبين في إنتاج معرفة تحترم العقل والذات يجدون فيه سلوى، خاصّة أنهم يعملون وسط ركام يعيد إنتاج معرفة تجاوزها الزمن بمراحل كما هو الحال في مدارسنا وجامعاتنا، ونظرا لطبيعة موضوع الكتاب فإنّ الفصول الأوّل والثاني والثالث، يغلب عليها الجانب التقني اللغوي، في حين تسير الفصول الأخرى في دروب تاريخ الفكر.

ويرى د.نعيمي أنّه كان يودّ أن يكون العنوان “الإسلام وعصر الأنوار” على اعتبار أنّ “الأنوار” أصوب من وجهة نظره، ولكنه آثر “التنوير” لشيوعها ويقول: يرجع مسمّى عصر الأنوار، أي القرن الثامن عشر، إلى محاولة الإجابة عن السؤال: من أين يأتي النور الذي يعرف المرء به الخير من الشرّ ويرشده إلي الصواب والأخلاق؟ كان الفكر التقليدي المتراكم من العصور الوسطى والمدعوم من الملكيات الحاكمة ومن الطبقتين المميّزتين (النبلاء ورجال الدين) يرى أنّ الوحي هو مصدر النور الذي يهدي الإنسان في هذه الحياة، في حين أنّ اتجاها فكريا، نابعا خصوصا من أبناء الطبقة البرجوازية الناشئة، بدأ في بثّ آراء ترى أنّ العقل هو الأساس الذي ينبغي للمرء أن يتبعه لمعرفة الخير من الشرّ، ولتحديد مفهوم الأخلاق. كان التيّار الأوّل هو الغالب، بحكم أنّه يستمدّ قوّته من السلطتين الزمنية الحاكمة والروحية الدينية، بسبب توافق مصلحتهما مع هذا الرأي الذي يرى في الدين المصدر الوحيد للأخلاق، ولمعرفة الحسن من السيّئ. وكان التيّار التنويريّ، كما سوف يطلق عليه لاحقا، يبحث عن رؤى جديدة للكون وللعالم وللدين وللأخلاق يحاول أن يجد له طريق وسط هذه السلطة الطاغية لعادات وتقاليد أنتجتها الثقافة الموروثة وجعلت من موافقتها أو من مخالفتها معيارا للصواب والخطأ.


كان لكلّ من التيارين منتجه من آداب وفنون، يسعى الاتّجاه الأوّل لتكريس الوضع القائم من قبل أصحاب السلطتين السياسية الدينية، والثاني يأمل في إيجاد عالم بديل للخروج من عادات وتقاليد بالية ارتكس فيها الغرب بسبب تحالف الإقطاع مع الكنيسة الكاثوليكية، ولتحرير النفس الأوربية من أزمة الضمير على حد تعبير بول أزار، أزمة ناشئة عن التعارض بين الموروث والجديد بين رؤى قروسطية للحياة وللأخلاق وللكون وللدين وللإنسان، وبين تطلّع لاحترام العقل ومعطياته. بدأ التيار الأخير ضعيفا مضطهدا لأنّ ثمّة أصحاب مصالح يوظفون المورث والتقاليد لاستمرارية مصالحهم، ولكنّه كان كلّ يوم يكتسب أتباعا جددا راغبين في أن ينفضوا عن أنفسهم وعن عقولهم غبار التقاليد الجاثمة على أرواحهم دون أن يجدوا مبرّرا واحدا للحفاظ عليها سوى مصالح الحكام وأتباعهم من رجال الدين الذين يسيطرون علي العامة. كانت نسبتهم في مطلع القرن الثامن عشر حوالي 80% من خلال نشر ثقافة الخوف من السلطة ونشر ثقافة دينية تربّي التبعية والخنوع للحاكم باسم الدين، ولذا نجد أنّ من أهمّ الإبداعات الأدبية في عصر التنوير مسرحيتان، تستعرضان في قالب تراجيدي أنّ الدين مسألة جغرافية، وأنّه مسألة نسبية الأولى هي زايير1732 لفولتير (1694 –1778 ) والثانية “ناتان الحكيم والخواتم الثلاثة” (1779) للسينج (1729-1781) وكما كان الآخر المسلم يستخدم في تأكيد نسبية الدين والأخلاق في هاتين المسرحيتين، فإنّ العالم الإسلامي كان يستحضرـ لنقد مؤسّسات المجتمع الأوربي التي عفا عليها الزمن من وجهة نظر العقلانيين الذين سوف يوصفون بالفلاسفة كما هو الحال في الرسائل الفارسية 1721 لمونتسكيو وفي مقالات عديدة في موسوعة ديدرو ودالمبير وروايات فولتير وأعماله الفلسفية والتاريخية وأعمال نيقولا فريريه وبولانفلييه وبولانجيه وماركيز دو ساد ـ على نحو يتعرّض له هذا الكتاب بالتفصيل. بمعنى آخر أنّ حضور المسلم ومجتمعه في أدب القرن الثامن عشر، وخصوصا الفرنسي منه، هو موضوع هذه الصفحات التي حاولت فيها أن أكون علميا متخصّصا قدر الإمكان مع وضعي في الاعتبار، أن هذا الكتاب موجّه إلى الطبقة المثقفة في العالم العربي الراغبة في التعرف على كيفية معالجة كبار فلاسفة وأدباء عصر التنوير للإسلام كمنتج ثقافي وعقدي وحضاريّ.

وإذا كان البحث في تاريخ الفكر قد ألزم المؤلف منهجيته بتفريد المراحل والفترات، فإنه قد دفعه أيضا إلي التمييز بين أديب أو مفكّر وآخر، بل هناك اقتضاء بتفريد فكر الفيلسوف الواحد وعدم أخذ خطابه كوحدة واحدة والتدقيق في تاريخة كل فكرة، ولذا كان من الصعب ذكر موقف محدّد لفلسفة الأنوار تجاه الدين الإسلامي أو تجاه نبيه أو تجاه مجتمعه وحضارته. فكلّ أديب في ذلك العصر كانت له وجهة نظر مختلفة، وإن تقاربت مع أدباء آخرين، بل قد نجد لدى الكاتب الواحد توتّرا فكريا فيما يخص هذا الموضوع، توتّر يرجع إلى استمرارية التأثير للثقافة الكلاسيكية اللاتينية رغم الرغبة الجامحة لعقل المفكر في الخروج من هذه الثقافة. ولكن إذا وجدنا تعاطفا بصفة عامّة مع الإسلام، فهذا لا يرجع إلي أنهم يرونه دينا صالحا لقيادة المجتمع الإنساني، بل لأنهم كانوا يكرهون التثليث ونظام الرهبنة وسلطة الكنيسة على الإنسان، كما كان ثمّة توجّه عقائدي يوجد لدى البعض من أبناء ثقافة النخبة من إيمان بالله الواحد الأحد دون الإيمان بالوحي ولا بالأنبياء.


قد يجد القارئ في الكتاب إطراء على دور البروتستانت في القرنين السابع عشر والثامن عشر تجاه العالمين العربي والإسلامي، لكن علينا تذكّر أنهم كانوا مسؤولين عن التطهير العرقي في أمريكا الشمالية. لقد أدّى هذا إلى مسح أغلبية السكان الأصليين من الوجود، كما لا يعني هذا بالمرة أنهم الآن مثلما كانوا عليه في القرن الثامن عشر في أوروبا عندما كانوا في بداية تثبيت أقدامهم أمام أغلبية كاثوليكية، كما لا يعني الخطاب الأوربي الإيجابي أحيانا أنه هو الرأي السائد في الثقافة الغربية عن المجتمعات العربي والفارسي والتركي في القرن التاسع عشر، ولا كذلك في القرن العشرين ولا في مطلع القرن الحالي، ولذا يجب موضعة رؤى المؤسستين الدينية والسياسية في ذلك العصر في دفع الغرب نحو معرفة ايجابية بالعالم الإسلامي، إذ يجب موضعة ذلك في إطار البعد التاريخي الذي ظهرت فيه أعمالهم.

ويشير د.نعيمي إلى أنّ الحضارة الإسلامية كانت هي هذا الآخر الذي جعل الأوربيين في مطلع العصر الحديث يعيدون التفكير في الأنا الاجتماعية التي ترسخت في المجتمع الأوربي مع الكنيسة الكاثوليكية، حتى ظنّ عامّة الناس والأغلبية الكاسحة من الأوروبيين، أنها جزء من هويتهم التي عليهم المحافظة عليها، وكان هذا الآخر يستخدم من قبل أبناء الثقافة العالمة – وهم قلّة من أجل زحزحة تراث قديم، ظنّه البعض هوية، في حين أنه منتج يمكن تغييره وإنشاء هويات جديدة.

كان الإسلام سلاحا في يد الثقافة العقلانية لتعرية الركام الفكريّ من العصور الوسطي، وفي مواجهة الرجعية المحافظة، فقد أظهروا أن ما تثبته الدعاية الكنسية بمساعدة المؤسسة السياسية عن الإسلام ونبيه ليس صحيحا، فلم يكن الأمر سوى تضليل ضمن أضاليل كثيرة بثها رجال الدين، لأنّ هذا الدين يدعو إلي الوحدانية، ولم يكن محمد يعبد صنما، وحضارته كانت محبّة للشعر والفلسفة، وكان هذا سلاحا في يد فولتير مثلا للهجوم علي مجلبة العار أي الكاثوليكية، ولم يكن هذا حبّا في الإسلام بقدر ما كان كراهية للكاثوليكية، وكانت كراهيته لليهودية تفوق كلّ كراهية.
ويضيف: إنّ الإنتاج الأدبي والفلسفي والتاريخي لعصر الأنوار يمثّل مرحلة مهمّة في تاريخ الفكر الغربي تجاه العالم الإسلامي، وحلقة بين ثقافة أوروبا المسيحية ذات النظرة العدائية لأسباب دينية وبين الدراسات الاستشراقية في القرن التاسع عشر، والتي كانت في خدمة المشروع الاستعماري. فرغم حضور الموضوع الشرقي الإسلامي في أعمال هذا العصر، إلا أنّ أهدافها كانت عقلانية. فالحضور الشرقيّ له قيمة فلسفية تسعى إلى نقد المؤسسات الغربية وكثير من العادات والتقاليد البالية التي كان الكتاب المحافظون يقدّمونها على أنها هوية المجتمع الأوربي. يختلف هذا الشرق إذن عن الشرق الرومانسي الذي نجده في أعمال جيرار دي نيرفال وفلوبير وتيوفيل جوتيته، وعن مرحلة الهوس بمصر التي أعقبت فكّ رموز اللغة الهيروغليفية، حيث تغلّبت النظرة الاستعمارية لهؤلاء الكتاب عن الشرق وعن مصر كما عرض لها بصورة رائعة إدوارد سعيد في الثقافة والإمبريالية ومن قبله في الاستشراق.

ويؤكّد د.نعيمي أنّ المصلحة الراجعة للاهتمام بالشرق في كتابات الأنوار، تختلف جذريا عما نراه لاحقا في القرن التاسع عشر فهدف ديدرو من مادة السراسنة ليس بالمرة تلك التي كان يسعى إليها أمثال رينان وماسينيون والمصاب بمرض العداء للإسلام برنارد لويس، ونظرا لغياب المشروع الديني والاستعماري كان فلاسفة القرن الثامن عشر يعالجون الموضوع الإسلامي بدون حساسية ولكن بفضول المعرفة والرغبة في الاستكشاف

المؤلف في سطور
الدكتور صادق محمد نعيمي علي حاصل ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية 1985 ودرجة الماجستير في اللغة الفرنسية من جامعة المنوفية 1991، ودبلوم الدراسات العليا من جامعة جنييف 1998، ودرجة الدكتوراه من جامعة جنييف في تاريخ الفكر والحضارة الفرنسية 2000، ويعمل حاليا أستاذ الحضارة الفرنسية المساعد بقسم اللغة الفرنسية – كلية الآداب – جامعة المنوفية منذ 2001 ، وهو زميل جامعة جنييف
ومن أعماله المنشورة: التاريخ الفكري لأزمة اللغة العربية ـ ملاحظات نقدية علي ترجمة أندرية شوراكي للقرآن ـ تحقيق وتقديم (بالفرنسية) رحلة جان بوتسكي إلى مصر وتركيا المنشور في الأعمال الكاملة لهذا المؤلف الرحلة .

.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق