كتاب “اللغة والمرآة” لحورية عبد الواحد: حيث أن النظر مُخترق بتجرية الفقد

من لا يكون عاشقاً فهو وحده الذي يرى صورته في المرآة. هذا ما يقوله جلال الدين الرومي مبيّناً علّة نرسيسالمأخوذ بصورته. والماء كما نعلم هو المرآة الأولى، مثلما عيون الآخرين هي مرآتنا، لكن جملة الرومي لا تشكّل تلخيصاً أو نتيجة لكتاب حورية عبد الواحد مع أنها تأتيمتأخرة، والأحرى بنا أن نشير إلى أنه كتاب عصيّ على التلخيص، فهو يذهب إلى خلخلةمجموعة من النصوص وتعريضها للانقسام والتشظّي مثلما تفعل المرايا بالصور. هناتتجاور المعرفة باللغة مع التحليل النفسي مع إعطاء الأولوية للّغة، فعالم النفس لميعد أخصائيّاً بالمعنى الطبي للكلمة وحسب، بل يتطلّب الأمر منه أن يكون عارفاًباللغة لأنّه يتعاطى أولاً مع نصوص.

المحلل النفسي، الذي يستمع إلى مريض يسردحلماً، لا يشاهد الحلم، بل يستمع إلى نصّ يُسرد، وبالتالي فإنّ مجال معرفته يتبدّىفي مقدرته على قراءة هذا النصّ، وفي إدراك المسافة بين الحلم وسرد الحلم. أما هذاالكتاب فلا يناقش حالات سريرية إلا فيما ندر، لأن الكاتبة تذهب إلى النصوص الكبرىالمؤسِّسة للوعي، وتعرّضها لقراءة دقيقة وكثيفة في آن واحد، وكأنها بذلك تذهب إلىمقاربة “الوجدان” الثقافي العربي، إن في ينابيعه اللغوية، أو في ينابيعهالدينية.

{الكتاب: اللغة والمرآة}

{المؤلف: د. حورية عبد الواحد}

{ترجمة: حسن عودة}

{بدايات للطباعة والنشر والتوزيع. الطبعة الأولى 2006}

تحتل موضوعة الرؤية موقعاًمركزياً في أطروحات حورية عبد الواحد، ولا يغيب عنها ذلك التنافس “التاريخي” بينحاستي البصر والسمع. أما البصر فهو يؤذن ببدء سيرورة الحضارة كما سبق وعبّر عن ذلكفرويد، فالإنسان المنتصب، الذي يرفع أنفه ويرى بدلاً من أن يشمّ، هو إنسان الحضارة،وهو في الوقت ذاته إنسان اللغة بمعناها التركيبي، حيث يغدو الابتعاد عن الأرضفارقاً في قلب اللغة، فيولد المجاز من انتصاب الإنسان على قدميه، إذ أن المبدأ الذييتيح إنشاء حقول دلالية هو ذلك الذي يحافظ على انفصال بالنسبة إلى المعنى الحقيقي،وعلى مسافة بالنسبة إلى الشيء الأول. فالمسافة بين الرأس المنتصب والأرض هي مسافةضرورية من أجل الحقول الدلالية التي بنت الحضارة، وفي التعبير الأدقّ للكاتبة فإنهثمّة ضرورة لعمودية من أجل أن يكون النظر مخترَقاً بتجربة الفقد.

ليس من المصادفةإذن أن كلمة “إنسان” تعني أيضاً بؤبؤ العين، مثلما لم يكن من المصادفة أن اسم النبيابراهيم مشتقّ من الجذر اللغوي “ب ر ه م” ومعناه أدام النظر، فرحلة ابراهيم منالشكّ إلى اليقين تبدأ بإنكاره ألوهية الأصنام بالقول: كيف أعبد من أراه ولايراني؟. لهذا يتحول إلى عبادة الشمس والقمر، لكنه ما يلبث أن ينكر ألوهيتهما فهمايبزغان ثم يغيبان، بينما هو في بحثه الدؤوب عن الدائم الذي لا يأفل ولا يغيب. لميكن من السهل عليه اكتشاف المعنى بوصفه غياباً، لأن التخلص من الانشغال بالمرئي أمر صعب حين يكون اسم المرء إبراهيم، فالانصراف عن التقليب بالنظر، عن الملامسةبالعينين، حينما يحمل اسمنا تلك الإشارة إلى البصري لا يمكن أن يحدث إلا عبر اقتلاعرهيب. ومع هذا فإن مسألة الرؤية التي وجدت لها حلاً عند إبراهيم بقيت إشكاليةمستمرة. فموسى يطالب: أرني أنظر إليك. ويأتيه الجواب: لن تراني. فاستحالة الرؤيةمعادل للعذاب الناجم عن الانفصال، وكان الحلاج مسكوناً بهذا الغياب، كان الغيابيمزقه، وقد انتزع منه هذه الصرخة من الألم: ولكن أين تحتجب؟

إذن، بقي نرسيس رهين صورته، هلكضحية عينيه، لأنه لم يكتشف الفراغ المكوِّن للعلاقة بين الدال والمدلول. لم تكنعلّة نرسيس في حبه لذاته، فالإنسان لا يحب إلا نفسه ولكن بعد أن يقوم بنقلة، وهذهالنقلة هي المرور عبر الآخر. لقد كان نرسيس جاهلاً لقاعدة بسيطة بقدر ما هي جوهريةمفادها أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى ذاته من دون أن يتحول عبر الآخر، والإيروسهو الذي يتكفل بهذا التحول. بإلغائه لمسافة الفقد فإن عذاب نرسيس كان في بقائه فيحيّز الرؤية التي لا تحتمل أي مجاز، بل إنه كان في حيّز الصورة التي لا تنقسم ولاتولّد أي دلالة. نرسيس افتقد التفكير، من حيث أن التفكير هو جعل الغيرية حاضرة فيالذات. لقد كان يرى صورته، والأرجح أنه لم يكن يسمع إطلاقاً، وعلى هذا فإن مأساتهتتلخص في أنه لم يغادر المرئي إلى اللامرئي. ولم يدرك أن لفظ الكلمة هو الذي يخلقالصورة، وبالطبع لم يتوصل أبداً إلى ذلك الحب الصوفي الذي يلخصه محي الدين ابن عربيبأن أصل الحب الذي نكنّه لله موجود في السمع لا في البصر، بمقتضى تلك الكلمة التيخاطبنا بها حين كنا مادة أولية من العماء: كن. فمن دون هذه الكلمة كنا سنظل في عدممطلق ولكنه قال: كن. فكان أول متكلم وكنت أول سامع، ولهذا فإن الصفة الإلهية التيخلقت الكون هي الكلام.

يتوافق الادعاء الصوفي بأولويةالكلام “السمع” مع النظريات اللغوية الحديثة، ولهذا فإن الكاتبة تجد سنداً قوياً فينصوص محي الدين ابن عربي. فالأخير بصوفيته اللغوية قد صدّع اللغة، وخلخل بنيانهابتأويلات لم تكن متداولة من قبل. وبإحالته الخلق إلى كلام فإن ابن عربي يصنع جسداًللّغة يخترقه النَفَس وتموج فيه الأهواء، أو تتصارع أحياناً. وإذا تذكرنا إشارةغاستون باشلار إلى أن الإنسان صنيعة الرغبة وليس صنيعة الحاجة، وأضفنا هذه الإشارةإلى ما سبق، فإن ما يحدث هو أن الرغبة محمولةٌ على أثير الكلام، فلا يتوقف الكلامعند حدوده اللغوية، بل يصبح جسداً مخترَقاً بالنفس البشرية، فهو مخترَق بحركاتالرغبة، مثلما هو مخترَق بنبضات عدوانية، والموروث الاجتماعي اللغوي يشي بهذا فنحننقول إن اللسان جارح، واللسان قاتل أيضاً، وليس عبثاً أن المعادل لجملة “قالوابزيد” هو “قتلوه”.

فالعودة إذن إلى الجذر اللغوي، واقتفاء أثر القرابة أو الاختلاف،يكشفان عن التأسيس النفسي للجماعة اللغوية. وبهذا المعنى فإن بنية اللغة هي بنيةنفسية في الوقت ذاته، وليس غريباً إذن أن مريض “الذهان” هو شخص فاقد للنظام اللغوي،أو على الأقل هو يفتقد القطب الحسي للّغة، في حين يسعى مريض الشيزوفرينيا إلى أنيستنطق الجماد. النصّ اللغوي مسكون بتصدّعات النفس، حتى وإن حاول المتكلم إخفاء أوتمويه هذه التصدّعات، فليس من السهل كبت النبضات التي تسري في الكلام، أما امتلاكالقدرة على كبت هذه النبضات تماماً فهو يشي بصدع أكبر. ولعل من الغريب في هذا الصددأن الكاتبة تناقش بعض النصوص المؤسِّسة للجماعة اللغوية العربية من دون أية إشارةإلى مؤسس علم النفس الجمعي يونغ، أو حتى فروم، في الوقت الذي تحضر فيه مقولات فرويدسواء لجهة تثبيتها، أو على الأغلب لجهة نقضها.

إذا خيّل لك للوهلة الأولى أنعنوان هذا الكتاب هو “اللغة والمرأة” فهذا ليس بالخطأ الكبير لأن المرأة تتقاسمالجذر اللغوي نفسه مع المرآة، ولأن الكاتبة نفسها لم تغفل عن هذا الجذر إذ تشير إلىأن المرأة تظل متعلقة بما هو مرآوي، فهي بصرية بعمق لأنها مقيمة لغوياً في الموقعالذي تسكنه الرؤية والرؤيا. ومن خلال تجاورها مع الرؤية والرؤيا يمكن إعادة قراءة “ألف ليلة وليلة”، حيث تمتلك شهرزاد سحر المعرفة، وبتعبير أدقّ تمتلك المرأة هناالأسرار، إذ لطالما نُظر إلى المرأة على أنها حقل دلالي كثيف، ولكن يكتنفه الغموض . طبعاً لا يفوت الكاتبة المغربية الأصل أن تذكّر بالإقصاء الذي تتعرض له المرأة فيالمجتمعات العربية، هذا الإقصاء الذي لا بدّ وأن ينعكس لغوياً، فعندما تُجمع “المرأة” على “نساء” فإنها تقصى خارج جذرها اللغوي، فجذر كلمة “نساء” يعني جاءمتأخراً، وأيضاً النسء في اللغة هو المخدر الباعث على الدوار أو الشراب الذي يُفقدالعقل، وليس من المصادفة أيضاً أن أم إسماعيل التي تركها زوجها ابراهيم وحيدة فيالصحراء مع ابنها كان اسمها “هاجر”، وعندما تُبعد المرأة عن جذرها اللغوي لتصبح “نساء” فهذا يعادل أن تعيد كل امرأة سيرة النفي الأولى لهاجر وابنها، ولربما كان منباب العزاء أن تبني الكاتبة على سيرة النفي هذه بالقول: إذا كان المنفى هو ما يتيحالكتابة فإن الكتابة تكون إذن أنثوية الجوهر. ولعل المفارقة الوحيدة التي تقبضعليها في هذا السياق هي الحديث النبوي: حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث: النساء والطيبوجُعلت قرّة عيني في الصلاة. فهذا الحديث يخرج عن مألوف اللغة العربية، إذ منالمعلوم أن هذه اللغة تكرّس هيمنة المذكر على المؤنث، حتى وإن جاء مذكر وحيد وسطمجموعة من التأنيث، وبما أن العدد “ثلاثة” يخالف المعدود فمن الغريب أن يقال “ثلاث” مع ورود الطيب “المذكر” ضمن المعدود.

في العناق الحميم للترجمة، فإناللغات مثلها مثل العشاق تحتضن ما تجهله. تقتبس حورية عبد الواحد هذه الجملة عن بولفاليري، ولربما صحّت هذه المقولة بشكل مزدوج على هذا الكتاب، فالكاتبة تعالجبالفرنسية نصوصاً وثقافة عربيتين مستفيدةً من آخر منجزات علم النفس، وعلى وجهالخصوص مستفيدةً من آخر منجزات علم التفسير المعاصر، فتحضر تلك الاقتباسات الهامةمن بول ريكور وبيير فيديدا وغيرهما في تجسيد لمقولة “إن التفكير هو جعل الغيريةحاضرة في الذات”. أما الحاضر الأكبر فهي نصوص محي الدين ابن عربي، فوحده ابن عربييستطيع القول إن الألف تنحني من عشقها لحرف اللام فيشكلان معاً حرف النفي، هذا قبلقرون من مقولة فرويد المختلفة عن أن النفي هو علامة إثبات الأنا. وطبعاً وحده ابنعربي من يقترح أخوة بين حواء والمسيح، لأن الأولى ولدت من ذكر بلا أنثى، أما الثانيفولد من أنثى بلا ذكر، وأهمية هذا الاقتراح لا تأتي من طرافته بل من قفزه علىتاريخية الحدث لإظهار تكامل الخلق، فمرة ذكورة تلد الأنوثة ومرة أنوثة تلد الذكورة،وهذا ليس بالغريب عن صاحب مقولة “كل ما لا يؤنّث لا يعوّل عليه”، لكنه بالتأكيديختلف عما ساد طويلاً في الحداثة الغربية المعممة، سواء لجهة أولوية الرجل أو لجهةردّ فعل الحركات النسوية وأطروحاتها عن أولوية المرأة.

وعلى العموم فإن النصالصوفي، بهامشيته وطاقته الإيروسية، يسعف الكاتبة في محاورة الكثير من النصوصالسابقة واللاحقة عليه، ولعل من المهم الإشارة إلى كثافة الحقل الدلالي الذي تخلقهالكاتبة بلغة تنأى عن الإسهاب، وإذا كانت أهمية بعض النصوص تنبع من قدرتها على دفعالقارىء ليعيد النظر في بعض مما تلقاه دونما انتباه أو تمحيص فإن هذا الكتاب يفعلهذا بامتياز ومتعة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق