كتاب “جذور الثورة الإسلامية: عهد مصدق”

 كتب ياسين الحافظ أن الرئيس جمال عبد الناصر نجح في تأميم قناة السويس لكنه أخفق في إصلاح القصر العيني بالقاهرة، ويعتبر محمد مصدق أن البعد الأخلاقي لتأميم النفط أكثر أهمية من البعد الاقتصادي، ولكن ملاحظة ياسين الحافظ اللافتة، ناجحة تماماً في تفسير الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لإيران ومصر وغيرها من البلدان وما آلت إليه الأحوال فيها من تأخر على جميع الأصعدة في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن.
تميز النصف الأول من القرن العشرين في إيران بتنامي المشاعر العصبية القومية لدى النخبة الإيرانية الصاعدة وعامة الشعب وصار واضحاً أن شكلاً متطرفاً من العصبية يلون ثقافة وأدب تلك الفترة وهو أمر تناوله بالتفصيل كتاب صادر عن دار قدمس بعنوان “صورة العرب في الأدب الفارسي” وكانت المصادر الثقافية الغربية الخاصة بهذا الاتجاه محطة لافتة في دعم العصبية القومية وحقنها بمحتوى فكري وثقافي مكَّن أصحابها من بلورة أفكارهم وطروحاتهم في نتاجات أدبية وفكرية غنية، مع غياب أي تركيز على فصل الدين عن الدولة وهو أمر ستظهر نتائجه فيما تلا من السنوات.

اقترنت هذه العصبية بصراع مزدوج أولاً ضد الملكية الاستبدادية التي مثلها الشاه مدعوماً من الطبقة الدينية وملاك الأراضي والجيش وثانياً ضد بريطانيا للخروج من إسارها الذي طوَّق إيران لفترات طويلة من خلال اتفاقية شركة النفط الأنغلو-إيرانية التي صارت تمثل إهانة على المستوى القومي. وفي هذا المناخ وصلت الحركة الوطنية الإيرانية، كمجموع للقوى القومية واليسارية، إلى ذروة حراكها السياسي والاجتماعي في الأربعينات من القرن الماضي بتكوين جبهة موحدة استطاعت أن تفرض مطالبها على النخبة الحاكمة وعلى رأسها الشاه الشاب حينها رضا بهلوي، فإقرار دستور 1906 الذي أقر نظاماً تمثيلياً برلمانياً، لم يكن ذا فعالية وبقي معطلاً وشكلياً، إذ حافظ النظام الملكي على سيطرته على المجتمع من خلال إمساكه بتوازنات السلطة وسيطرته على مناحي توزيعها من خلال الجيش الذي كان عماده النخبة الأرستقراطية ويدين بولاء كامل للشاه وأرستقرطية الأرض والطبقة الدينية المستفيدة من الوضع القائم وبقيت علاقة الحكومات الإيرانية المتعاقبة مع الشاه بين مد وجزر مع سيطرة كاملة من قبله.

في ظل هذه الظروف وصل مصدق إلى السلطة مدعوماً من تيار شعبي وسياسي عارم، بمختلف أطيافه القومية واليسارية، في مواجهة الشاه ونظامه الملكي واستطاع من هذه الناحية أن يجري تحولاً في السياسة الإيرانية الداخلية لجهة إسماع الصوت الداخلي لجماهير الشارع الإيراني والتي ستعلن منذ هذه اللحظة ولادة مشاركتها الفاعلة في تلك الفترة، وفي هذه النقطة بالتحديد كان يجب على مصدق أن يلتفت إلى إصلاح داخلي جذري على المستوى السياسي والاجتماعي ولكن قضية تأميم النفط شغلته على حساب قضايا داخلية أخرى بنفس الأهمية إن لم تكن تفوقها أهمية و”لو أنه أفلح في انتخاب مجلس تمثيلي حقيقي، فإن مثل هذه التغييرات كان يمكن أن تتأثر على المدى الطويل. لكن هذا فشل، كما سنرى لاحقًا. وسرعان ما أدرك الدكتور مصدق أن مشكلة انتخاب مجلس تمثيلي لا يمكن أن تحل خارج سياق النظام السياسي الإيراني ككل.”، ومع ذلك فقد عمل على تغيير التوازنات القائمة منذ فترة طويلة من خلال تقليص دور الشاه والجيش في الحياة السياسية والاجتماعية والحد من سيطرة ملاك الأراضي بتوزيع بعض الحصص من الأراضي على الفلاحين و”إعادة تقويم النظام الضريبي”. وترافق ذلك بتغيير بنية الجيش إذ لم يعد حكراً على النخبة الأرستقراطية بل انضم إلى صفوفه أفراد من مختلف طبقات الشعب الأمر الذي زعزع ولاءه الراسخ سابقاً للشاه وباتت تتنازع قياداته طموحات للتغيير تتناغم مع المد الشعبي والسياسي القائم.

في الفترة الأولى من وصول مصدق إلى رئاسة الوزراء كانت انتصاراته في قضية التأميم عاملاً مهماً في زيادة شعبيته وسطوع نجمه وتمكن من تثبيت مواقعه وتحصينها ضد الشاه وحاشيته. وعندما شعر بالهزيمة تلوح جراء عدم منحه السلطات الكافية للسيطرة على الجيش والانتخابات قدم استقالته إلى الشاه الأمر الذي نتج عنه عاصفة سياسية وشعبية عنيفة راح ضحيتها الكثير من المتظاهرين وتميزت بتحالف مؤقت وعابر ولكنه مفيد بين مختلف الاتجاهات والحركات السياسية من يسارية ودينية وكان أبرزها دعم آية الله قاشاني لمصدق حين أصدر فتوى دينية بوجوب انضمام عناصر الشرطة إلى المتظاهرين ضد الشاه وإعلان العصيان المسلح وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها رجل دين في الشأن السياسي الداخلي على هذا النحو وستكون هذه المرة هي المقدمة لما تلى من أحداث عاصفة في إيران في العقود التالية. وانتهت الأزمة بعودة مصدق إلى السلطة بعد لقائه بالشاه وتسليم الأخير بشروط الأول.

لكن الهدنة تلك ستكون مؤقتة وهشة فالشاه الذي تقبل الأمر بكياسة درءاً لأي هياج شعبي لن يقف مكتوف اليدين وكذلك كانت بريطانيا والولايات المتحدة اللتان شعرتا بتهديد بالغ لمصالحهما جراء إجراءات مصدق الحاسمة من قضية النفط. وبدأت الأزمات الاقتصادية تلوح في الأفق وتضغط شيئاً فشيئاً على الحكومة وبدا أن التحالف القوي للجبهة الوطنية الذي حمل مصدق إلى السلطة مرة ثانية ومنحه مشروعية في طريقه إلى الانهيار مع ظهور بوادر خلاف وانسحاب لدى بعض أطرافه، ترافق ذلك بمحاولة مصدق ومنذ توليه الرئاسة الثانية الاعتماد على الذات وتقليص حجم الانفاق والهدر في الحكومة واتباع سياسة إصلاحية جديدة تهدف إلى تغيير جذري في النظام السياسي الإيراني الأمر الذي سيضر بمصالح بعض الفئات من التجار والمتنفذين الذين سينسحبون لاحقاً من تحالفهم الهش معه.

على الصعيد الخارجي اعتقد مصدق أنه باتباع سياسة عدم إنحياز ايجابية يمكن لإيران من خلالها أن تستفيد من الطرفين الأميركي والسوفياتي معاً حين يحاول كل طرف التسابق على إرضائها وتكون هي المستفيدة الأولى من ذلك. وتفاعلت الأحداث ووصلت إلى حد القطيعة العلنية بين قوى المعارضة والقوى المؤيدة لمصدق الذي بدا أضعف فأضعف وكان الشاه يراقب الأوضاع عن كثب، ويجري تحالفاته مع المعارضة التي أرادت عن طريقه وبدعمه تنحية مصدق عن الرئاسة. برز آية الله قاشاني حليف الأمس بوصفه العدو الألد لمصدق واستطاع من خلال مكانته الدينية والشعبية أن يسحب البساط من تحته ويهيئ المجال لتنحيته والإطاحة به.

استطاع مصدق أن يكسب بعض الوقت ويخفي أمر الشاه بإقالته عن الجمهور وعن حلفائه وأظهر الأمر بأنه محاولة انقلابية بقيادة بعض ضباط الحرس الإمبراطوري نجحت الحكومة في إفشالها، ولكن الأمر لم يستمر على هذا النحو بل استطاعت المعارضة أن تنشر حقيقة المسألة وأن أمراً ملكياً بإقالة رئيس الوزراء من منصبه قد صدر فعلاً وتم تعيين الجنرال زهدي بدلاً عنه، عند هذا الحد كانت حشود غفيرة مؤيدة للشاه تحتل الشوارع الرئيسة في العاصمة ولم يكن ممكناً مواجهتها بوحدات الجيش لأن ذلك سيعني مجزرة حقيقية عدا عن أن ولاء الجيش غير مضمون في ظل هذه الظروف العاصفة. وتوجهت الحشود بغطاء من بعض وحدات الجيش إلى منزل مصدق الذي غادره قبل لحظات من وصولها وعاثت فيه فساداً وتخريباً ووقع العديد من الضحايا جراء الدفاع المستميت الذي قام به حراس مصدق الشخصيين الذين رفضوا الاستسلام والتخلي عنه.

أعقبت الأحداث حركة اعتقالات واسعة طالت أنصار مصدق الذين تعرضوا للتعذيب وأبرزهم حسين فاطمي الذي خدمه بوفاء قل نظيره رغم كل محاولات استمالته من جانب الشاه والمعارضة وإغراته للتخلي عن مصدق، ودفع ثمناً باهظاً مقابل ذلك “فقد اعتقل وضرب وطعن وأطلق عليه النار ومن ثم قتل رميًا بالرصاص”. واستسلم مصدق بعد ثلاثة أيام ومَثُلَ أمام محكمة عسكرية أدانته بتهمة الخيانة وحكمت عليه بالسجن الانفرادي لمدة ثلاث سنوات، وبعدها عاد إلى قريته رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته في (1967).

في هذه الأحداث برز جلياً دور المخابرات البريطانية والأميركية في تأزيم الأوضاع وتضييق الخناق على حكومة مصدق للإطاحة به، المطلب الذي بات ملحاً جداً، من خلال عملية تنسيق مشتركة بينهما قادها ثلاثة رجال هم السكرتير السياسي بالسفارة الأميركية والسويسري إرنست برون صديق الشاه الحميم والإيراني شهبور ربرتر، “كان هذا الثلاثي مسؤولاً عن شبكة كبيرة من المواطنين الإيرانيين: أعضاء المجالس وموظفي البلاط الملكي وصحفيين وموظفي مصارف وضباط جيش متقاعدين وآخرين على رأس خدمتهم، وحتى أهل البازار وبعض رجال الدين”.

ترك مصدق خلفه إرثاً لا يمكن إغفاله أو تناسيه ساهم على نحو جلي في أحداث 1979 التي أطاحت بالشاه ووصلت بالقوى الدينية إلى سدة الحكم في إيران. افتقدت الحركة السياسية في السبعينيات شخصية كارزمية لها الكثير من الحضور الشعبي والتأثير السياسي مثل شخصية مصدق ما أضعف موقف القوى العلمانية واللبيرالية ودورها وسرعان ما ملأت القوى الدينية وقادتها الفراغ وتسيدت الشارع الإيراني واحتلت موقع الصدارة وبدا خيار انضمامها إلى حركة التغيير حاسماً لا تردد فيه مثلما كان الحال أيام مصدق “وبالفعل، وبسبب من هذا العامل، تحولت ثورة ليبرالية في جوهرها، ومناهضة للديكتاتورية، في وقت قصير إلى ثورة إسلامية أصولية”. وقد عمدت السلطة الجديدة إلى محاولة القضاء على إرث مصدق وإخفاء صورته الحقيقية تحت ركام الاتهامات الإيديولوجية المعادية له ولخطه الليبرالي وأجبرت حلفاءه ومؤيديه إلى ترك العمل السياسي أو طردهم إلى خارج البلاد.
من خلال سيرته الحياتية الطويلة (1882-1967) يبدو واضحاً الانحياز الكامل لحياة سياسية حافلة بالعمل أمضى منها حوالي 25 عاماً في السجن والمنافي في سبيل قضيته الوطنية، وكأنها ترجمة فعلية لكلمات أمه له والتي كان يحبها كأعز إنسان في حياته: “تعتمد قيمة المرء في مجتمعه على القدر الذي يصمد فيه من أجل شعبه”.

——

الكتاب: جذور الثورة الإسلامية: عهد محمد مصدق
المؤلف: سبهر ذبيح
ترجمة: صخر الحاج حسين
مراجعة: زياد منى
إصدار: شركة قدمس للنشر والتوزيع بيروت – لبنان

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This