كتاب خالدة سعيد «في البدء كان المثنى»: التأكيد على الثنائية المجتمعية / وفيق غريزي

ان ظاهرة تحكّم المذكر في المؤنث قديمة جدا، وسابقة للأديان وشديدة التعقيد، وإذا كانت أعراض هذا التحكّم والمؤسسات والبنى والقوانين التي نتجت عن هذا التحكّم ونظمته ورسخته، قابلة للكشف عبر التحليل والبحوث التاريخية والاثنولوجية فإن قراءتها النفسية ـ البيولوجية لا تزال في مدار الاساطير ومستوى اللاوعي.

ربما أمكن وصف هذه العلاقة أو تصنيفها على مستوى الفردي، لكن الصعب هو تحليل موقف الهيمنة والتملك والقمع الذي يحضر غريزياً عفويا ً وثقافياً لدى المذكر، فرداً أو جماعة ازاء عموم الجنس المؤنث، أي المؤنث كجنس بإطلاق، لا كمجرد فرد شريك وقريب أو مخصوص.

فسلطة «المذكر الغريزية والمادية الاجتماعية والمعنوية، تتمتع بالشمول والامتداد في ما يتجاوز العلاقات الخاصة والاسرية الى القضاء الاجتماعي السياسي الحقوقي العام» وهي التي تتموضع في اعراف وقيم واخلاقيات ومحرمّات واوامر دينية، وتتحوّل إلى أحكام تطوّع الدين، بل تخترق الديني لتنبني في تراتب إجتماعي جنسي، كما تترسخ في قوانين وأنظمة عامة معقدة.

هوية اسطورية تخترق الحضارات

نوازع الهيمنة التي يتحرك بموجبها الفرد المذكر تتخذ سمة الانتداب الجمعي والتراثي، حيث الرجل المفرد يتصرف كممثل لعموم جنس الرجال وللسلطة المعنوية وحتى الدينية. ومن هنا تؤكد خالدة سعيد ان سلطة المذكر هي التي تؤسس منظومة الاعراف والتصورات والتقويمات والتقاليد المتصلة بالتراتب الجنسي جسدياً ومعنوياً وحقوقياً.

ومن ثم «هي التي تتموضع في التقاليد وتحدد القوانين وهي التي تفرض منحاها في القراءات الدينية والتأويل والمرويات، ويتمثل ذلك في ديانات مختلفة، منذ القديم، ومع اليهودية خاصة، وبالنتيجة تأسس التراتب الديني ـ التشريعي والتراتب الاقتصادي والسياسي على التراتب الجنسي فضلاً عن التراتب القبلي والطبقي».

ارهاب المذكر الذي يستبد بالمؤنث، ذلك الارهاب المتكئ على القيم كما أسس لها الذكور، يأخذ مظهر القيمة والتشدد الاخلاقي والديني هذا الارهاب يتعدى امرأة معينة الى الجنس بكامله. هذه العلاقة المعقدة يغذيها نهر الغريزة الجوفي عابر التاريخ ومخترق الحضارات والاديان. فالحركات الانسانية الكبرى حسب رأي المؤلفة، سواء تمثلت في الاديان الكتابية التوحيدية غير الابراهيمية، أو الاديان التوحيدية الابراهمية أو في الحركات الروحية كالبوذية والكونفوشيوسية، أو تمثلت في ثورات اجتماعية اوروبية، لم تنجح في تقنين هذه العلاقة الملتبسة أو اجلائها وتنظيمها، ولا استطاعت ان تحررها من النوازع ومما يؤججها من علاقات القوى، حيث لم تكرسها أو تنظر لها. ويظهر ذلك حتى مع بعض فلاسفة عصر الانوار.

وفي ما يتصل بالنساء تحديدا توضح المؤلفة ان المقابلة بين النصوص التأسيسية للأديان، من جهة ثم أعمال التابعين، كأعمال الرسل ثم اللاهوتيين في المسيحية، ورواة الاحاديث النبوية في الاسلام من جهة ثانية، هذه المقابلة تكشف البون الواضح بين النصوص الاولى التأسيسية وبين شروح الفقهاء والدعاة في اطار الواقع الاجتماعي، وتتكلم خالدة سعيد هنا على ما يتصل بتصور هوية النساء تحديدا، اذ تعتبر النساء جميعاً امرأة واحدة. فالتنميط هو ما يسمح النظرة الى النساء والسلوك ازاءها، فردياً وجماعياً.
ولكن النظم قد ازدادت تشدداً في كل ما يتصل بالنساء، بدأت بتحديد حركة النساء في المجال العام ومنع النساء من المساجد منذ عهد الخليفة الراشدي الثاني، وبلغت مبالغ مفرقة في التردي مع مرور الزمن وتبدل السلالات الحاكمة. سواء على مستوى الاحوال الشخصية أو الاوضاع الاجتماعية والسياسية وتقييد حركة النساء، والتغييب المطلق للنساء في الحياة الجمعية.

المرأة في مناطق عربية واسلامية

اما في عصرنا الراهن، فإذا كانت اوضاع بعض النساء في مناطق محدودة من العالمين العربي والاسلامي قد شهدت حالات متفاوتة من التطور القانوني والاقبال على العلم والعمل واختراق الحواجز الى مواقع المسؤولية ولو بصعوبة، فإن النساء في مناطق شاسعة من هذا العالم نفسه يعشن في الحرمان من العدل، والاستلاب النفسي والفكري والجسدي. ويحرمْنَ من كل اعتبار انساني يتجاوز الوظيفة الجنسية فضلا عن الحرمان الاقتصادي والعلمي والصحي وغياب الحق في تقرير المصير والمشاركة في سياسة الجماعة. بل ان النزاعات المتشنجة ضد النساء تقول المؤلفة: «ترتوي من عمق غريزي موغل في القدم. متواصل في التاريخ عابر للحضارات، يتلون بألوان الثقافات». وبالطبع هي من العمق والتأصل بحيث أنها قابلة لإختراق كل حركة سياسية أو دينية، وقادرة على الإنبعاث متداخلة أو مقنعة بالشعارات الجديدة، ومتسلحة بمنطق جديد بحيث تدفع الى سحب ما سبق التوصل اليه والاعتراف به من حقوق. فليس حصول النساء على بعض الحقوق والحريات محصناً ضد الانتكاس.

وتؤكد خالدة سعيد في هذا السياق ان النصوص متربصة كل لحظة بمصير النساء، كما صار اليه الوضع حالياً في العراق وبعض فلسطين وفي الجزائر وعدد من الدول والقطاعات في المنطقة. علماً ان الحريات السياسية للنساء لا تزال في عدد من البلدان محرمة صراحة حتى في نصوص القوانين الوضعية. رغم دخولنا الالفية الثالثة والنتيجة حسب ما توصلت اليه المؤلفة، ما من مكاسب سريعة أو نهائية يمكن بعدها الاطمئنان الى تطور تدريجي تلقائي، بسبب الجذور السحرية الخرافية والغريزية لهذه الاوضاع، فلا تكاد احوال النساء تتقدم بقوة بعض الظروف حتى تعود وتتراجع وتسوء. من هنا ان قضية الحقوق هي قضية مفتوحة ولن يكون لها انتصار نهائي في المدى المنظور.

حركة المعرفة وتحرر النساء

إن التطورات في العلوم الإنسانية وفي حركة المعرّفة عامة إذ تصب في إتجاه فهم أوسع وأبعد للإنسان، تستدعي نقل ذلك كله من ميادين التخصص الدقيق إلى أفق الوعي العام، من أجل نقلها من حّد المعرفة ألى حد العدالة والحياة، وهو الحلم البعيد، وإذا كان الدور الذي تلعبه المؤسسات المتخصصة والمنابر الثقافية والدراسات أو الإسهامات الفردية على إختلافها، فإن تيار وعي النديّة والتعبير النسائي والمبادرة النسائية في جميع المجالات، الفنية والإجتماعية أو العلمية، وحركة الدخول في المجالات السياسية والعملية جميعها، هو حياة الحركة وعماد التطور مهما واجه من صد أو هجوم.

اذ ان تقول المؤلفة: «تغيير الوضعية الدهرية للتراتب والتسلط وشيطنة الجنس المؤنث بكامله، وهدم عقيدة قصوره والتوائه وحيوانيته ونجاسته، ومقاومة ابعاده عن ساحات العمل والعلم والنضال، لا يتحقق بلا دخول كثيف في مجالات النشاطات جميعها بقوة القرار الفردي».

ومن اهم التصورات ان تحرر الشخصية الإنسانية يمكن ان يتحقق باستقلال عن الشروط المحيطة، أو التصور ان التطور اوضاع النساء يمكن ان يتحقق فعلياً بإنعزال عن تطور ثقافي اخلاقي عميق بالمذكر نفسه، على كل حال حسب اعتقاد المؤلفة ينبغي ان نتذكر ان عدد رواد الحركة النسائية من الرجال العرب لا يقل عن عدد النساء الرائدات وان ضحايا الحركة من رجال العرب يفوق عدد الضحايا بين النساء.

ربما لأن النساء لا يؤخذن بجد أو لأنهن يقمعنا بسهولة ولا بد من الاعتراف بأن عامة الرجال ليسوا وحدهم من يتشبث بالوضعية الدونية للنساء، بل تشاركهم في ذلك فئات وطوائف من النساء.

والنتيجة من وراء كل ذلك هي ان للنساء، من جهة نصف حقوق من حيث انها كائن خصوصي بل ناقص حسب رأي النظام الذكوري يضبط شؤونها قانون الاحوال الشخصية وهي شبه إنسان أو شكل إنساني بصفات بهيمية للثقافة الشعبية الموروثة والقوانين المعيشة غير المكتوبة: ولتحقيق العدالة يجب النظر الى النساء كنصف المجتمع. وليس هناك تمايز بين النساء والرجال الا بيولوجياً. وتحرر النساء مرتبط بتحرر الرجال اقتصادياً وفكرياً من الموروثات المتزمتة والسلوكية الاستبدادية.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق