كتاب “سطور مستقيمة بأحرف متعرجة”: عن المسيحيين الشرقيين والعلاقة مع المسلمين

في ضوء التنامي الملحوظ لأهمية الحوار بشكل عام والحوار حول القضايا الساخنة بشكل أخص، تبرز الحاجة الملحة للحوار بين الأديان، أو بعبارة أدق بين أتباع الأديان. الأمر أكثر إلحاحا بين الذين يضمهم وطن واحد ما تزال الانتماءات الدينية فيه تفعل فعلها الأكبر، وتشكل فيه المرجعيات الدينية سلطة من العبث تجاهلها.

من هنا جاء كتاب طارق متري “سطور مستقيمة بأحرف متعرجة” ليلقي الضوء من جديد على أهمية دور المسيحيين الشرقيين أو العرب في بلادهم، أولا. وثانيا، ليدعو لإعادة قراءة الوقائع القديمة والمعاصرة واستخلاص ما يلزم منها لرصف الطريق لحوار سليم و فعال ومثمر وبعيد عن العثرات والمعوقات.

خاصة وأن تغييرا ديموغرافيا يحيق بالمنطقة العربية بفعل تنامي هجرة المسيحيين وتضاؤل أعدادهم التي كانت تبلغ نسبتها في مطلع القرن العشرين قرابة الخمسة والعشرين بالمئة، إلى أن وصلت في حاضرنا اليوم إلى ما دون العشرة بالمئة وفي بعض الأقطار العربية مثل سوريا دون الخمسة بالمئة، وذلك إثر الهجرات الكبيرة التي جدت بين عامي 1960 و2005، مما ينذر بفراغ الشرق من شريحة مهمة من أبنائه كان لها الأثر الهام في تشكيل ثقافته وحضارته بالتشارك والتفاعل مع الشرائح أو الاتجاهات الأخرى المتعايشة فيه.

ويرصد الكتاب التطورات التي طرأت على الفكر المسيحي المحاور وأهمها الاعتراف بالإسلام دينا من قبل المسيحية الغربية بشقيها، بعكس نظيرتها الشرقية أو العربية، لما يشكله هذا الاعتراف من تأثير على وجودها المتضائل أصلا بفعل الهجرة المستمرة.

وبالرغم من أن هذا الموقف يضعف الأرضية التي يمكن أن يتأسس عليها الحوار، إلا أن هذه الصورة أو هذا الموقف يأتي متماشيا مع التغييرات الدينية والسياسية والاجتماعية التي طالت الواقع العربي ببروز الأصوليات المتشددة التي لا تعترف بالكثير من المسلمين، ومن التيارات الإسلامية التي تتبنى نهجا مغايرا مؤسسا على السلم والحوار والاعتراف بالآخر أصلا، فكيف بها مع أبناء الديانات والطوائف الأخرى.

وفي عودة لتناول آليات وقواعد الحوار ينبغي الإقرار أن الحوار في جانب من جوانبه يتأسس على شكل من أشكال الشك المنهجي، دون أن يشكل هذا الشك مساسا بالإيمان، بل هو تعليق حكمي نابع من نهج القران “إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون”… ما يقتضي أن يتعمم الحوار فلا يبقى محصورا بنخبة مثقفة أو برجال الدين، وإنما يعم نسيج الحياة الاجتماعية وعلاقاتها ومستوياتها المتنوعة.

ولإنجاز تطلع كهذا، ينبغي إدارة حوارات تراعي شروطا عدة، من أهمها:
· النزاهة الفكرية، التي تفترض في الباحثين والمتحاورين حدا كافيا واجتهادا في بلوغ مقاصد الرأي الآخر دون مصادرته أو التوجه نحوه وفق أحكام مسبقة،
· عدم الوقوع في سياسة الكيل بمكيالين، فلا ينبغي النظر لأمر عندنا وفق رؤية متعاطفة ومتفهمة والنظر إلى نظيرتها لدى الآخر وفق رؤيا متهمة ومتشككة،
· عدم مقارنة ما لا يصح مقارنته أصلا، كأن نقارن مبادئ دينية لدى فريق بوقائع تاريخية لدى فريق آخر،
· أهمية تحرير الحوار من موازين القوى السياسية والعددية بحيث يكون طرفا الحوار متكافئين بغض النظر عن الكتلة العددية أو الوزن السياسي،
· التمييز الواضح بين السياسي و الديني، بحيث لا نعمل على تسييس الدين بشكل افتعالي وقسري، فنضفي شرعية دينية على وقائع سياسية محددة.

ليس في ما سبق دعوة لفصل الدين عن السياسة، بل هو دعوة لوضع الأشياء في سياقها الصحيح التي منه نشأت في الأصل.
و يقودنا هذا في سياقه إلى الدور الهام الذي يضطلع به الحوار من تفعيل لمفهوم العيش المشترك مما يؤدي بطبيعته إلى تفكيك أو نقد الجوهرية الطوائفية التي أفضت إلى تحميل الأفراد جرائر طوائفهم واصطفافاتها السياسية، وإن كانوا بعيدين عنها كل البعد، مما جعلهم ضحايا عقوبات جماعية مؤسسة على هذا الجوهر الطوائفي. و نلمس هذا بوضوح عند مراجعتنا لوقائع وسنوات عصفت بالعديد من الأقطار العربية، وأجلاها الحالة اللبنانية، لاسيما في الثلث الأخير من القرن المنصرم.

وفي عودة إلى الماضي وقراءة لوقائع كثيرة عن دور المسيحيين الشرقيين في دولة بني أمية، ودولة بني العباس، والدولة العثمانية ودورهم في النسيج الثقافي، وفي التعريف بالتراث اليوناني، وباعهم الطويل في الترجمة والفلسفة والعلوم، وضلوعهم في صناعة الطب؛ كل هذا كان له أثره الواضح على المكانة المرموقة التي احتلها المسيحيون، وعن التسامح الذي عرف حيالهم. وهذا ما تكشفه لنا العديد من الكتب التراثية وعلى رأسها كتاب “الخراج والأحوال الواجبة في معاملة النصارى” للفقيه أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب الفقهي الشهير.

لكن هذا الواقع ما لبث أن تضاءل مع اكتمال هذا الدور وإنجاز ما أنجز، ومع تنامي النظام الاجتماعي الذي بلغ حدا كبيرا من التماسك المؤسس على السيادية السياسية. فكان لا بد لفكرة جديدة أو مفهوم معاصر يعيد الأمور إلى نصابها أو يعيد للمشهد توازنه. وكان أن حظي مفهوم المواطنة باهتمام الكثير من المفكرين المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

وظلت هذه الفكرة محورية بقطع النظر عن طبيعة الممارسة التي تولتها الأنظمة السياسية العربية لهذا المفهوم أولا، وعن أشكال الخلل الذي أصاب العلاقات المسيحية الإسلامية ثانيا.

مع كل هذا لم تكن المواطنة عند البعض شكلا مناقضا لمفهوم الانتماء الديني. فنجد عند ميشيل عفلق أن العلاقة الحضارية بين العروبة والإسلام أعطت للإسلام مضمونا حضاريا يتسع لانتماء المسيحيين إليه. ونجد عند أنطوان سعادة أن التوفيقية بين المسيحية والإسلام وصلت عنده إلى مفهوم هو أقرب إلى وحدة الدينين بما يتفقان فيه من دعوة للإصلاح الأخلاقي وطريق إلى الله أو إلى فلسفة حياتية تسلم وتؤمن بوجوده.

محصلة القول أن الحرص على الاستمرار في إدارة حوار مثمر وفعال ينبغي أن يقترب من تعيين مواطن سوء الفهم وأشكاله ومعالجته على نحو يعيد ترتيب مناحي الائتلاف والاختلاف، للخلوص إلى كنه الأسئلة التي ينبغي على المسلمين والمسيحيين معالجتها معا وصولا إلى توافقات متينة واختلافات معتدلة ومرنة تعزز من فرص العيش المشترك الآمن.

ولهذا لا بد من اكتشاف الآخر لا افتراضه، أي عدم الدخول بحوار وفق تصورات مسبقة أصلا، مما يعيق ويضيق فرصة الآخر في تقديم ذاته الجديدة. فللجميع الحق بإعادة النظر إلى الذات وبقراءة معاصرة لنصوصه وبتقديم مغاير للصيغ المطروحة والرؤى المعتمدة تراثيا عنه. ولا بد أيضا من تعليق الأحكام القيمية لفتح باب الحوار على مصراعيه وعدم مصادرة الآخر بأحكام قيمية وقطعية جاهزة.

وهكذا يبقى فتح باب الحوار على أفق ىإجراء مقاربات علمية وموضوعية تتم من خلالها إعادة طرح الأسئلة وإعادة قراءة الآخر وتفهمه بشكل يدفع بجدوى الحوار إلى منتهاها، ويعمل على تبديد سوء الفهم ومواطن اللبس، وربما يقتضي ذلك التخلي عن اشتراط العلمانية ضمانا للمساواة والتشاركية السياسية والمواطنة، والتخلي عن فكرة وضع حقوق الإنسان في مواجهة حقوق الله، والقبول بتمييز وظيفي بين الدنيا والدين وعدم إضفاء المباركة الشرعية على الأنظمة والمواقف السياسية باسم الدين، وكل ذلك من شأنه أن يجعل من احتمالات تعدد تفسير النصوص أمرا واردا، بل لازما.

—–
الكتاب: سطور مستقيمة بأحرف متعرجة
المؤلف: طارق متري
الناشر: منشورات جامعة البلمند 2007 بيروت

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق