كتاب “لا يأتيه الباطل”: البوطي يرد على شبهات جديدة حول القرآن…للنساء في الجنة “حور عين” من الذكور!

في هذا الكتاب، يردّ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي على أكثر من خمس وعشرين شبهة حول القرآن الكريم، بعضها قديم. في المقال الأول يردّ على شبهة معرفة العلم الحديث للغيب الذي، بزعم المغرضين، أصبح بإمكانه معرفة غيوب الماضي والمستقبل كالأجنة في الأرحام وما تأتي به الأيام من كسوف وخسوف وحرّ وبرد وأمطار.. فهم إنما يخلطون بين الغيب ومفاتيح الغيب. وشتان بينهما، فمفاتيح الغيب هي دساتيره، كما أنهم يخلطون بين ما من شأن الإنسان معرفته باليقين التدريبي الذي هو دون اليقين العلمي الذي يشترط فيه أن يتحقق تماما والإ هبط إلى مستوى اليقين التدريبي.

ويردّ على شبهة تداخل موضوعات القرآن الذي ينتقل بالقارئ من موضوع إلى آخر دون التزام أو تبويب، بالقول أن النظم والأساليب تختلف من عصر إلى عصر ولا يمكن محاكمة القرآن إلى طرائق التأليف المتبعة في تاريخ التراث العربي، وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون القرآن متعاليا في أسلوبه ومنهجه عن التقليد والإتباع ون لا يأتي مصبوغا بصبغة عصر دون غيره ولو أن القرآن اتبع أساليب الناس في التأليف بإفراد فصل للعبادات وآخر للمعاملات وثالث للمغيبات لفات السبيل إلى الهدف الذي نزل من أجله وهو دعوة الناس كي يكونوا عبيدا لله في كل زمان ومكان.

ويردّ على دعوى ظاهرة التكرار في القرآن، فيقول أن ظاهرة التكرار تنقسم إلى تكرار ألفاظ وجمل وتكرار موضوعات ومعان. أما تكرار الألفاظ فجاء استجابة لقواعد بلاغية بغية لفت النظر وبث أهمية خطورتها وكذلك فعل مالك بن الريب بتكرار كلمة “الغضى” في بيتين شهيرين فزادها بالتكرار جمالا، أما تكرار الجمل فشأنها شأن اللازمة في القصائد والنثر العربي لتأكيد شأنها ودوران المعاني عليها وللتكرار ضوابطه وشروطه. أما تكرار القصص وأحداث يوم القيامة فأبعد ما تكون عن معنى التكرار المألوف. وإذا نظرنا إلى قصة نوح التي تكررت ثلاث مرات في القرآن: في سورة هود وفي سورة القمر وفي سورة نوح سنجد أننا نقرأ في كل مرة قصة جديدة ورؤى وأحداث وتأثيرات في الفكر والوجدان مختلفة.

ويدفع شبهة وجود التناقض في القرآن في ثلاث آيات هي {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً}” وآية ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} وآية {فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} بالقول أنها خطابات إلهية لمستويات الناس الثقافية المتفاوتة فالأولى للعامة أما الآية الثانية فلمن عرف بعضا من علوم الفلك وكيفية انقلاب الليل والنهار أما الثالثة فللمتخصص الذي يعرف أن الشمس أينما كانت تكون مشرقا لمن هي مقبلة إليهم ومغربا لمن هي مدبرة عنهم، كما تتضمن الآية معنى آخر هو تدرج الشمس في مطالع متعددة من نهار الأرض كي يقصر نهار الشتاء وعكسيا كي يطول نهار الصيف. ويردّ على دعوى خلود المؤمنين في الجنة وإنه اشتباه في إشراك الناس بصفة إلهية هي الخلد بالقول أنه خلود بالله وليس مع الله. وعلى دعوى معارضة القرآن لعدالة الله بتخليد الجاحدين في العذاب “فلا عدالة في معاقبة كافر عاش خمسين عاما أبد الآبدين” بالقول أن المؤمنين يثابون أيضا بالتخليد أبد الآبدين في الجنة مقابل نفس المدة الزمنية في الدنيا، والعقاب هو للمستكبرين على الله، أما غير المبلغين والجاهلين بالحق والمحجوبين فغير داخلين في هذا الوعيد.

وعلى دعوى الجبر والتخيير والإضلال والهداية الإجبارية يردّ بالقول أن الله لا يضل من يشاء إضلاله عشوائيا ويهدي من يشاء هدايته عشوائيا، فلكل أمر موجبات، وليس بين الإنسان و الهداية إلا التحرر من الأهواء والاستجابة لفطرته التي فطره الله عليها. أما من يجد في آية {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} مخالفة للعلم فهو مخطئ فالآية نسبت غروب الشمس إلى ما وجده ذو القرنين وحديث العينين يختلف عن حديث الفكر والعلم ومن الغباء الخلط بينهما.

كما يسخر البوطي ممن يقرأ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} بأنها أية تدل على أن المسلم لم يهتد إلى الصراط المستقيم وعليه أن يبحث عنه في معتقدات أخرى بالقول أن المسلم ليس بطارية يتم شحنها إلى الأبد بالهداية. ويتهكم على “المتعالمين” الذين ينكرون تسبيح الجمادات لله، فالقوانين هي التابعة والخاضعة لحاكمية الله وليس العكس، القرآن يردّ على هؤلاء بالقول: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}. كما يتهكم على القائلين بأن حديث الله عن ذاته بضمير الجماعة يناقض وحدانيته ويتهمهم بالجهل بقواعد العربية والنكت البلاغية في التكلم بضمير الجماعة. ويردّ على منكري معجزة طير الأبابيل بالقول أن الإجماع تم على أن العلم يتبع المعلوم كما يقول المناطقة، وأن عددا من الشعراء الجاهليين وصفوا هذه ” الأسطورة ” منهم صيفي بن عامر وعبد الله الزبعري، كما أن أحدا من مشركي مكة وأعداء الإسلام لم ينكر الحادثة، أما تأويل انفراط جيش أبرهة بوباء الجدري فمنكر إذ لا يعقل أن مرضا ساريا يفني جيشا من ستين ألفا في دقائق!

ويفسر الكاتب ما استشكل على المسلمين من مشكلة تحديد ليلة القدر، فما هو ثابت أن مواقيت الأيام والليالي دائرة ومتوالية على الكرة الأرضية ويقول أن فضيلة ليلة القدر ليست منبثقة من ذاتها وجوهرها وإنما هي عارضة لها أينما وجدت ومهما تكررت مع امتداد الليل والنهار بسبب إقبال الله على عباده فيها بالمغفرة والرحمة الإكرام واستجابة الدعاء.

ويشرح “لمن يشكو من الفهم السقيم” دعوى التناقض بين الآية { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ُ} وآية أخرى تقول: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض } بأنه ليس بينها إلا منتهى الانسجام فالأولى تقرر أن الرسل صادقون فيما أخبروا به، أمناء فيما بلغوا عن الله والثانية تقرر أن الرسل متفاوتون في درجاتهم وقربهم من الله. كما أن كثيرا من “مرضى القلوب” يزعم أن الله يخلق الإنسان ثم يعاقبه {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} بالقول أنهم يقرؤون الآية مجتزأة من السياق. والمقصود بما تعملون هو الأصنام.

ويدحض أكذوبة الغرانيق التي أوردها الطبري، ويصفها بأنها مدسوسة وأحاديث مرسلة منقطعة لم ترو عن صحابي وإنما عن التابعين. كما يشرح لذوي “الأفكار الصلعاء” الفرق بين قوامة الرجل على المرأة ومفهوم الولاية المختلف عن القوامة وشتان بينهما فقد قرر الله قوامة الرجل على المرأة لكن الشريعة ساوت بين الرجل والمرأة في حق الأهلية. وعن تقرير القرآن حق الرجل في ضرب الزوجة الناشز وعدم منح الزوجة الحق نفسه عند نشوزه يردّ بالقول إن الشارع لم يفعل لحماية الزوجة من إن يتحول الزوج عندما تقبل إليه الزوجة بالضرب إلى وحش يحطمها. ويردّ الكاتب شبهة تجنيد الرسول للقرآن كي يسهل زواجه من ابنة عمته زينب، فكل الآثار المتواترة تؤكد العكس، أي طلب الرسول من متبناه زيد إمساك زوجه التي كان يشتكي منها، وحتى إذا صح حديث ” سبحان مقلب القلوب” الذي يجيّر إلى أن قلبه تحرك نحوها، فأنه لا يغض من كرامة المصطفى.

ويشرح معنى خلافة الإنسان لله بأنها تكريم للإنسانية جمعاء وتكليف لها بحمل الأمانة وليس معناها غياب لله عزّ وجلّ، وأن المقصود بالخلافة آدم وذريته بشرط عمارة الأرض. ويردّ على حديث القرآن عن الجزئيات في الجنة كالحديث عن الأكواب والنمارق والسرر المرفوعة بأنها ليست لغوا بل أنها تؤكد البعث الثاني بالجسد وليس الروح كما يدعي البعض، وعن زعم أن القرآن من تأليف عمر بن الخطاب بالقول أن القرآن إذا كان قد وافق عمرا في ثلاث: مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر، فأنه وافق كثيرا من الصحابة فهل يعني أنه من تأليفهم! كما أن القرآن الكريم خالف عمرا في صلح الحديبية وفي حادثة حاطب بن أبي بلتعة الذي طالب عمر بقتله لخيانته وغيرها من الوقائع. ويردّ على مفهوم مكر الله بعباده بأنه مشاكلة بلاغية لكلام العرب؟ ويشرح في المقال الأخير من الكتاب كيفية كتابة القرآن ووصوله إلينا سليما فأول من جمعه أبو بكر وعمر وبقية الصحابة بين دفتين ثم أودع عند حفصة في ما سمي بالمصحف الإمام إلى أن طلبه عثمان في خلافته لينسخه ويوزعه في الأمصار.

غير أن أكثر آراء البوطي جرأة هو رده على قضية الحور العين وبأنها ليست حكرا على الرجال فالبيان الإلهي إجمالي ولا يرمي إلى إحراج الطبائع البشرية المتفاوتة بين الرجل والمرأة… البيان الإلهي الحكيم لا يصارح المرأة بما يصارح به الرجل.

{{الكتاب:لا يأتيه الباطل}}

{{الكاتب: محمد سعيد رمضان البوطي}}

{{الناشر: دار الفكر. دمشق. 2007}}

{{يقع الكتاب في 236 من القطع الوسط}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق