كتاب مادلين أولبرايت “الجبروت والجبار”

ي تقديمها الموجز لكتابها “الجبروت والجبار، تأملات في السلطة والدين والشؤون الدولية”، توضح مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية أيام كلينتون، موقفها من الحرب التي يقودها جورج دبليو بوش: “في الجانب الآخر هناك من يرى )وأنا منهم) أن الإرهاب الدولي يشكل خطرا عالميا، يتم إلحاق الهزيمة به على الوجه الأفضل، وذلك بالتعاون القوي بين الأصدقاء القدامى، والالتزام الثابت بمعايير حقوق الإنسان، والقانون الدولي، التي استقر عليها الرأي منذ مدة طويلة. وثمة دور يقوم به العسكريون في هذا الكفاح، لكن ساحة القتال الحاسمة هي ساحة الأفكار”.

ولا تني أولبرايت تبدي استهجانها وسخريتها من ذلك الخطاب الديني، الذي يرطن به بوش الابن، ككلامه عن أن الله اصطفاه ليكون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، وأناط به مهمة مكافحة الإرهاب.

وتشترك أولبرايت مع العديد من الساسة والمفكرين الأميركيين في الخشية من المخاطر الكبيرة التي يشكلها القادة السياسيون أو العسكريون الذين يرون في أنفسهم وكلاء لله في أرضه.

يأتي كتاب “الجبروت والجبار” في سياقه، كمحاولة لرأب الصدع، وتقريب الفهم بين أوربا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبين الديني والعلماني، واليمين واليسار من جهة أخرى.

وهي تتفق مع قول روبن كوك في خطاب استقالته “إن التاريخ سيندهش من سوء الحسابات الدبلوماسية، التي أعقبت الحادي عشر من أيلول، وسبقت غزو العراق”. كما توافق الرئيس الأسبق بيل كلينتون في “أن أي محاولة للنأي بالدين عن الحياة العامة، ما هي إلا محاولة فاشلة. فالمعتقدات الدينية، إذا كانت راسخة لا يمكن ارتداؤها وخلعها، بالطريقة ذاتها التي نخلع فيها ثيابنا. ويمكننا أن نحارب التطرف الديني بالقتل، والاعتقال، وإعلان الحرب، لكن كل ذلك لن يجدي نفعا”. يبقى السبيل الوحيد والمجدي هو التعاون مع من يحاول في العالم الإسلامي الوصول إلى العقول ذاتها التي يخاطبها المتطرفون، وذلك بالدعوة إلى إسلام تام وكامل، لا إسلام مشوه ومجتزأ.

وفي تسلسل فصول كتابها تعرض الوزيرة الأميركية السابقة وجهتي النظر المتناقضتين حول تصريحات جورج بوش الابن ومواقفه العسكرية. لكنها تبدي تبنيها الحاسم لوجهة النظر الناقدة والمستهجنة لتلك “العنجهية العسكرية والمسيحانية المتعجرفة” التي تضع العالم أمام حرب لاهوتية. فمن جهة يقف أسامة بن لادن، ممثلا للحق الإسلامي المناجز للشيطان في أجلى صوره، أي الهيمنة الأميركية، وعلى الضفة الأخرى يقف بوش الابن ممثلا لمشيئة الرب في بسط الحرية والعدل ومحاربة الإرهاب.

والحقيقة إن نبرة الخطاب اللاهوتي الذي يطالعنا به بوش الابن، بين الفينة والأخرى، ما هو إلا حلقة في سلسلة قديمة من التصريحات التي سبقه بها أسلافه من قادة الولايات المتحدة الأميركية. ففي سنة 1898، وفي معرض شرحه لفتوحات إدارته في الفيليبين، أبلغ وليام مكنيلي مجموعة من رجال الدين: “الحقيقة هي إنني لم أكن أريد الفيليبيين، وعندما قدموا إلينا كهبة من الآلهة لم أكن أعرف ما الذي أفعله بهم.. كنت أذرع ارض البيت الأبيض كل ليلة حتى منتصف الليل، ولا يعيبني أن أبلغكم، أيها السادة، أنني ركعت على ركبتي ودعوت الله القدير أن ينير دربي ويهديني سواء السبيل.. وذات ليلة اهتديت إليها.. لم يتبق لدينا سوى أن نأخذهم جميعا، وأن نعلم الفيليبيين، ونرفع معنوياتهم ونحضرهم وننصرهم”.

وعند منقلب القرن العشرين اشتهر السيناتور الشاب ألبرت جيريمايا بفردج من ولاية إنديانا بخطبته الشهيرة “زحف العلم” التي كررها في العديد من المناسبات العامة، وعلى منبر مجلس الشيوخ. فقد قال مهللا: “الفيليبين لنا للأبد، وخلفها مباشرة توجد أسواق الصين غير المحدودة. لن ننسحب منها، ولن نتخلى عن أي فرصة في الشرق، ولن نتنازل عن دورنا، في الرسالة التي عهد بها الله إلى عرقنا، بتحضير العالم”.

وسبق أن أكد الرئيس كولدج “أن الدولة العليا (أميركا) التي تسعى للحصول على تأييد كل البشر لها ليست ذات أصل إنساني، وإنما الهي”.

لقد سبق لمارتن لوثر كينغ، أن طالب بإعادة دراسة شاملة للأساس الأخلاقي للمجتمع الأميركي وسياسته الخارجية، وفي العديد من لقاءاته الكنسية كان يطرح التحدي التالي: “الجبن يسأل: هل هو آمن؟ والمصلحة الذاتية تسأل: هل هو حكيم؟ والغرور يسأل: هل هو شعبي؟ لكن الضمير يسأل: هل هو صحيح؟” لكن الحقيقة أنه نادرا ما تكون الحال كذلك، كما يؤكد مثال إيران وفيتنام.

ففي التقرير اليومي الذي يرفع للرئيس وتوجز فيه “السي أي إيه” ما يلزم من المعلومات، يكون هناك مكون ناقص على الدوام، وهو “اليقين” بدقة أو صحة تلك المعلومات. وهذا ما أوقع الولايات المتحدة الأميركية في أكثر من مطب.

المفارقة التي نتلمسها في الخطاب الأخلاقي لأولبرايت في شتى فصول كتابها هي تقديم انتقاداتها لواقع السياسة الأميركية المعاصرة بوصفها سياسة ذات مرجعية أخلاقية بالدرجة الأولى. وإنما صح انتقادها كونها انزاحت عن موقع الكمال خلال أدائها في بعض الحالات. إنها تنتقد ما كتبه دين اتشيسون وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس ترومان 1965: “إن الكثير من المشاكل يتأتى من الدافع التجسيمي إلى اعتبار الأمم أفرادا وتطبيق القاعدة الذهبية (عامل الناس كما تحب أن يعاملوك) على سلوكنا الوطني. وفي الواقع إن الأمم ليست أفرادا وإن السبب والمسبب لأفعالها ونتائجها مختلفان تماما”.

وبعد عشرين عاما، كتب جورج كينان: “إن مصالح المجتمع الوطني التي يجب أن تعنى بها الحكومة تتعلق أساسا بأمنه العسكري وسلامته وحياته السياسية ورفاه شعبه، وليست لهذه الاحتياجات صفة أخلاقية.. فهي ضرورات لا يمكن اجتنابها. وهي بالتالي لا تخضع لتصنيف جيد أو رديء”. ويعتبر كينان وسابقه أتشيسون نموذجان للمدرسة الكلاسيكية الواقعية التي تحذر من الاكتراث للاعتبارات الأخلاقية التي يمكن لها أن تحرف مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية عن توجهاتها الأصيلة في خدمة مصالح الشعب الأمريكي وحسب.

وتستعرض أولبرايت دوافعها الأخلاقية وحجم ارتهانها الكبير إلى وازع الضمير والحساسية العاطفية الإنسانية في زيارتها لفتاة مبتورة الساق في سيراليون، ولضحايا الايدز والألغام الأرضية هنا وهناك، وتبدي إعجابها الكبير بإنقاذ أبراهام لنكولن لخنزير صغير عالق في سبخة طينية، لكنها لا تعرج ولو بنأمة على ما يحدث للفلسطينيين في أرضهم، أو ما يلحق بأطفالهم من عسف الاحتلال المستمر.

وتبرز أولبرايت مرارا وتكرارا ما للدين من موقع هام في إرساء قواعد السلام والوفاق الدوليين. فهي تجد أن تفهّم الرئيس الأسبق جيمي كارتر لجوهر القناعات الدينية لدى الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن, كان له الدور الأهم في بلوغ ما توصلوا إليه من اتفاقيات. وتعمل منظمات عدة على تعميق فهم هذا الاتجاه وإغنائه. ففي عام 1994 اصدر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية كتاب “الدين:البعد الناقص لفن الحكم”. كما أسس بوب سيبل مؤسسة الالتزام العالمي التي تعمل على رفع مناخ الحرية الدينية في بلدان شديدة التقلب مثل أوزبكستان ولاوس وغيرها من خلال رفعها للشعار “اعرف أغنى وأعمق ما في معتقدك. وما يكفي عن معتقد جارك كي تحترمه”.

وفي فصلها عن الصليب والهلال والنجمة يمكننا ملاحظة ضعف ثقافتها في الباب الذي تتناوله.. لكنها مع هذا تقدم عرضا بسيطا ومعتدلا عن فهمها الشخصي للإسلام ولشخص النبي محمد وتتوقف عند الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة وعند الانشقاق السني الشيعي من جهة، والتنازع بين أنصار التفكير التقليدي السلفي وأنصار التحديث والحداثة من جهة أخرى.

وفي تناولها لواقع القضية الفلسطينية ترى أن السلام في الشرق الأوسط نادرا ما بدا بعيدا عما هو عليه الآن أي في أوائل عام 2006 . فالفلسطينيون منقسمون على أنفسهم، والإسرائيليون لا يجدون شريكا جادا يصنعون السلام معه. وترى أن مفاوضات التسعينات التي حظيت بتغطية إعلامية هامة كانت غلطة مردها الاعتقاد الساذج بأن ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت لديهما النية والرغبة الصادقة بقبول وجود إسرائيل.

وترى أن التاريخ يعيد نفسه، فقد جمدت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية عند مشكلة القدس وتقسيمها، وفق ما عرضه الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام2000. كما سبق أن جمدت في السابق البعيد، عام 1192، المفاوضات حول ذات القضية بين صلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد في نهاية الحملة الصليبية الثالثة. فقد سبق أن عرض ريتشارد ملك انكلترا أن تبقى قبة الصخرة والمسجد الأقصى تحت وصاية المسلمين، ويحتفظ المسيحيون بمواقعهم المقدسة، وتقسم مناطق مدينة القدس بينهما، الأمر الذي رفضه صلاح الدين رفضا مبرما. وهو ما أدى إلى انسحاب جيوش ريتشارد واحتفاظ المسيحيين بحق الحج وحسب.

وفي مجمل القول فإن الكياسة تقضي، حسب أولبرايت، بالالتزام الكامل بالحفاظ على دولة إسرائيل وحماية أمنها. ولا ترى في إنشاء إسرائيل عملية تأهيل لشعب مضطهد وحسب، بل ترى أنه لفتة كياسة (لياقة) من قبل الجنس البشري بأكمله. وأنهم لم يطلبوا الكثير من العرب الذين يمتلكون العديد من المدن المقدسة ومساحات شاسعة من الأرض بإفساح متسع لشعب إسرائيل الصغير في المكان الوحيد في العالم الذي يملكون فيه وطنا حقيقيا خاصا بهم.

وترى كما يرى العديد من الأميركيين أن الاعتبارات الدينية المشتركة، بين الأميركيين والإسرائيليين، تتجاوز أي اعتبار لإنصاف شعب فلسطين. وهم مقتنعون على أساس العديد من المقاطع التوراتية أن يسوع المسيح لن يعود إلا بعد بناء هيكل سليمان وخوض الحرب بين الخير والشر كما ورد في سفر الرؤيا.

ولا تخفي أولبرايت أن تعثر المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أكثر من مرة كان مرده إلى ضغط اليمين المسيحي الأميركي على المفاوضين الإسرائيليين بذريعة أن منح المزيد من الأراضي للفلسطينيين مخالف لصريح التوراة وخطر على أمن إسرائيل بآن واحد.

وهي لا ترى في الحاضر الفلسطيني أية بارقة أمل. تشير إلى تولي شخصية ضعيفة كمحمود عباس قيادة السلطة الفلسطينية، وترى أنه يفتقر إلى القاعدة السياسية الصلبة ويتربع على هرم منظمة لها سمعة سيئة مكتسبة بجدارة في الفساد والتمزق بفعل الخصوصيات والخلافات الجيلية والأيديولوجية والشخصية.

ويزيد المشهد تعقيدا وصول منظمة حماس إلى سدة السلطة، ولو بآلية ديمقراطية مربكة للجميع.

لكن في الختام ترى أولبرايت أنه سيأتي يوم تتقدم فيه روح التسامح كما عبر عنها اسحق رابين: “سينهل الإسرائيليون والفلسطينيون من ينابيع مصادرنا الروحية العظيمة لنغفر الألم الذي سببه أحدنا للآخر ونزيل حقل الألغام الذي فرق بيننا سنوات عديدة لنحل محله حقل الوفرة”.

وربما يأتي ذلك اليوم الذي يهتم به كلا الجانبين بتوجيه القرآن: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله”.

——-

الكتاب: الجبروت والجبار، تأملات في السلطة والدين والشؤون الدولية
الكاتب: مادلين أولبرايت
إصدار الدار العربية للعلوم- بيروت- 2007

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق