كشف المحظور في مداولات الحضور والغياب 2/1

“أقحوانة”، ترنيمة حيّة من الحركة الفاعلة في الزّمن الإدراكيّ، تعيش مدى غير مدانا وتتحرّك في دائرة متعاقبة من الأفعال اللاّمتزامنة، تتميّز حركة فعلها بإيقاع متذبذب متدافع من العطاء والاسترسال والفناء والتّجدّد المتعاود، تُفاجئك الشّخصيّة بظُهور غير محتمل وتناهي متدافع من التّفكير الصّامت والاستشعار لمرجعيّات احتماليّة، وتتراجع بك إلى منظور لاإراديّ يستنزف الرّاوية ويتخلّل ثنايا الرّواية، فلا نحن ندري هل تتحدّث الكاتبة أم تعتصر البطلة جهاد خيالاتها وأشباحها المُلهمة لتُنتج فعلاً مزدوجًا من التّفاعليّة الإراديّة والفاعلة معًا، فهي آن وماض وهي حال ما انتهى إليه الحال، وهي المستقبل وأنّات الوجع المتراكم، إنّها تتراءى لنا حقيقة روائيّة تقبع في براثن قلب يتدثّر ويستبطن شعائر هذا الزّمن السّاخر.
يتطلّع القارئ لمسار متحفزّ متجانس من المؤثّرات والأحداث المتواترة التّي تُحاكي طورا الآن وتأخذ من الماضي وتتطّلع لحاضر لا يهدأ ولا يعرف ثباتا، إنّها ذلك المدّ الثريّ يتّصل بحكايا التّاريخ والتّجلي على أحكام السّالفين والسلفيّين، إنّها الأخذ لحدّ الثّمالة من ضرائب العُصور الغابرة والثنايا المتداخلة من قصص الأوّلين، يقول عنها باروخ سبينوزا: “هؤلاء الذّين يريدون البحث في أسباب المعجزات، وفهم ظواهر الطبيعة كالفلاسفة، والذّين لا يكتفون بالتّحديق فيها في دهشة كما يفعل الأغبياء، سرعان ما نعتبرهم ملحدين كفرة”1، إنّها مناورة أمّ الزّين الفيلسوف في حوارها بالعلم والمنطق مع رموز التّاريخ، لنجد شهرزاد تسعى للنجاة بكأس الحياة، وتهديدات الحجّاج بالتّهويل والتّنديد، وقوالب أحزان الخنساء بالعويل والصّياح، ورثاء أبطال العصور، والتيّمن بالسّائدين من أهل العفّة والعفاف، والارتقاء بالمجد والشّرف لرعايا الشّعب ومقاربتهم بالميامين الأشدّاء، إنّها كلّ ذلك وأكثر من عوالم الرّحلة عبر سوالف الماضي ومحاضر الانتخابات واحتشاد المجالس وخوار السّاسة وضجيج العامّة وحراك الأمّة وقلق الرّعيّة، وفي كلّ هذا السّياق يتعدّى الفعل الرّوائيّ بوتيرة تتماثل مع إيقاع تونس اليوم فتُشخّص قلابسها وتستنزف قوت صانعيها وتصوغها جبروتًا حركيًّا ثائرًا مستهزئًا، وبذلك يتمدّد هذا الزّئبق اللّغويّ الطيّع من المدّ السياسيّ في تونس ما بعد الثّورة.
إنّ الرّواية هي مقولة الآن والفعل والحال تأبى الخضوع وتتململ راجية استفاقة الشّعب وانتصاب وعي جماعيّ واستشعارا كُليّا لكلّ ما هو علنيّ مشرع، ولكلّ ما هو خانع مستسلم يرضى المهانة، ولمن لا يستعجل تغييرًا جدّيًا لواقع حياته اليوميّة، إنّها لسان الحال وأيّة حال… تخمة من القراءات لمستجديات واقع اليوم ونزيف عرق يتبلّل ويهيم بقراءة الحواضر الماضية، إنّها تتهادى بحسب حركات الزّمن وتستقي ثراءها من العروبة وتتكدّس من عمق احتشاد تراثنا وخطابيّة بتعدّد لسان عربيّ يستنطق الحرف، وتذود بالحكمة وتستشعر الآخر وعلاقته بالأنا عندما تُذعن الضّاد بقلمها لكاتبة الرّواية.
تتصارع أمّ الزّين مع تطلّعات القلم، تشكمه أو هو يعتصرها، تتخبّط في صراع.. تتماوت.. في حالة سخيّة من الإذعان.. نرى النّص الرّوائيّ لا يتبّع سردًا مسترسلاً من الأحداث الواقعيّة، ولا هو خطاب جافّ من الأقاويل والاستجابات، ولا يسلخ قصصا حكائيّا لبطل تستطيع أن تُصّور له واقعًا أو تضبط له معالم، إنّه نزيف لغويّ من روح تعتصر قريحتها وذات آنفة ساخرة وحالمة تتعدّى المرئيّ المعاش إلى محاولة استنزاف كلّ ما هو اعتياديّ مألوف، حتّى أنّها تبلغ حدّ أن تقضّ مضجع القارئين وتُقلق سبات يقظتهم وتُثير حيرتهم وفضولهم وتُقيم الحدّ على صمتهم وتآلفهم مع كلّ ما هو غريب مستهجنٌ.
تسعى راوية الكتاب لرفض هذا الاستئناس البوهيميّ الذّي يسود واقعنا اليوم وينفث لأعماق الأمّة نفسا قريرا مستسلما تتبدّل فيه الحال فلا يفطن، ويبوء باستنساخ بليد سلبيّ لما آل إليه هذا الزّمان من استسلام لرُؤى خارقة هي ذاتها عين الغموض المفتعل، فيتحوّل الاستبداد في حقّ الأمّة أمرا مكتسبًا شرعيّا، ويُصبح اجتهاد التّحريم أمرًا مشرّعًا بين النّاس، ويطغى التّسيس على التّحسيس، ويسري شعار الأمر على بوادر القول، ويطغى أسلوب التّجارة بالدّين على شعائر التّسنين بالعلم، فينتقل العالم من قولة الآل إلى حكم الجماعة ومن شرطيّة التّقدّم إلى فرضيّة الخنوع، وبذلك يقبر الواقع حلمًا راود التّونسييّن طويلا بـ”دمقرطة” النّفوس والتّسامح المتعاون والرّضا بالآخر على اختلافه والاتّكال على “شعبويّة” قارّة مستقرّة ثابتة غير متململة تُشيّد صرحًا من الوطنيّة العالميّة وتنيط أهدافا إنسانيّة وتُقيم دوافع حقوقيّة معاصرة لأحقيّة الإنسان.
الرّواية عند أمّ الزّين هي محاولة بيداغوجيّة عقلانيّة لإرساء قراءة غير مباشرة لواقع الحال، نوع من التّوثيق المتفلسف لأحداث تُحاكي الواقع ومرارته، تدّخر وابلا من التّصورات المعاشة والمعيشة، إنّها ذلك القيل والقال والوقفة في طابور الانتخاب وإيجاد مغزى لقراءات الحرّية وإلقاء أهداف لتسنين المتغيّرات..
رواية تستقي شذاها من عبق الماضي ومن تهكّمات الحاضر ومن آلام الخوف من الغد، رواية زمنها متحرّك متوّثب لا يركن لقرار ولا يهدأ لموقف ولا يستسلم عند زاوية نظر، راوية حالمة مندّدة ثائرة رافضة تملئ بداخلها ثورات العالم من متضادّات الواقع، فانطلقت تسرد واقعا لا يخضع لمسار قرائيّ ثابت واضح المعالم، فكلّ فصل هو حكاية وليس امتدادا لما يسبقه من الحكايات بل هو ضرب من واقع تستحي الذّات ذكره ويندا جبين القارئ من قوله، ويأنف العابر من سخطه، إنّه ذلك الإيقاع المتناغم المتسارع أحيانا من سخط الحقيقة الرّاهنة ومن عكس الاحتمال السّائد ومن تلكأ أهل القيل وتضارب جماعة القال.
قرّرنا في تحليلنا أن نجزم القول في مداولات الحوار بين الحضور والغياب في خمس مواقف تحليليّة استبطانيّة ارتأينا أنّها عمق مضارب النّص الرّوائيّ، ففي المقال الأوّل نقرأ مداولات القلم، وفي المقال الثاني نعرض غيرة متكلّم لغة الضّاد، أمّا في المقال الثالث فنبسط مناورات الرّاوية ومضارب مواقع الحسّ الرّوائيّ، ويُقدّم المقال الرّابع تراتيب الشّخصيّة الحالمة أقحوانة، وفي المقال الخامس نتطّلع لقراءة في ألعوبان الزّمن ومستحدثات المكان، إنّها خماسيّة أدبيّة حالمة، تعدّ مجمعا استقرائيّا يصف عددا من مواطن الإبداع في النّص الرّوائيّ المفعم بالحركيّة الباطنة والظّاهرة في مقالات خمس تصف محاور الرّواية وتلّم بشتات أفكارها.

المقال الأوّل، مداولات القلم:
يصف الحوار عند أمّ الزّين مع القلم ألحان وتناغم حكاية، وفي آخر الرّواية تضع ذاتها بين دفتيّ كتاب كي تستقي الخبر وتسوقه بالإحداث، يُؤنبها ضمير أمّ حشرت نفسها في المقال، حتّى أنّها تحوّلت رُوحًا تعيش حيّةً ميّتةً بين ضرب القلم وسندان الورق، وتصوغ هذه الرّوح الذائبة حبرًا لبديًّا مسترسلاً لا يعي ثنايا المسار في قولها “رحلت عنّا أمًّا ورجعت كتابًا باردًا”2 ، والرّحيل عند أمّ الزّين هو حالة من غياب الحاضر أو حضور الغائب، ازدواجيّة تُقدّمها صاحبة الكتاب فلا ندري حينا هل هي تُحدّث واقعا أم تُحمّلنا واقعها، أم نحن بين واقعين حاضر غائب لا يُوجد إلاّ في أجندة أمّ الزّين ولا تُشّرع لقيامه إلاّ رواية جرحى السّماء.
نعود لردّات القلم وصراعاته وأهوائه، فهو ذلك العضو المكمّل للرّواية في عالم متدافع من “كائنات هشّة قُدّت من قلم ومن نار”3 ، تتحرّك لتكتب مسارًا قرائيًّا من سلسلة أحداث هي انبثاقيّة حلزونيّة تتقرّح سيولة واندفاعا ذات اليمين وذات اليسار، فهي تُنّدد بحكومة “منعت الاشتغال بالقلم وسمّمت نبتة الحلفاء”4 ، وهدّدت شبّانا ما زالوا يُزاولون خلسة عادة حمل القلم”5 ، لقد آمنت الرّاوية بحريّة الكتابة وحفظت كرامة الحرف، فتفاعلت مع رسوم إحداثيّات الخطّ وكأنّها صبيان تلعب في مرفئها تدفعها حينا وتُعاتبها أحيانا أخرى، وهي في مجلسها الأدبيّ تجعل الحرف يتلوّى ويتعطّش ويتوالد من فيض غمر أمّ الزّين حتّى أنّك ترى الحروف “تهرع إلى أناملها تستجديها أن اجعليني رسما وانثريني عبرة”،6 فالتّشخيص شمل فضاء الكتابة وأدواتها وتشكيلاتها وانطلق فيضا متبحرّا، وتراك وأنت تقرأ الحكاية تنسجم في أحداثها لتستفيق وفق ومضات انفعاليّة تُناديك وتُبلّغك بأنّك لست إلاّ هاويا سارحا في بحر الرّواية، وبذلك تتوازى العوالم مع عالمك القرائيّ ولا تدري أين موقعك من الرّواية إلى أن تُدرك أنّ فلسفة أمّ الزّين الرّوائيّة هي فلسفة حوار تداوليّ يشدّك ويفعل فيك يُحزنك ثمّ يُشفق عليك، فتستفيق من حلم الحكاية وتندفع في مقاربات استقرائيّة بين زمنين وموقعين وعالمين، وفي ذلك تقول الكاتبة “ضحك إله النّار بقهقهات زعزعت أعمدة الكلمات وجعلت القلم يرتعش خوفا من غول الحكاية”،7 وهنا لا ندري هل أنّها تُجاور نصاب القارئ فترتعد من صوت كائنات صاغتها؟ أم هي صاحبة سُلطة على الكتاب؟ وتُذّكرنا بقول هوبز “الإنسان ذئب للإنسّان” أو لا نعرف هل هي من رأي سبينوزا “إنّ الإنسان إله لأخيه الإنسان” فالرّاوية تقرأ شرّ الإنسان وألوهة الطائفين من الشّعب حتّى أنّها تبني عوالم الإنسان من طبيعة الخنوع إلى نوازع السّيطرة، ونراها تُؤجّج غليان كائناتها وتسوقها طيّعة في يدها وتحيك بقلمها مدنيّتها لتغلب التّطبّع بالأحداث الواهية، وتُشّكل أشباحها مواطنين روحهم تونسيّة في عمليّة ابتكار قصصيّ خاضع لمسار سلس قوامه قواعد الضّاد وألحان التّشعب السّياسيّ وتوالد الأحزاب اليوميّ.
تُعتبر مداولات القلم حوارًا استثنائيًّا تفاعليًّا مع شخصيّة تعصف وتتحكّم بكاتبتنا، إنّ القلم مُستوطن بين أصابعها يُنازعها الفكرة ويُطوّع مدادها الذّهنيّ المرجعيّ في نوع من الطُغيان التّصوريّ التّماثليّ حتّى أنّها تُحاكي الواقع وتُشاطر الشّعب هُمومه وأتراحه ومصائبه وأفراحه، إنّه ذلك القلم العصيّ الطيّع السّخيّ على الرّواية حتّى أنّها أخضعت كلّ الأفعال لمفترق القلم، فهي تقرأ وتُحاسب وتغضب وتنكح وتُقاوم وتعترض، وهي ذاتها شهرزاد شخصيّة روائيّة مرجعيّة تلعب دورًا مزدوجًا بين الرّاوية والحالمة بمجون الحكاية “استنفرت من مجون هذا القلم”،9 وهامت بكبريائه ثمّ “غضب القلم وأحسّ أنّ كبرياء الذّكر قد أُهين بالحبر”، فهذه الأداة الأنيس رجلٌ يُعاشر الكاتبة ويصلها بأحكام الورق، حتّى أنّ شخصيّتها تُغادر الفراش بحثا عن صمت اللّيل وشجيّ الحُلم الذّي يُراودها طوالا، وإن عارضتها الأداة في الحاجة فهي “تُغلق الكتاب لتوّعك صحيّ في القلم”،10 وهي ذاتها أداة الإيحاء والإغراء والغواية ففي رأيها “تكتب كلّ النّساء وتُصارع القلم وإن انعدم فإنّها تُوّقع بالعطر، وإنّها لا تمتنع عن الرّمي بالإحداث والرّواية والقصص”،11 فالرّواية ترفد بشخصيّات عبقة من تماثيل التّاريخ نجدها في أقحوانة وشهرزاد والخنساء وياسمين… وهي تمتهن في غالبها حبّ الحكاية وتُولع بفنّ القصص في شخصيّات تغنّت بالأهازيج العذبة والذّكريات الضّاربة في المغامرة حين تتعالى الأحزان بصوت الدُّعاء “لأمسخك كائنًا من ورق”،12 وقد تستجدي الكائنات صانعها وتُناشده “أن أسرعي اعجني أجسامنا بلحم الكلمات… امسخينا على الحلفاء الجائعة”،13 إنّها حالة من الحاجة الكليّة الجسمانيّة لاستلهام الواقع وتحويله مادّة روائيّة، وتعتبر كذلك نوعا من الحاجة المتوازنة بين الأنا الرّوائيّ والآخر الملهم، إنّهما جسدان يتصاهران ينضويان يتعاتبان ويتصالحان ويختلف كليهما عن الآخر، أوّل يرى في الثانيّ ظلّه، وثان يتطلّع لإيحاءات الأوّل، جدليّة من الأخذ والعطاء في مقاربة بيزنطيّة تكمن داخلها المتماثلات وتُوازي بين واقع المحاكاة ونصّ الحكاية.
المقال الثّاني، غيرة على لغة الضّاد:
تكتنف أمّ الزّين بخوف وحزن ودفاع بسيل على لغة الضّاد “في بلد اخترع لسان العرب نفسه بعظمه ولحمه”،14 حتّى أنّ شعورها استفحل غاضبا حول مستخدميها، فتسأل أقحوانة الصّدفات مستغربة “ألا تتألمّون من غياب الأنا في لغة الأصداف”،15 وهي حيرة وغيرة أصحاب اللّسان الذّين يتساءلون حول لغة الضّاد ويُشّخصّون حروفها ويخافون لعنتها ويحتاطون من غربتها ونوازعها “جاءت كلّ الأفعال من المهموز إلى المغموز إلى المضاعف والمعتلّ ووقف الفعل النّاقص بلا صوت”،16 وقامت تشدو هازئة “بركاكة النّحو من النّطيحة والكسيحة والذّبيحة إلى ذات الهمزة واللّمزة إلى مكر الفقه”،17 إنّ القرابة بين الكاتبة ولغة الضّاد ينبئ بشعور استثنائيّ ويصنع لحمة بين الذّات وأداة صنعتها، إنّها تتجاوز كونها وسيلة للتّعبير إلى كونها أقرب بكثير من روح الكاتبة وهواها.
المقال الثّالث، مناورات الرّاوية ومضارب مواقع الحسّ الرّوائيّ:
يستطلع قارئ جرحى السّماء مناورات بين أمّ الزّين وأقحوانة إنّهما يتعاضدان حتّى لا ينفصلا ويتزاوجان حتّى لا يفترقا في خواتم الحوار وبداياته، زمنهما زمن مشترك تغيب فيه الرّاوية عند غياب أقحوانة وتتجاهل واقعا تعقله وحتّى تتأمّله غير أنّها لا تقتحمه، فلا هي ارتضت رُكونًا ولا جنحت للصّمت الرّهيب. وخلال النّص نقرأ ملحمة الصّراع بين ذات صمّمت خيالاً ورُوحًا تُسيّر الأفعال والأحداث وتقصّ حواشي الأحداث، وفي المقابل نجد ذات راوية مُحدثة تُصمّم وتصوغ مفاعلات الرّواية، إنّنا نقرأ حيرة الكاتبة حول مآل الرّواية؟ وأين سيُطرح المقال؟ فتتساءل “تُرى هل ستُولد الرّواية أم هل ستئدها مرّة أخرى”،18 ومن هنا نتأكدّ أنّ أمّ الزّين يتعسّر عليها استقطاب الشّخصيّات وتصعيدها كائنات من ورق، إنّها تعيش مخاضًا وتوالدًا يجعلها تقبر ذاتها بين دفتيّ كتاب في صراع وجوديّ ومناورة جداليّة لتجمعهم في الأخير داخل ركن قصصيّ مفعم “بالخيال المضّر بالمخيال”،19 أو بالأحرى تخطّهم في مسار قرائيّ منتظم.
وليس غريبا أن نغور في هذا العمق الوجوديّ الفلسفيّ لصاحبة الكتاب فشُحنة الأحداث وتواتر سجّلات الزّمن تختزن زبدًا عارمًا من المواقف وصخبًا من التّأويل والأقاويل، إنّها تتمرّس الكلّ من رحم ولآد وقلب حالم ووجدان حيّ ينبض بأمد سرمديّ يتغذّى بالحياة ويُؤمن بفحوى الحراك الشّعبيّ ويُغيّر منطق لغة الضّاد واستخداماتها، إنّها مناورات أعاصير الزّمن تنوء بها كاتبة المقال فتُقدّم مفاسد العصر واختلال القوانين وتصرخ ملء فاها بخلل في النّظام البيّن الظاهر الذّي يحتشد فيه الكلّ داخل بناء جليّ من المتّصورات والمقاربات الواقعيّة والإيحائيّة، وهي تتلبّس المكان الرّوائيّ فتنتزع منه الهدوء والسكينة وتقّض مضجع السّاهين عن حركة الرّكاب، وتفترض طرح السّؤال والبحث عن إجابة لكلّ استفهام حول ماهيّة الرّواية وأفقها “أيّ رواية بوسعها أن تتحمّل عنّا كلّ أوجاعنا، لم سنظّل نُحمّل الكتابة هزائمنا وفضائحنا”،20 وفي هذا النّص ترزح الرّواية بأعباء هذا الزّمن وتُثقله بقلقها وأوجاعها، وتسعى أمّ الزّين بأن تُنيط عنها ثقل الحمل فإذا بها حمّالة الثقل تستجيب لعنفوان هذا القلب المتوّجع المستنفر بين لزاجة الورق وتملّقه.
الرّواية ضرب من الحديث والحيرة الوجوديّة يسودها دويّ البحث بلغة صاخبة تُشوّش قرار ذهنها وتُبعثر الزّمن لأشلاء على ورق الحكاية، ما يجعل القارئ يتناول منطق القول وحديث الفعل فيحطّ على أراضيها، وهنا نستغرب في بعض الأحيان هل نحن بصدد الإنصات للرّاوية؟ أم أنّنا نقرأ حيرة بطل الرّواية؟ لذا يُقدّم النّص “لمن ستُكتب في زمن قحط السّرد”،21 نستغرب هذا الازدواج بين راوي يسهو ليتحوّل لأقحوانة أم هي الأقحوانة ظلّ خافت لراوي الرّواية؟
ومن غير الغريب أن تُبقي الأمّ أثرا يدعى “ضجيجا” التمسناه في صلب النّص الرّوائيّ، فهو ضجيج نافر حيّ مضطرب متوازن معا يكتسب نمطًا مسترسلاً هادئًا ويُعاود الكرّة في نفور غاضب، وبالقياس تبدو راوية “جرحى السّماء” تُعاني صخبًا بل ضجيجًا، بل إنّها هي ذاتها حيرة حكيم ضاق صدره من اعوجاج الخلق وضاق ذرعا بمصائب رجالات هذا الدّهر، إنّها الأنثى تتبصّر عن بعد وتتساءل “هل سبقتها الرّواية إلى تنفيذ الحكاية؟ ثمّ هل أنّ الرّواية حدث شديد الالتصاق بذاتها بل إنّه عضو منها والقلم فرع عنها وحركة الحرف هي فعل إنجاز بالرّغم عنها لتُلبيّ توقًا روائيًّا خالصًا.
وللرّواية استشعار يُوّلد تقاسيم وفنون، فهي ذلك القلق الذّي تحدّث عنه زرداشت الذّي استلهمت منه الكاتبة أنّه “على المرء أن يكون حاملاً لشيء من الفوضى كي يلد نجمًا راقصًا”،22 حتّى أنّها في بعض الأحيان تلوم الحكاية قائلة “سامح الله الحكاية تنظر بعيدا فيما وراء الرّواية”،23 فالفعل الروائيّ ينطلق من ذات أمّ الزّين في متاهة روائيّة متفرّعة متشعّبة المنافذ لا تدري صاحبتها أين سيحطّ المسير، فهي تؤم مواقع وتُشرّع سننا وتُحاكي وتتندّر وكأنّها شيخوخة أدبيّة تُحاكي وتنطوي وتتّصل حتّى تنفصل، إنّها ذلك العناء الرّوحيّ من تقاليد هذا العصر واختلال الموازين واضطراب فحوى المفاهيم.

الهوامش:

1 رسالة في اللاهوت و السياسة ، باروخ سبينوزا،
2 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، طباعة جداول للنشر والتّرجمة والتّوزيع، الطبعة الأولى، سبتمبر 2012، لبنان،
صفحة 14
3 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 23
4 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 19
5 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 33
6 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 41
7 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 52
8 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 109
9 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 109
10 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 114
11 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 142
12 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 18
13 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 18
14- جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 62
15 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 72
16 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 125
17 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 126
18 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 14
19 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 94
20 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 13
21 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 32
22 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 57
23 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 151

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق