كشف المحظور في مداولات الحضور والغياب 2/2

المقال الرّابع، تراتيب الشّخصيّة الحالمة أقحوانة:
يبتعد ترتيب الشّخصيّات وتعريفها عن كلّ نمط كلاسيكيّ تعوّدنا فننتقل من فصل لآخر، ونكتشف الشّخصيّة تلو الأخرى دون تقديم يُذكر لنوازعها وفصولها وتقاسيمها، ونحن لا نسترعي قانون التّخلّص ولا نُدرك سندها الاتفاقيّ ثمّ نكتشفه تدريجيّا في آخر فصول الرّواية.
نستطلع في هذا المقال العلاقة الأسريّة ونفهم هذه الذّات الحالمة حين تبدأ الرّواية في تقديمها صَدفةً عائمةً لا ندري لها قرارا وتنتهي روحا ميّتة ترقب زمنها الماضي، إنّنا نُجمّع شتات مواصفاتها عبر فصول الحكاية، ولا يكتمل نصابها إلاّ وهي في حالة من التّململ الطّاغي في نهاية الحكاية، وهي ذاتها ظاهرة من العنف وماهية مستترة تُعبّر عن قساوة الحياة ومجونها، إنّها توصف بالأقحوانة حالة من “الضّجيج، خلط وتشويش وتهريج”24، بل نراها في مواقف أخرى جنًّا أو شبحًا لا ندري هل هي “حديثة العهد بحياة الجنّ”25؟ أم تبقى “روحًا تاهت عن أجسامها”، ونُواصل المشوار في مسار الحديث الرّوائيّ المتقطّع حتّى نلمح روحا، بل هي لغو لغويّ بين الأقحوانة والأقحوان لا ندري من أُستعير منهما ليُعبّر عن الآخر؟ وهي كذلك تلك “الرّوح النّزقة المرحة”، وهي ذات كفّنت جسدها بين دفتيّ كتاب، وهي من تبحث عن أعضائها، وفي عمق كلّ هذه التّفاسير يتراءى لنا احتمالين، فأقحوانة واقعيّة خياليّة في الآن ذاته، وهي أنثى طالبة من قسم الفلسفة، تجتمع في نفس المواصفات مع سيّدة الكتاب أمّ الزّين بنشيخة، وهي خياليّة مارقة تبدو شبحًا خياليًّا أو روحًا مستوفاةً أو ذاكرةً تعتصر بالمرجعيّات ومضارب الذّكرى.
أقحوانة رمز يُحاكي باطن الرّاوية وتجسّدها لتقول على لسانها “تضاريس هذا الوجه أصبحت قديمة جدّا”26، وتصف ذوبانها وانصهارها في الشّخصيّة بقولها “لقد تعوّدت الموت وحدي”27، وهي ذاتها امرأة من رحم نساء التّاريخ “أيتّها النّساء الجميلات… يا حفيدات الخنساء وهند وأسماء وزبيدة وعلّيسة… ونوّال وأحلام وغادة السّمان”28، وهي تستند في مشوارها لماض مليء بالأحداث تخوم بالرّوايات يقول عنها “جاءت بعد ألف عام وألف قتيل وألف حكاية”29، وبعد كلّ هذا تتجلّى أقحوانة شذا يتلبّس الحدث وتتجّلى من أديم هذه الأرض “ما أنت سوى دودة من رحم الأرض”30، وهي نفسها “كارثة فهي أقحوانة وكارثة كلّ امرأة تحرّرت من المرأة”31، وهنا تحضر في الرّواية ازدواجيّة المرأة الرّاوية التّي تستقي زادها من عمر الأقاصيص والرّوايات ومن خلد النّساء الخالدات لتستقي وجودها وحكاياتها من ثمرة هذا الزاد المعرفيّ، وهنا بالذات تتوّلى أمّ الزّين العناية بالوسط الأنثوي أيّما اعتناء “هل تغريها شهوة الأدب أم شهوة الشبق”32، وهي لا تولي كذلك الرّجال اهتماما مقارنة بعالم الأنثى لتبني من يقظة أقحوانة مدينة فاضلة للنّساء تُدافع عنها وتُناضل من أجلها، وهذا الميول اللاّواعي يستحضر فيها البديل “يا من تجمّعت فيها كلّ نساء المدينة”33، كما نجد في مجالس الحوار وفي همسات الصّدفات وفي أركان الحمّام أطرا تتجوّل فيها الشخصيّة الرّئيسيّة في شكل جنيّة حالمة مرجعيّتها آلاف اللّيالي، فهي لا تبدأ بنهار ولا ترتخي بسبات عندما يُسدل اللّيل ظلامه، إنّها أقحوانة لا تأبه من فرط ضجيجها لصمت القصور ولا تعتدل لزمنيّة الأديم لأنّها جزء من غياهب الزّمن، تقول “مشيت وفي منتصف الطريق وجدت نفسي في غابة مظلمة من حينها أدركت أنّه قد ضاع منّي معالم الطريق”34، وهي بذلك روح متحفزّة لا تأبى الاستقرار “تتحوّل على الدّوام”35، إنّها روح لا تعبؤ بالحياة “نجحت في الانتصار على الموت لكنّها لم تنجح في إدراك الخلود”36، وهي ذاتها أديبة عاشقة للرّواية “أنثى لا تحذق فنّ الحساب”، لتتحوّل هذه الرّوح الخالدة لذات متمردّة قادرة على تسيير خطى روائيّة متشعبّة، فهي لا تركن لضوابط تقليديّة للمكان ولا لمواقع الحياة الدّنيوية، بل نكتشف ذاتها من ذات صاحبة الكتاب في رؤية ميتافيزيقيّة تتعالى عن كلّ ما هو ماديّ رغم اعترافها بأنّها من رحم الأرض، لذا فقد قامت الإرادة الشعريّة والرّوائيّة بالفوز على رهان الموت لتعيش الشخصيّة الحالمة في عوالم متّسعة المدى لا تركن لزاوية ولا لقرار ولا لشرعيّة دنيويّة حتّى أنّها استغربت بعد أن استسلمت لحالة من النّكاح قائلة مستغربة “ويحك فالموتى لا ينكحون”37، فالموت هو حالة سرمديّة من الخلود لدى أمّ الزّين، وهو امتداد لمشهد دراميّ حكيم يُقيم مفاهيم الدّنيا ويتأمّل مرارة الواقع ويُفنّد ضلالة شعب وأهواءه وتبدّل طقوس البلاد المفاجئ ومتغيّراتها.
تطرح حيرة أقحوانة في آخر مطاف الرّواية تساؤلات الرّاوية بقولها “وهي لا تدري إن كانت ستزرع حلمًا أم لغمًا”38؟ وتستمّر ضبابيّة القول منذ بداية الرّواية “فهي لم تكن تدري، هل هي شخص أم ذات أم فرد”39؟ وهي في آخر المسار الرّوائيّ أمّ تلوم وتُؤنّب نفسها على التّقصير في رعاية أبنائها، وتتحدّث عن حبّها للقلم، وهنا تصبح المراوحة تراتبيّة واضحة المعالم بين أنثى تستبسل في عشق الكتابة وتُراوح بين أنوثتها وغنجها ووطنيتها وأمومتها وأدبها وثورتها، إنّها كلّ متكامل لا يتّصل بالواقع إنّما يتعالى حالما به وله.
المقال الخامس، قراءة في ألعوبان الزّمن ومستحدثات المكان:
الكتاب لا يتوانى عن المدّ بقدرة استثنائيّة في تحليل مظاهر الزّمن واستقراء تصاريف الأمور وتحليل بواطنها وتفسير مفاعلاتها، فأثر “جرحى السّماء” هو طرح يُعنى بتقديم حقبة زمنيّة آنيّة من تاريخ تونس في شكل رامز غير معيّن، وهذا نوع من الزّمن الحكائيّ الذّي لا يُحدّد تاريخا إلاّ في قولها “يوم 22 ماي 2011 يوم تأجّلت الانتخابات إلى ما بعد 24 يوليو”40، ثمّ إنّنا لا نجد علامة تُؤكّد زمنًا ثابتًا غير أنّنا في تونس ما بعد الثورة خاصّة في حديث خاصّ عن محمّد البوعزيزي عندما تقول عنه “يومها بدأ قصّته مع العربة ومع العالم برّمته”41، وهنا تقوم عودة الرّوح باستشراف واقع جديد في زمن متحرّك ثائر لا يأبى التّواني ولا الاستسلام، إنّه زمن آت “يعود فيه الإنسان رهطًا آخر لا شرقيًّا ولا غربيًّا، ولا هو مؤمن ولا كافر”42، لتطرح الكاتبة الإشكال الإيديولوجي المعاصر لهذه الفترة من ميعاد يولد فيه تونسيّ حرّ وصفته بالزّمن الكارثيّ “وحده سلّم رشتر لتوقيت الزّلازل قادر على قياس الزّمن الكارثيّ الذّي سقطوا فيه”43، وفي هذا نلمس حذر الرّاوية وخوفها ووجلها من هذا المارد السّاخط في زمن تُقلب المفاهيم رأسا على عقب، ويُفاجأ الجميع بزمنيّة زئبقيّة تتمدّد وتتقلّص حسب الظروف فلا تبيت على حراك ولا تستأنف ثباتا على موقف.
تمردّت أمّ الزّين على عبثيّة هذا الزّمن المارد وحاكت إيضاحا لما تعانيه من تقلّب المفاهيم والطغيان والتسّلط على شرعيّة المشرّع، واستنكرت أن تكون أهداف الثورة قد تحقّقت فعلاً؟ وغير بعيد عن حيرة الرّاوية التزمت أقحوانة بالبحث عن الحقيقة وطرحت جدالاً نفسيًّا ذاتيًّا بين الرُّوح والرُّوح، فهي “تتأرجح بين الموت والموت”44 في نزال شديد المسعى، تتوالد عبره مفاهيم أسميناها بقراءات تداوليّة لإيجاد معنًا للدّيموقراطيّة وصفتها بأنّها “لا تصلح إلاّ لشعب من الملائكة”45، وهي بذلك تُؤكّد أنّ تنفيذها في عصر تناطحت فيه الهمم وتصارعت النّفوس جعل الحوار أمرًا عقائديًّا بحتًا “أن اقتربت ساعة الديموقراطيّة فليتوضأ الجميع استعدادا لها”46، وأردفت أنّ أحدهم “بوسعه الاكتفاء بالتيمّم لأنّ الديموقراطيّة بالنّيات”47، وهنا تُضيف بلهجة ساخرة عند تقدير مفاعلات الاختيار وبأنّ الاحتكام لم يعد إلاّ بالارتهان لقاعدة عقائديّة، وأنّ اللّفظ في مجمله اكتسب معجمًا عقائديًّا في حين تحوّلت المفاهيم لمدّ مقدّس “لا لغط فيه ولا سهو”، وبذلك تحدّثت الكاتبة عن قرار شعب يسوده قانون الغاب، ويغيب عنه منطق التّمدّن، وهي تُسدي للموضوع آراء وضروبًا من الاستهزاء حيث تقول “جيء بصناديق الاقتراع محمّلة بديموقراطيّة بلاستيكيّة من جنس المطّاط المقوّى”48، غير أنّها تستدرك في حديثها عن طلاسمه بمرارة الألم في حديث عن عهد “باع الشعوب خلسة”49، واحتدّت لهجتها بتهنئة تُخبّئ عمقا استهزائيّا دفينا وتقول “مبارك على من انتصر انتخابيًّا وعلى من انهزم ثقافيًّا وعلى من انسحب سياسيًّا وعلى من صمت إراديًّا واعتباطيًّا”50، وفي الحديث حزن وألم كبيرين على شعب يتقدّم للتّصويت وهو لا يفهم ولا يعي خطورة المسألة، فسابقا الشعب “ناشد رئيسا بصوته وصمته”51، وهو لا يفرّق في مجمله “بين التّصفيق العلنيّ والصّمت السريّ”52، وهنا تكمن المعضلة حين تتحسّر أقحوانة ومن خلفها أمّ الزّين على مبيعات الأصوات بأبخس الأثمان فتقول “تجارة الأصوات على قدم وساق هذه الأيّام”53، وهي “تجارة مفضوحة عارية الوجه والساقين وأحيانا ملثمّة أو منقّبة أو حتّى محجبة”54، إنّها تطرح انهزام كرامة المواطن أمام إغراءات الأحزاب وتدعو بروحها العائمة لاستفاقة الآخر وتقول في ذلك “ثمّة من لا صوت له وثمّة من باع صوته بأبخس الأثمان وثمّة من خبّأ صوته للصّراخ في الشوارع القادمة”55.
كما تستنكر أقحوانة الصّراع بين الحداثة والتّقليد وبين الحاضر والغائب وتُقدّم معان لغويّة لتشرح “كيف نتّقي شرّ الاختلاف”56، وتُفسّرها على أنّها عائلة لغويّة واسعة الشّعاب “تضمّ بشكل عابث ونزق الخَلف والخُلف والخِـلف والخليفة والخلافة والاختلاف”57، وتأتي بتحليل هذه المفردات التّي تحوّلت لظواهر اجتماعيّة أخلّت ببنيان المجتمع وأطاحت بنُظمه وأقامت في عمقه اختلالاً هو في أصله سياسيّ محض، فتقول بألم حكيم أَدرك عينَ الدّاء “إنّي أشفق عليهم من أنفسهم”58 وتُذّكرنا بماهيّة التّعقل في قولها “إنّ العقل في حالة مدنيّة يُصبح مهيّأ ليُدرك أنّ حفظ الذّات لا يتمّ إلاّ داخل حفظ جماعيّ”59، لقد دعت الشّعب أن ينتجه وأن يتجلّى أمره وأن يُمعن ببصيرته الطريق وأن يستوضح الشّعاب ويُحسن المسير، فلا تقف الأمور في حيّز النّكران للهوّية، بل إنّها تنزف بالدّعاء والدّعوة “افتحوا سجون أنفسكم وتنّفسوا هواء الجبال… سيكبر فينا الياسمين يوما”60، إنّها حيرة الأديب المفعم بالوطنيّة الهازل بتعارض بصيص الأمل بين النّاس حتّى أنّها تنتقد وتستثير وفي نفس الحين تستنفر الصّمت وتستوجب ضوابط الاجتهاد المحرّك لشعب أصبحت تراه “مسرحا لفيحات الفظاعة والقبح… قابل للّعن والغلق… لا شيء يدعو فيه إلى الفرجة على مهزلة لا تضحك بقدر ما تُبكي… بل علينا أنّ نمرّ من النّقد إلى الفضح والشّتم”61، وتدعو الكاتبة ربّها قائلة “اللّهم ارحمنا من عذاب السّياسة ومن شرّ الصّحافة ومن سخط الخصاصة”62، وتتمنّى بلسان الشّعب “خبزا لبطن، وشغلا لابن، وحاسوبا لطفل، وجدرانا تحضننا قبل أن يحتضنا القبر”63، وتُناشد التُّونسيّ بلهجة متألمّة “أصبحت قادرا على أن تكون أفغانيا”64، وتتساءل في حيرة عن الهويّة كيف انتقلت الأماكن لقراءات مستحدثة، فالمسرح البلديّ تحوّل إلى مكان “ملعون مدنّس بالفنّ وشياطين المسرح ومآسيه وملاهيه وأفكاره الإحداثية”65، أمّا نزل أفريكا فقد أصبح تعريفه مكانا موبوءا بالخمرة والفرنكوفونيّة والتّوجهات التّقدميّة، في حين أنّ المكتبة الوطنيّة احترقت “هل احترقت المكتبة بأمر عبثيّ من بعض العقول التّي طال سباتها بين رفوف الكتاب”، وما لسائل إلاّ أن يستعيد ما تعنيه مأساة حرق في سقوط الحضارات العربيّة وتأثيرها على المستوى العلميّ والثقافيّ في تدمير مجهود العالمين من أهل الكتاب، نعم وا آسفاه على أمّة قدّمت ذخائرها الأدبيّة للحرق وتلاشت حروفها واندّثرت أوراقها وتاه فكرها، ثمّ ليس غريبا أن نجد في عالم الرّواية أملاك الأطفال قد صودرت؟
أنتج هذا المقال استقلاب للمفاهيم وإقبالا وإدبارا في نظم النّظريات المحدثة والأمّة المثقلة باجتهادات السّاسة، لتخلق في غضون الرّواية مساحات للموتى وامتدادات للمسوخ والأشباح وأطياف نرجسيّة وخيالات حالمة ورديّة، كلّها تمتدّ في قرار تحتشد فيه جنسيّات وأقاليم ووقائع استثنائيّة، حتّى أنّ البحر والجزيرة والصدفات والأخطبوط عناصر طغت على وجدان كاتبة، فنلمح عشق ذاتها لعالم البحر وهي أصيلة جزيرة قرقنة العائمة، كما يطغى على النّص الرّوائيّ مشاهد السّماء والهواء والعُلا، فأقحوانة بطلة “لم تكن تملك بساطًا ولا ركحًا ولا تلاعبًا بالأضواء ولا سقفًا غير السّماء”66، حتّى يُراودها حلم أمّ الزّين وهو نفس ميّت حيّ يستقي روحه من أمد سرمديّ واسع ووطنيته تونستها.
تكشف في ختام القول67 رواية “جرحى السّماء” لأمّ الزّين بنشيخة المسكيني عددا من نوازع المواطنة بقلب تونسيّ حرّ لنجد طالبة قسم الفلسفة، والثائرة بنفس الياسمين، والمناهضة بحكمة الفيلسوف، والرّومنسيّة الأنثى ذات العمق البريّ الفوضويّ بأدب الضّجيج، والتّأويليّة بتفسير متناقضات الحاضر، والواقعيّة بمنطق العدم والمثول، وهي محاولة أدبيّة لإشباع ظمإ تزرع الحلم وتقطف الأمانيّ، إنّها تخترق ضجيج الصّمت وتملأ خيالاتنا بأنين الوطنيّة المتألمّة، إنّها بحث في متاهة الانتقال والاستشراف من ظلمة الحال إلى استنارة احتماليّة للمستقبل.
أمّ الزّين الفيلسوف أضافت الكثير لأمّ الزّين الرّوائيّة، إنّها ثراء يُفضي له التّداول بين أنثى بيولوجيّة وامرأة حرّة، وبين الوجوديّة العابثة والمدنيّة المناضلة، وهي ذاتها تُصارع بتجدّد قيام المرجعيّات وأصولها والاستحداث ومشروعيّته، وهي ذاتها أمّ الزّين ضرب من حيرة فلسفيّة في حراك روائيّ يصهره منظور خاصّ، مجهول الهوّية لحدّ اكتشافه، وغامض يشدّك لاستطلاع بواطنه وفكّ طلاسمه.
أمّ الزّين ضمير عقلانيّ نابض بثورة شعب، وكشف لمحظور أنا الشّعب، واستجلاء للآخر على اختلافه، وتنظير في مستويات من محض الأنا الاستشرافيّة، إنّها تُقدّم استقراء فلسفيّا قادرا على إعطاء معنا لواقعنا، وتضفي ريزومات وأنفاس وفينومات ونومانات متحرّكة زادها في ذلك الأصل والعرق والهوّية، وباعها العقل والكوجيتو الثّائر من فرط الإنسانيّة، فتُساهم بفلسفة الرّواية في انصهار الأجواء الشعبيّة وفي العودة الماورائيّة لأصول اندثرت وقيم توالت قيمها، وتناور بالنّقد الهازل والتّقليد الضاحك وتقرأ المتناقضات وتبسط للرّواية مهدا يستعلي الحدث السياسيّ ويبحث عن إجابات للتّفسير العقليّ وتدعو لفهم منطق التّصعيد الشّعبيّ في غير مواقعه.
ذاتها المختّصة في الجماليّات تنظر مليًا في ثقافة سياسيّة حداثيّة وتُطوّع لها لغة عربيّة خالصة، إلاّ أنّ الإحساس الجماليّ شيء والتّفكير الجماليّ شيء آخر”68 فهي تُضيف بفعل العقل المحض ما يجعلها توُّظف الفلسفة في متناول قراء الرّواية، ثمّ إنّها تُقاوم دغمائيّة الإيديولوجيات والتّعصب الدّينيّ لتُرسي شرعيّة حقّ الاختلاف وضوابط جماعة الآل، لكنّها ليست محصورة في مساحة على الخطّ أو في مساحة أرضيّة جيوثقافيّة، إنّما تجتمع بالأنا والآخر والمختلف معًا في مسار “دمقرطة” الفكر وثقافة العقل وشعبيّة الحريّة.

الهوامش:

24 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 229
25 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 220
26 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 171
27 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 20
28 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 185
29 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 191
30 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 66
31 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 64
32 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 32
33 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 27
34 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 106
35 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 70
36 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 70
37 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 232
38 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 32
39 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 25
40 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 48
41 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 35
42 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 57
43 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 100
44 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 40
45 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 84
46 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 95
47 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 95
48 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 82
49 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 102
50 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 105
51 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 80
52 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 79
53 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 60
54 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 60
55 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 82
56 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 44
57 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 44
58 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 47
59 – السياسية في فلسفة باروخ سبينوزا، محمد سعد، ملتقى ابن خلدون للعلوم والفلسفة والأدب، مجلة رقميّة، بتاريخ 24-10-2009
60 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 52
61 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 61
62 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 132
63 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 131
64 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 146
65 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 148
66 – جرحى السّماء، أمّ الزّين بنشيخة المسكيني، صفحة 83
67- الكشف لغة في تعريفات الجرجاني هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقيّة وجودا وشهودا.
68 – علم الجمال، نايف بلوز، جامعة دمشق، الطبعة الثانية معتدلة، المطبعة التعاونية، دمشق، 1982، ضفحة 9.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق