كلود كاهون: لا وجود للثابت والوجه الواحد وجوه كثيرة / جوزف الحاج

رغم انضمامها إلى السورياليين إثر تعرفها على أندريه بريتون في 1932، ظلّ إسم كلود كاهون Claude Cahun (1894- 1954)، الكاتبة والمصوِّرة الفوتوغرافية، منسياً خارج التاريخ الأدبي الحديث. المراجع الكبرى التي تناولت السوريالية مرّت على اسمها بصمت، أما المراجع التي ذكرتها فقد تناولتها في مغالطات فاضحة. مع ظهور الدراسات الحديثة في ثمانينات القرن الماضي، التي تناولت دور المرأة في الحركة السوريالية، وخصوصاً دراسات وأبحاث فرنسوا لوبيرلييه، ومعرضي “متحف الفن الحديث” في مدينة نانت الفرنسية في 1994، و”متحف الفن المعاصر”- باريس (1995)، التي عرّفت الجمهور على أعمالها الفوتوغرافية، عاد هذا الإسم الإشكالي المستعار ليظهر من جديد، وتصبح صاحبته محور اهتمام حقيقي.

المعرض الحالي الذي يقام لأعمالها اليوم في صالة “جو دو بوم” الباريسية هو الأضخم والأهم (مستمر حتى الخامس والعشرين من أيلول القادم).

بدأت الكتابة والصور الأولى في 1912. نشرت “مشاهد ونظرات” في 1915. في العشرينات شاركت في عدد من المجلات والتقت هنري ميشو، ولعبت أدواراً مسرحية. في 1936 عرضت أعمالاً سوريالية. بين 1940- 1945 نشطت سياسياً ضد جيش الاحتلال النازي، فأوقفها الغستابو، وتحرّرت في الثامن من أيار 1948.

رائدة في مفهوم الجسد اليوم، وإعادة طرح مسائل التمثيل الذاتي والأنوثة والذكورة، لذلك استحق مسارها الفريد أن يُكتشف من جديد. هي لوسي شواب، ابنة شقيق الكاتب الرمزي الشهير مرسيل شواب. وُلدت في نانت من عائلة بورجوازية مثقفة، درست الأدب والفلسفة في جامعتي أوكسفورد والسوربون. بعدما انتحلت أسماء عدة مستعارة، أبقت على إسم كلود كاهون، الإسم المحايد، المؤنث والمذكّر في الوقت نفسه، والذي ينم عن إرادة واعية في خلط الهوية وتشويشها.

سيرة حياتها وإبداعاتها الأدبية والفنية تشهد على شخصية استثنائية، متحررة، على هامش التقاليد السائدة (الجنسية، الاجتماعية، الأخلاقية)، في عصر عاش ريادات طليعية وتقلبات في العادات. بين كل أعمالها الفوتوغرافية، صورها الشخصية هي التي أثارت كل هذا الضجيج والاهتمام بها. سعت طوال حياتها لتفكيك كل الكليشيهات المسبقة المرتبطة بالهوية مستخدمة صورتها الذاتية. أعادت خلق ذاتها من خلال الفوتوغرافيا عبر وقوفها أمام الكاميرا بحس أداء مسرحي متقدم، بزي نسائي، أو رجالي، أو بدور بطلة لا يمكن تصنيفها، بشعرها الطويل أو القصير، وحتى حليقة الرأس. تجد هذه التصرفات الخلاّقة المجددة امتداداتها في أعمالها التي تناولت تنسيقات لأغراض وفوتومونتاج سوف تعطي الأفضلية للخيالي والمتحوّل.

المعرض الحالي يأخذ في الاعتبار تعددية التأويلات التي أثارتها أعمالها منذ أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات – من خلال محاور عدة للقراءة، من صورها الذاتية التي توحي بالهوية المخرّبة وصولاً إلى تكويناتها السوريالية، واستعاراتها الإيروسية أو إقتحامها للسياسي، يشير كل ذلك إلى حداثة فنانة وريادتها في تمثيل الذات ومشهدية الأشياء الصامتة، تمكنت من التأثير في العديد من الممارسات الفنية الحالية.

مجموعة من صورها تعود إلى سنة 1913 وما بعدها حتى نهاية العشرينات، تضم عدداً من أعمالها الأساسية المهمة، والتي يتعلق موضوعها ببورتريه الفنانة نفسها، مركزة على التنكر بالأزياء ولعبة الأقنعة، وتنويعات عديدة حول الأنوثة والذكورة والأندروجينية واللاتمييز. تناولت الغموض والإشكالية الجنسية بوعي مثقف ومعالجة التقاليد والمعايير السائدة. في 1928، توصلت إلى الوقوف أمام الكاميرا برأسها الحليق، مرتدية ثياب السباحة، صورة أمامية وجانبية، مغطية وجهها باليدين، أو حتى متنكرة بزي رجالي فضفاض. بعض مشاهد هذه الحقبة تبدو سابقة لكل فنون الأداء المعاصرة.

عناوين المعرض:

“شاعرية الأشياء”: تجميعات الأشياء التي ظهرت في أعمالها لأول مرة في 1925، فرضت نوعاً من التمثيل الخلاّق الذي لم يكن قد استهلك بعد. سيلاقي هذا النوع اهتماماً أوسع أثناء “المعرض السوريالي”(1936)، ثم الطلب منها تصوير 36 لوحة فوتوغرافية لديوان الشاعرة ليز دوهارم، ” Le Coeur de Pic” الذي كتب مقدمته الشاعر بول إيلوار. كانت تلك اللوحات الفوتوغرافية عبارة عن مشهديات عابرة، ألتقطت وسط ديكورات طبيعية. كل مشهد مؤدى هو تكوين من عناصر غير متجانسة، عثرت عليها صدفة أو أعدتها بنفسها، مثل قطع الأثاث، الآنية الزجاجية، أدوات الخياطة، أغصان، عظام، حشرات، ريش، أزهار، قفازات، قطع من القماش، أحذية، أدوات متفرقة… مسرح الأشياء هذا، أو “دروس الأشياء” يشهد على مسار مزدوج، تشكيلي ورمزي، لخصته كلود كاهون في نص لها عنوانه “إحذر من الأشياء المنزلية”(1936).

“تحولات الهوية وتخريب الأنواع”: في الثلاثينات، مع استمرارها تناول الصورة الذاتية، وقفت عل مسافة من موضوع التنوع الجنسي وبنياته الاجتماعية والثقافية، لتأكيد مواقفها، والتنكّر والتجريب حول تأثيرات الازدواجية التي قادت العمل نحو الصور المركبة (فوتومونتاج) في نهاية العشرينات.

“إستعارات المتعة”: خلافاً لاستعراضية الجسد الأنثوي التي ميزت الأعمال الفوتوغرافية في تلك الحقبة، اختارت كلود كاهون الوضعية المخادعة و”الإيروسية المقنّعة”. بعض الصور الموحية بشكل خاص للعبة المتعمدة التي غذّتها باللذة، تجتمع كلها هنا، أكان ذلك في استعراض الجسد، في ملابساته المجازية (الآلهة الأسطورية، الزخرفات النباتية ذات الدلالات الشهوانية…)، أو تكوينات الأشياء التشبيهية. تمسّكت كاهون بإرجاع الشهوة إلى جوهرها وإلى إظهار بعدها الخيالي بوضوح.

“ما بيننا، كلود كاهون وسوزان ماليرب (مرسيل موور)”: لقطة كلود كاهون “ما بيننا”(1926) تحدّد مناخ هذا الجزء من العمل، الذي يستعيد بعض حالات العلاقة الحميمة والشراكة الفنية بين كلود وصديقتها التي التقتها في 1909، سوزان ماليرب التي اختارت بدورها إسماً إشكالياً مستعاراً هو مرسيل موور. عدد لا بأس به من الصور نفذته ماليرب تبعاً لتعليمات كلود. بورتريه ثنائية، من 1921، تُظهر هذا الثنائي، عبر موازاة مدهشة تبدو كاستعارة مقبولة لهن: علاقة عميقة وتواطؤ بين شخصيتين قويتين. الركيزة الأساسية لهذا العنوان، أربع صور مركبة (فوتومونتاج) تختصر “اعترافات لا يعوَّل عليها”- (1930)، العمل الأدبي الأكثر دلالة لها، حيث تتقاطع تيماتها الرئيسية واستعاراتها الكابوسية وصورها التي كانت ثمرة تعاون الفنانتين.

“لقاءات مختارة”: تستعيد كاهون في هذه المجموعة من البورتريهات صداقاتها، وبلوغ الفرديات التي فضّلتها والتي تأثرت بها، أو التي شعرت نحوها بتقارب شديد: هنري ميشو، روبير ديسنوس، أندريه بريتون، جاكلين لامبا، سوزان ماليرب وآخرون. صورتان من خشبة المسرح ومن عمل لبيار ألبير- بيرو تشهدان على اهتمامها البالغ بالمسرح ولعبة الأدوار.

“شعر وسياسة”: في الثلاثينات، مع ظهور الديكتاتوريات، عززت توجهها السياسي وانضمت إلى السورياليين، وإلى بعض تجمعات اليسار بجناحيه المعتدل والمتطرف. هذا التوجه واضح في مسارها الجمالي. في عملها النقدي “باريس المفتوحة”(1934)، برهنت عن القيمة والفعالية المدمّرة “للنضال غير المباشر”، وللتعبير الرمزي، خصوصاً عبر صنع بعض الأشياء التي تهدف إلى مزج دقيق للبعدين الشاعري بالسياسي. هذه الإخراجات المشهدية قادتها إلى مجموعتين كبيرتين من الصور الفوتوغرافية، حيث تتصدر السخرية والثورة والتحريض: “الدمية”، تلك الشخصية المصنوعة من ورق الصحف، “المسرح” تحت قبة بلورية، ودمية من الخشب محاطة بأشياء متفرقة…

“ما بعد المرئي. الصور الشخصية الأخيرة”: قراءة صور كلود كاهون تلمّح إلى مظاهر ما بعد المرئي، دلالات قابلة تسمح ببلوغ أكثر من واقع آخر، وربما ما هو بعد الموت. تقربها من الرمزية ومن المذاهب الشرقية، وتواطؤها مع السوريالية، تؤكدان ثبوتية أوليّة الخيالي والمتحوّل، التي تشهد عليها كل مسيرتها الثقافية والجمالية. المجموعة المعنونة “طريق القطط”(1949- 1953) تساؤل حول الواقع والمظاهر. القطة التي تدللها كاهون هي رمز الوسيط الذي يؤمن الاحتكاك الحدسي بين المرئي واللامرئي، يفتح عوالم حواسية، هي في نفس الوقت مجهولة ومألوفة.

بقيت وفيّة للأدب والفوتوغرافيا. زيادة على ذلك، لم يتطور فنّا كلود كاهون فقط بطريقة متوازية؛ خلافاً لما حصل مع باقي الفنانين السورياليين، أفسحت كاهون معانقة وامتزاج المكتوب بالمصوَّر. مثلما لاحظ أندريا أوبرهوبير أن “مسارها أسس للعبة مرايا أدت إلى حوار مستمر بين الفنون والوسائط: النصوص تحيل إلى الصور وبالعكس، يتداخلان وينسلان مثل دخلاء”. النص والصورة يقيمان علاقة، تريد لنفسها أحياناً أن تكون تأويلية ومتمِّمة، وهي من جهة أخرى تبرز من التباين والتنافر. “إعترافات لا يعوَّل عليها” يقدم المثل الوافي عن هذا التزاوج الفني. المكتوب والمصوّر امتزجا فيه، اختلط النص مع عشر صور مركَّبة نفّذتها بالإشتراك مع صديقتها “موور” (سوزان ماليرب). تضمَّن عملها المكتوب أنواعاً لا تجانس بينها. فهي مكونة من مختارات من رسائل وسرد أحلام وقصائد وأمثال وكتابات حميمة وأفكار وقصص قصيرة، لا رابط واضحاً بينها. أُعدَّت الصور المركَّبة من صور شخصية مختلفة مُقّطّعة ومرتبة على شكل النص: انتقائية، مجزأة، غامضة، غالباً ما يُنظر إليها باعتبارها مرتبطة بالنص: في عدد منها، خطّت كلود كاهون بيدها بضعة جمل، هي في الوقت نفسه ملتبسة وتمثّل الصور. طريقتا التعبير تلك مرتبطتان هنا بشكل حميمي، لكن يمكن القول إنه يصعب فهم كل منهما. إنها تعيد طرح أسئلة جديدة من دون أن تحمل أي أجوبة.

الفوتومونتاج كما مارسته كلود كاهون يتحول إلى ممارسة وسيطة. هناك مثلاً الصورة العاشرة حيث نرى في جهة اليسار صفين من الوجوه المتراكمة مأخوذة من صور ذاتية مختلفة، تخرج من نفس العنق. الوجوه كلها لكاهون، لكنها معالجة بمساحيق التجميل ومقنّعة بطرق متنوعة تجعلها غير متشابهة. حول هذا التجميع الغريب، كتبت: “تحت هذا القناع قناع آخر. لا أنتهي من نزع كل هذه الوجوه”. تختصر هذه الجملة كل عملها. تشهد هذه الوجوه على الهوية المجزأة، المكوَّنة فقط من الوجوه السطحية، حيث يصبح من الصعب العثور على “ذات” حقيقية وأصيلة. تيمة القناع موجودة في داخل كل هذه الإشكالية، إشكالية “اللاتحديد” والغموض. أداة تحوّل أساسية استعملتها كلود كاهون فأتاحت لها أن تتنكّر وأن تعيد اكتشاف ذاتها من جديد، وتظهير الهويات في تحوّلاتها المستمرة. يمكن أن تُخرج الوجوه بشكل بصري، عبر مكياجات وأزياء، أو بطريقة نصيّة، عن طريق مجالات مفرداتية، لكن أيضاً عن طريق صورة البديل المُلازم.

يحوِّل القناع عمل كاهون إلى حفلة تنكرية ولعبة مرايا مشوِّهة للنسب، حيث يكون من المستحيل مدّ خط واضح بين الحقيقة والخداع. تحولات الأجساد والوجوه هذه تثير، لدى القارئ كما المشاهد، إحساساً دائماً بالقلق والريبة: لا نعرف أبداً مع أي منهما نكون على صلة. هدف المسار الفني لكلود كاهون هو برهان على غياب الثابت، وزرع الشك بشأن تصنيف الهوية.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 4/9/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق