كلود ليفي ستروس: قرن كامل من معايشة حضارة “قابلة للاستنساخ ..مثل اللّفْتِ السكّريّ”

يمكن أن نعتبر، بعيدا عن أية مبالغة، أنّ الحدث الثقافيّ المميّز لما تبقّى من هذا الشهر، هو احتفاء الدوائر الثقافية والعلمية في العالم بالذكرى المائة لميلاد “كلود ليفي ستروس”.

الاحتفالات سيكون مركزها فرنسا أساسا، وانطلقت بعد بنشر المجلّد الأوّل من أعماله الكاملة ضمن سلسلة “الثريا ” les Pléiades وهو عمل تكريميّ لا يحظى به في فرنسا إلا الكلاسيكيّون، ولا يحظى به عادة إلا من فرضوا اعتراف العارفين، وهذه الطبعة المجلّدة الفاخرة المذهبة ذات التدقيق العلميّ، والتي توضع عادة في المكتبات العامّة وراء الزجاج هي تكريم فريد من نوعه… ومجلّة “نوفيل ابسرفتور” الفرنسية نشرت ملفّا منذ شهور واضعة صورة ستروس على غلافها مع عنوان الملفّ “مفكّر القرن “..

“ليفي ستروس” ذو تكوين فلسفيّ، حملته المصادفات إلى عالم الأمازون والى الأنتروبولوجيا والاثنولوجيا، ليرتبط اسمه بالمبحثين ارتباطا لن يمّحي من تاريخ العلوم، وأسهم إسهاما أساسيا في ظهور “البنيوية”، المذهب الذي غدا موضة الدراسات في شتّى المجالات، ولكنّه – ويا للمفارقة – بقي رغم ذلك محلّ سوء فهم، سيبلغ كلود ليفي ستروس مائة من العمر خلال أيّام .. “مائة عام من العزلة ” قال البعض مستعيرا عنوان “ماركيز” المعروف.. لأنّه عَبَرَ هذا القرن لا مباليا بأحداثه الكبيرة و”صرعاته” واختراعاته، إلا ما مسّه شخصيا، مثل “المحرقة” التي كانت تهدّده باعتبار أصوله، أو ما أثار غيظه على الحضارة الغربية التي لا يتردّد في التصريح بأنّها “مجرّد إجابة بين إجابات أخرى على الوضع الإنسانيّ.. لكنّها ليست بالتأكيد الإجابة الأفضل ” ولا يخفي امتعاضه من حضارة الإنسان الأبيض هذه، والتي ابتعدت فيها الحضارة عن كونها زهرة جميلة يانعة ينبغي احتضانها وحمايتها، وصارت فيه “قابلة للاستنساخ بالجملة مثل اللفت السكّريّ”، كما قال ..

” الأوان” إذ تسهم في إحياء هذه الذكرى بجملة من المقالات، فإنّها تؤكّد تقديرها للمفكّرين الذين أضافوا إلى الفكر الإنسانيّ.. وهذا لا يمكن أن يكون من باب المديح الخالص أو التقديس.. وكلّ فكرة تبقى دوما قابلة للتطوير آو للتجاوز أو حتى الدحض.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This