كمال عبد اللطيف

يخيّل إليّ أن الصعوبة التي يلاقيها المرء عند امتداح من يعرفهم بمحضرهم أكبر بكثير من تلك التي قد تعترضه إن هو حاول أن يعيب عليهم نقيصة، أو يأخذ عليهم مأخذا، أو يوجّه إليهم انتقادا. وبطبيعة الحال ما بالك إن كان من يعنيه الأمر يتأفّف هو نفسه من كلّ أشكال الاحتفاء والمدح والتكريم.

كمال عبد اللطيف، كما أعرفه وكما عرفته منذ أواسط الستينات، من هذا الصنف. لذا سأعفيه وأعفي نفسي من ذكر خصاله غير القليلة. غير أنّني لا أجد مفرّا، رغم ذلك، من الإشارة إلى إحداها، ربما لأنها غدت تعدّ من الخصال، ومن الخصال النادرة في عصرنا، وأعني إقباله القوي على الحياة: إقباله على العمل، وعلى المعرفة وعلى الآخرين، ذلك الإقبال الذي يتجلّى في الابتسامة التي لا تفارقه، وفي شغفه الذي لا يكلّ بمتابعة ما استجد في مجاليْ الفلسفة والأدب. (كمال من أساتذة الفلسفة النادرين الذين يتابعون الإبداع الأدبي)، وفي مثابرته الدؤوبة على الكتابة والإنتاج، وفي قدرته الجبّارة على خدمة الآخرين والتفاني في إسداء المعروف إليهم.

كمال طاقة حيوية نادرة. الأمر الذي جعله دائما قريبا من كثيرين، ضاما إلى جنبه أصدقاء قد يتعذّر على آخرين التأليف بينهم. كل ذلك بعيدا عن تصيّد مصلحة أو استهداف أغراض. لست أدري ما إذا كان هذا الوضع يعدّ اليوم فضيلة، إلا أنّ كمال لا أعداء له. وهو يذكّرني في ذلك بالمرحوم أحمد السطاتي. وربما يتجلّى هذا أكثر ما يتجلّى في علاقته بالسياسي، ولا أقول بالسياسة التي لا تكون من غير خصوم. استطاع كمال أن يشارك الطلبة نضالاتهم، والأساتذة تضحياتهم، والكتّاب أنشطتهم من غير خوض معارك ولا مجابهة خصوم. فكأنّما تمكّن دائما أن ينضوي من غير انضواء. وكثيرا ما كان يعبّر لي عن ذلك بنوع من السخرية قائلا:” نحن يساريون بصفة مطلقة”.

قلت إنّني عرفت الصديق كمال منذ أواسط الستينات. أعترف لكم أنّ هذه البداية هي مجرّد بداية مفترضة. إذ أنني في الحقيقة عاجز عن ضبط أوّل لقاء لي بكمال. وهذا الأمر يحدث لي مع ثلّة من المعارف الذين يتعذّر تحديد تاريخ التعرّف عليهم، والذين يوحون إليك أنك كنت دائما على معرفة بهم. كمال من هذه الطينة. والبداية المفترضة استخلصتها استخلاصا من ارتباطها مع حياتنا الجامعية طلبة وأساتذة. ننتمي، كمال وأنا، إلى ذلك الجيل الذي دخل كلية الآداب بالرباط طالبا بداية الستينات، ومدرّسا أواسط السبعينات، مع فروق بسيطة في عدد السنوات بطبيعة الحال، حتى نرضي كمال الذي كان يتشبّث، وربما لا يزال، بأن يظلّ هو دائما لا أقول أصغرنا سنا، وإنّما الأصغر بإطلاق.

عندما ولجنا الكلية كانت ما تزال فتيّة تصارع في جبهات متعددة لتؤكد وجهها المغربي تأطيرا وبرمجة ودراسات. وقد عشنا نحن جيل الستينات، لا أقول أشكالا من الانفصام، وإنما أشكالا من الازدواجيات وضروبا من التشتت، وأنواعا من التقسيمات. لا أشير فحسب إلى توزّعنا بين عدّة مجالات، وتلقّينا الدروس عن أساتذة تطوّعوا لتدريس ما لا يهتمّون به في تخصّصاتهم إن صحّ الحديث وقتها عن تخصّصات، وتوزّعنا نحن فيما بعد بين تخصّصات ومجالات مشتّتة مبعثرة، لا أشير إلى كلّ هذا فحسب، وإنّما أشير أساسا إلى ذلك التقسيم الذي ترسّخ في قسم الفلسفة بين فكر فلسفيّ من جهة، وفكر إسلامي، ثم فكر عربيّ معاصر من جهة أخرى.

لا يتعلّق الأمر هنا بتخصّصات يبرّرها توزيع مهامّ التدريس والدراسة، كأن يقسّم تدريس الفلسفة إلى منطق وفلسفة عامّة ثم فكر إسلامي وفكر عربي… بل بقارّات فكرية متمايزة بعضها عن بعض، مماثلة إلى حدّ ما لما كان يعرفه برنامج الدراسات في فرنسا من تمييز بين تاريخ للفلسفة وتاريخ للأفكار، هذا التاريخ الذي كان يشمل أولئك الكتّاب الذين لم يكونوا يجدون لهم مكانا في تاريخ الأدب ولا في تاريخ الفلسفة أمثال مونتيني وباسكال وفولتير وروسو، والذين انتظروا مدّة غير قصيرة كي يوليهم الفلاسفة عنايتهم شأن مونتيسكيو مع آلتوسير، وروسو مع دريدا، و باسكال مع بورديو..

الفصل الذي ترسّخ عندنا بين تلك القارّات الفكرية التي أشرت إليها ربّما كان أقوى. إذ أنّ الانتقال من حقل فكريّ إلى آخر لم يكن يعني فحسب استبدال موضوع الاهتمام، وإنّما الانتقال من طريقة في التفكير إلى أخرى، من طريقة في طرح الأسئلة إلى أخرى، من طريقة في التعامل مع التاريخ إلى أخرى. فبينما كان الباحث في حقل الفلسفة يسمح لنفسه بأن يحلّل ويراجع وينتقد وينتج الأسئلة ويولّد المفاهيم، كان الباحث في الحقول الأخرى غالبا ما يتحوّل إلى مجرّد مؤرّخ يرصد التيارات، ويثبت الاتجاهات، بل ويتوقّف أكثر مما ينبغي عند الوقائع التاريخية.

كانت نادرة تلك المحاولات التي سعت أن تعيد النظر في هذه التقسيمات وأن تحطّم الجدران الوهمية التي تفصل بين أطرافها وتَمد الجسور الواصلة بينها، اللهم ما حاول الأستاذ الجابري أن يقوم به في بعض دروسه وكتاباته، أو ما سعى إليه الأستاذ العروي في بعض تآليفه وخصوصا مفهوم العقل.

وربما لن أبالغ إذا قلت إنّ أهمّ إسهامات العزيز كمال عبد اللطيف في نظري هو أنه لم ينفكّ عن بذل مجهود كبير سواء في حلقات دروسه أو في مختلف كتاباته، انطلاقا من رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا حول سلامة موسى سنة 1980 في أن يفتح الفكر العربي المعاصر على الدرس الفلسفي، ويعيد النظر في مفهوماته خصوصا ما يتعلّق منها بالفلسفة السياسية، مبيّنا أنّ درس الفكر العربي هو أوّلا وقبل كلّ شيء، درس فلسفيّ منفتح ضمنا أو صراحة على مصادر الفكر الغربي، وأنّ تناوله بالتالي ينبغي أن يتحرّر من المركزية التراثية، ومن الهوس التأريخي، وألا يكتفي برصد التيارات وتعقب الاتجاهات، وإنّما ينبغي أوّلا وقبل كلّ شيء، أن يعاود النظر ويولّد الأسئلة وينتج المفهومات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق