كنعان مكية وحازم صاغية

 يناقش في هذا الحوار كل من الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية والكاتب والمثقف العراقي كنعان مكية واقع التوتاليتارية العربية وفق معطيات النبع (الأُصول) الذي تتدفق منه ثقافة الأفراد والمجموعات في العالم العربي، ويلقي الكاتبان الضوء على تلك العلاقة العضوية التي تربط الحكم التوتاليتاري -الحداثي – بمفاصل الحياة القبلية وثقافتها، كما يندرجان في مجمل الحوار إلى آليات تشكل التوتاليتارية وبيئاتها ومقوماتها والملامح التي تميز التوتاليتاريات العربية عن التوتاليتارية الأوروبية. وقد جرى هذا الحوار بين حازم ومكية حول التوتاليتارية في العام العربي (العراق وسوريا تحديداً) بعد سقوط نظام صدام حسين بعام واحد (2004) في مقهى من المقاهي اللندنية. وقد سبق لمكية أن اعتبر نظام حكم البعث في العراق توتاليتارياً في كتاب «جمهورية الخوف» في أواسط الثمانينات من القرن المنصرم، واختلف معه صاغية في ذلك حيث اعتبر أنّ التوتاليتارية ترتبط بالحداثة في الفكر الغربي، بينما كان نظام البعث في العراق، خليطاً من التوتاليتارية والاستبداد العشائري والعائلي. رغم مرور 9 سنوات على سقوط نظام صدام حسين والواقع المؤلم الذي خلفه نظام “الأسد” الشمولي في سوريا قبل سقوطه، إذا تبدو فيه القسوة الفعل الأول والأخير لعناصر الدولة الأكثر أمانة لآيديولوجيا البعث، وهم “الشبيحة”. يذكر بأن هذا الحوار ذو طابع فكريّ وتحليل، ولا يرتبط بالضرورة بالأحداث الراهنة في سوريا، إنّما فيه تنبّؤ بما يجري الآن وخاصة طبيعة النظام ونهايته والإنقسام المجتمعي.
هنا نص الحوار:
حازم : لنتحدث عن التوتاليتارية إذاً.
كنعان : توتاليتارية نظام حافظ الأسد ومقارنتها بتوتاليتارية صدام حسين.
حازم : كيف تناولنا نحن العرب التوتاليتارية، بمن في ذلك أنت؟ وفي عملك عن النصب التذكارية أيضاً. ليس صحيحاً القول بأنّ نظام حافظ الأسد توتاليتاري، أو شبه توتاليتاري، أنا آُفضّل أن أسمّيه ديكتاتوريا عسكريا.
كنعان :هو هذا السؤال، هل نظام حافظ الأسد توتاليتاري؟
حازم : أقرب إلى نظام الديكتاتورية العسكرية. إنما لو دققنا النظر في طبيعة هذه الأنظمة نرى انها قادرة على ضرب الماضي والحاضر والمستقبل، فهي تضرب الحاضر عن طريق نظامها القائم نفسه، وتضرب الماضي عبر تزوير التاريخ كما تشوّهه وتضعك أمام مشكلات في المستقبل حيث يصبح من الصعب إيجاد
حلول لها. مثلاً بشار الأسد : فهو إذا عمل على الانفتاح السياسي والليبرالي والديمقراطي، فسوف تضعف الدولة، وإذا بقي على نهج والده فتبقى البلاد تهترئ أكثر وأكثر وتضعف إقتصادياً وإجتماعياً. لا يوجد حلّ، انظر إلى العراق مثلاً، مع صدام كان كارثة وبدونه كارثة، لقد نما عدد من التناقضات والأحقاد في المجتمع من الصعب جداً..
كنعان : لما نأتي على موضوع التفاؤل، وهذا كما تعرف حديث طويل بيننا، ألا يمكن فتح صفحة جديدة، باب جديد مع ذهاب الأسد وذهاب صدام. موضوعياً هذا هو العائق الأول، صحيح تدهور الوضع وتفاقم، إنما إمكانية التغيير والجواب ليست سلبية دائماً، ممّا يعني أنّ الضريبة سوف تُدفع بهذه الطريقة أو تلك.
حازم : إنما، التغيير يجب أن يلازمه الفرح والابتسامة، عادةً التغيير هو عمل متفائل ومبتسم، جميع الثورات تدعو الشعوب إلى وعد، إنما الخلاص من الديكتاتورية والتوتاليتارية يؤدي إلى لملمة الجثث. يعني التغيير بالألم والمرارة. وتقول في أسوأ الأحوال : راح يموت أقلّ..
كنعان : في سوريا كما تعرف الأكثرية الساحقة من السكان هم السُنة، ويوجد بينهم الكثير من الآُصوليين، يعني بعد ثلاثين سنة من النظام شبه التوتاليتاري إذا أردت التسمية، ألا توجد قيادة سنية بديلة للوضع؟ هل سيبقى العلويون في السلطة؟
حازم : هذا النوع من الحروب الأهلية لا يحتاج إلى الإيمان ولا القيادة. على نحو آخر، المجتمع يحتاج إلى التعبئة والطرف الذي يقوم بعملية التعبئة السريعة يسيطر على كل شيء. حافظ الأسد على مدى ثلاثين سنة استطاع ان يفتت سوريا ويبقي الوضع رهينة بيد السلطة.
كنعان : أكثر من العراق؟
حازم : ليس أكثر من العراق، الشكل السوري يختلف عن الشكل العراقي، القمع فيه أقلّ، السيطرة على المرجع فيه أكثر. حافظ الأسد استولى على المراجع التي كانت تقليدياً سنية، عروبية وحدوية، تريد تحرير فلسطين، وخلق بالتالي وضعاً أكثر تعقيداً. الطرح العروبي في العراق تقليدياً كان سنياً ومرتبطاً بالدولة.
كنعان : يعني أنّ النظام لم ينجح في تعميم نفسه على المجتمع بشكل كلّيّ.
حازم : في حين  أنّ الشيعة عبر النجف بصورة خاصة، أنتجوا مراجع خاصة بهم، التمايز بينهم وبين كلام السنّة واضح هنا. في سوريا، يقدّم العلويون السنّة بصفتهم متخاذلين عروبياً.
كنعان : صدام حسين عمل على المسألة ذاتها في العراق، أخذ من الشيعة الرموز الخاصة بهم واعتمدها في سياساته.
حازم : أخذ هذا الشيء في العراق طابعاً أقلّ سياسية ممّا كان في سوريا، بمعنى ما، العروبة الشيعية هي عروبة تحرّر من الدولة الحديثة ونظامها، عروبة نسب، اعتداد بالشرف والكرامة والأخلاق، بالدم العربي. هذه الأشياء عند الشيعة وليس السنّة. عروبة السنّة مُسيّسة، يعني أنّ الشيعي يتباهى على السنّيّ بأنّه عربيّ أكثر منه كما يراه بأنّه “ملوّث” بالدماء التركية، في حين يريد السنّي في السياسة العمل على الوحدة (الوحدة العربية). الشيعيّ لا يريد الوحدة، إنّما صدام كان قادراً على تفتيت مراجع الشيعة ويأخذ منهم ما يعجبه. وكان يريد القول، أنتم أصل العرب، فتعالوا وادخلوا في آلة الآيديوبوجيا القومية. وهذا كان ماشياً ذات يوم في حزب البعث. فقوّة هذا الحزب بين الشيعة في البدايات، بحسب حنّا بطاطو، لم تكن أقلّ من قوّته بين السنّة.
كنعان : حنّا بطاطو كان مبالغاً في هذا الوصف التاريخي..
حازم : ولكن عندما انتقل البعثيون إلى مرحلة العسكرة، أصبح ثقل السنّة أكثر من ثقل الشيعة. فؤاد الركابي، طالب الشبيب، حازم جواد، سعدون حمادي، هاني الفكيكي،… كانت هذه الأسماء من القيادات الأساسية في حزب البعث وهي أسماء شيعية كما تعرف.
عموماً ، السؤال هو، كيف يمكن تناول التوتاليتارية على صعيد الثقافة والفنّ مع هذه الأنماط الموجودة في الثقافة المحلية، أقول هذا وفي ذهني بيت الأسد وكذلك بيت التكريتي؟
كنعان : اترك الحداثة جانباً ، النظام التوتاليتاري بسيط في تركيبته وليس نظاماً معقداً، ولا يحتاج تالياً إلى تلك الآلية المعقدة التي تعمل عليها (الاشتراكية -الديمقراطية). كي يعمل النظام التوتاليتاري لا يحتاج إلى السفسطة. هتلر لم يكن سفسطائياً ولا ستالين، يعني أنّه نظام ينحو ويتبلور من طبيعة داخلية موجودة ولا يحتاج إلى تنظيرات داخلية معقدة.
حازم : ولكن يحتاج إلى الإتفاق على أخذ البعض من أوجه الحداثة، يعني ليست السجون والتعذيب فقط، الاهتمام ببناء الحزب والنظام التعليمي…إلخ
كنعان : هذا ما كان محلّ الاهتمام في سوريا والعراق. لم تكن العائلة متناقضة مع تلك الأشياء. وهذه حالة مهمة ويجب الانتباه إليها. فحكم صدام مثلاً، كان عائلياً وغير عائلي في وقت واحد. كان يقمع في عائلته ويأتي بأناس من خارج العائلة أحياناً، ولكن في السنوات الأخيرة من حكمه اعتمد على العائلة أكثر فأكثر. إنما المهمّ هنا هو أنّ النظام العراقي قبل خوضه الحروب التي أشعلها، أي قبل عام 1985، كان في مرحلة توتاليتارية تامة. وهذه المرحلة كانت مهمة إذ سيطرت فيها الأجهزة الأمنية على الجيش . ففي النظام التوتاليتاري تسيطر الشرطة والمخابرات على الجيش والمؤسسات الأخرى وهذا كان موجوداً في العراق. وأنا قمت بتقيم ذلك الوضع في كتاب “جمهورية الخوف” بالأرقام وكيف كانت السلطة تُمارَس. وكان أولاده صغاراً في تلك الفترة ولم يظهروا في المشهد السياسي، يعني الحكم لم يكن عائلياً.
حازم : آه، طبعاً، بالتأكيد، أيّ نظام توتاليتاري أو حتى ديكتاتوري عسكري يتجاوز حكم العائلة. إنما هناك شيء نظري مهمّ جداً، في بلد مثل ألمانيا اخترعت التوتاليتارية اسطورة العائلة داخل المجتمع، بينما في بلداننا العائلة موجودة، العشيرة موجودة، ولذلك لا يوجد تفكير عنصري أو التنظير فيه. ذاك أنّ القبيلة موجودة أساساً.
كنعان : يعني لم أعد أفهمك كثيراً، أنت تنظّر عن شيء آخر
حازم : أنا أتحدث عن شكل خاص للتوتاليتارية في المجتمعات غير الأوروبية، تحديداً، أقصد أنّ “هنه آرندت” ليست مفيدة هنا كثيرا ولا تقدم مادة غنية عن هذه الحالة القبلية.
كنعان : هنه آرندت، نظّرت في كلمة “القبلية” وأدخلتها إلى مفهوم “القومانية”، ففي الغرب أخذوا مفهوم القبيلة وأدخلوه في الآيديولوجيا القومية. في الشرق ورغم وجود القبيلة فيه، حدث الشيء ذاته، إنما بطريقة مختلفة عمّا تمّ اعتماده في التوتاليتاريات الغربية، ولا تنس الفرق بين القبيلة المذهبية والقبيلة التي تحدثت عنها آرنت. في الحالة الهندية مثلاً لا تلغي كراهية قبيلة لأُخرى الوجود المختلف.
حازم : القبيلة في أوروبا هي حالة ذهنية أكثر مما هي واقعية، يعني أنّها عودة روحية للقبيلة، أو تحويلها إلى فكرة يتم فيها إرجاع العالم إلى ما قبل الحداثة.
كنعان : وهذا هو الشيء المخيف، فبين القبيلة في القرن التاسع عشر وبين القبيلة اليوم لا يوجد اتّصال. الظاهرة الجديدة في الغرب تعتمد وسائل اتّصال لم تكن موجودة في القرن التاسع عشر.
حازم : الحالة تختلف لدينا، ذاك أنّنا نربط القبيلة الجديدة عندنا بالقبيلة الموجودة قبل 800 سنة، بينما كان هتلر يربطها (بجهاز دعاية). وفي حالة كلّ من نظامي حافظ الأسد وصدام حسين كان التعامل واقعياً مع العصبية بالمقارنة مع الحالة الذهنية لدى هتلر .
كنعان : ولكن لا تنس، العصبية في التوتاليتاريات العربية هي عصبية عربية.
حازم :على صعيد الخطاب لم يخاطاب هتلر جمهوره بــ “الإخوان”، بل الرفاق، بينما عندنا يُخاطب الجمهور بالإخوان. نحن لسنا بحاجة إلى جهد كبير لتحريك البنى القديمة في المخيّلة، بينما كان هتلر بحاجة إلى جهد ضخم لتحريك القاع الميت، لكنّ الأهمّ من ذلك أنّه يمكن أن يكون الحزب حديثاً في ألمانيا أكثر ممّا هو عندنا. فمستويات الحداثة في االحزب النازي أكثر بكثير من مستويات الحداثة في الأحزاب عندنا، وهكذا بالنسبة لاستخدام الآلة الحديثة داخل الحزب الحديث.
كنعان : وهذا يرتبط بالتطوّر الصناعي عندهم..
حازم : وهذا مهمّ جدّاً..
كنعان : المخاوف تجاه ما تطرحه هي أنّ النظام العصبيّ المذهبيّ عندنا لا يتغيّر بوجهة نظرك، وأنا أراه يتغير، مثل الحركات الدينية التي لم تعد نفس الحركات الدينية القديمة، فهي في صبغة جديدة اليوم، مرّة بإسم القومية العربية وآُخرى بإسم الدين، فهي بالتالي عصبيات جديدة.
حازم : أنا لا أقول بأنّها قديمة، إنما قادرة على العودة إلى القديم. لنأخذ مثال ظاهرة التماثيل ولا أقصد التماثيل المادية فقط، بل التماثيل كذهنية. فالحزب في العالم العربي قادر أن يمدّ يده إلى التماثيل القديمة بسهولة. ذاك أنّ المجتمعات تعيش في القديم (المتنبي لا يزال قائما فنياً)، لم تعد هذه الظاهرة موجودة في الغرب، وأصبحت ألمانيا تعبّر عن توتاليتاريتها بأشكال حداثية أكثر وهي كانت منظمة أكثر.
كنعان : هل يمكن أن تحدّد الأشياء التي لا تتغيّر في ظاهرة التوتاليتاريات العربية بالمقارنة مع التوتاليتاريات الغربية؟
حازم : يتغير كل شيء، إنّما هناك دروب مغلقة، تصل أحياناً إلى مرحلة تصطدم بها وترجع إلى الوراء وتستأنفها مرة أخرى. وتختلف هذه القصة في الحالة الأوروبية، ذاك انها ترى نفسها في مرآتها. بينما نحن نرى أنفسنا في المرآة الأوروبية وفي مرآة القديم أيضاً، القصة “مشربكة”.
كنعان : لنرجع إلى التوتاليتاريات عندنا (في سوريا والعراق)، وهذه الفروقات التي تتحدث عنها. أنت قلت بأن النظام التوتاليتاري في سوريا فتّت المجتمع وقطع أوصال الروابط الاجتماعية. إذاً، كيف يمكن أن يجمع هذا النظام هذه الفتات، أيّ قانون يجمعها؟
حازم : لنأخذ كتاب “جمهورية الخوف” مثلاً، أنت نفيت الفساد عن صدام حسين، ذاك أنّه مولع بالتاريخ. وأنت استعرت هنا صورة غربية، فهتلر كان مولعا بالتاريخ، ستالين أيضاً، ما أقصده هو انك غيّبت الجانب الطائفي، الجانب المحلي في الموضوع، واعتمدت نسخ التوتاليتاريات الحديثة.
كنعان : على الصعيد الأخلاقي ما تقوله صحيح، إنما على صعيد الذكاء…
حازم : الفرق بيني وبينك هو أنّك تعمل على الحداثة فقط، انت تفترض بأنّ التوتاليتارية تُكيّف المجتمع وهو أيضاً تأثير الحداثة الغربية. إنما المجتمع يّكيّف التوتاليتارية أيضاً. لم يكن لدى هتلر مشكلة العائلة والمذهب، والمشكلات الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت كانت قد حُلّت في المانيا. بينما في العراق تختلف المشكلة وتتغلغل الطائفية والمذهبية في كل شيء وتؤثر على كل شيء بأكثر من طريقة ودون الوعي بها. والنظام ميّال تحت هذا التأثير اللاواعي للاعتماد على الروابط العائلية، ذاك أنّ مؤسسة الأخوّة وأبناء العمومة لا تزال قائمة، بينما لم تعد قائمة في ألمانيا.
كنعان : أخرجني من هذا المأزق، فإذا صدام وقسوته خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة وجميع الحروب التي مرّ بها العراق، لم يخرج المجتمع من العصبية والمذهبية، ماذا نعمل؟
حازم : المشكلة هي أنّنا لا نعرف مَن هم إخوة هتلر وستالين وأبناء عمومتهما، بينما اعتمدت التوتاليتارية عندنا على الإخوة وأبناء العمومة.
كنعان : ولكن ستالين اعتمد على الجورجيين..
حازم : اعتمد على الجورجيين، إنما لم يعتمد العائلة وأتلف كل حركة جورجية، وصدام لم يضرب تكريت (طبعاً لم يكن هناك حركة تكريتية)، على العكس نمّى التكريتية، نما شيء مع صدام إسمه التكريتي، فأنا لم أسمع بالتكريتي قبل صدام مع أنه اعتمد أسماء العائلات الصغرى.
كنعان : هذا فُرض على صدام، ذاك أنّ أصله من تكريت..
حازم : ولكنّ ستالين ضرب كلّ شيء فيه ملمح حركة قومية جورجية رغم استعانته بالجورجيين…
كنعان : هناك فرق في الحالة العراقية في أوج النظام التوتاليتاري البعثي، فبعد حرب الخليج الثانية حيث اضمحلّت توتاليتاريته، وأنا كتبت هذا في مقدمة الطبعة الجديدة من “جمهورية الخوف”. وكانت وجهة نظري هي أنّ النظام الذي وصفته في “جمهورية الخوف” لم يكن موجوداً، لقد تغيّر وراح. النظام الذي كان يقتل منهجياً، أصبح يقطع الأيدي والآذان ويشم الناس على جبينهم ورؤوسهم. إنه ضعف نهائياً والتجأ إلى هذا الاسلوب من العقاب، والظاهر أنّ التوتاليتارية ضعفت وتحوّلت من شيء إلى شيء آخر مختلف تماماً. لقد جاء هذا التغيير ليس عن طريق ثورة أو شيء مماثل، بل بسبب التغيّرات التي حصلت في البلاد بسبب حرب الخليج الثانية، كما ان ثلث البلاد (كردستان ) أصبح تحت سيطرة الأكراد ولم تعد السيطرة على الجنوب كما كانت في السابق. تالياً، لم تعد هناك سيطرة مطلقة على البلاد وصار النظام يشبه نظام الحكم في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى.
حازم :هنا يظهر شكل آخر من التمييز بين التوتاليتاريات الغربية وغير الغربية. الأولى تنشأ وتهزم وتنهار وليست لديها خطوط رجعة، فلو افترضنا سقوط الستالينية حينها، لم يكن وارداً استعانة ستالين بالجورجيين ولا نعرف إذا استعان هتلر بأحد قبل سقوط نظامه.
كنعان : أتفق معك بهذا..
حازم : لم ينكفىء هتلر إلى موقع عائلي أو رابط الدم والقرابة في حين أنّ التوتاليتاريات العربية، شبه التوتاليتارية إن شئت التسمية الأدقّ، فكانت تعمل على خطين، تُنمي النزعة المحلية من جانب و تهيمن على البلد من جانب آخر. في سوريا تأخذ اللاذقية وجوارها الريفي، إنما تبني في ذات الوقت سوريا توتاليتارية، وتنمي عناصر الولاء “المحلي” وهي القاعدة الأساسية بحيث إذا انهارت التجربة التوتاليتارية في المركز فإنّ لديك اللاذقية وتكريت، لديك قاعدتك وترجع لك. هذا التوجه موجود لدى حافظ الأسد وموجود لدى صدام حسين.
كنعان : لا أتفق معك في هذا، ذاك أنّ انهيار النظام التوتاليتاري بطبيعته هو انهيار كامل.
حازم : التوتاليتارية، منظور لها في أوروبا بمنظار الدولة، أي أنّ الدولة تساوي المجتمع وتسيطر عليه أيضاً. إنّما في مجتمعاتنا هناك الدولة، وهناك “الأهل”. في سوريا والعراق الحاكم توتاليتاري ولكن حين يحاصَر لسبب أو آخر يهرب إلى منطقته ويلعب اللعبة الأهلية ويطرح بالتالي مشكلة كبيرة على قانون الدولة وقد يطرح مشكلة حرب أهلية. هذه لم تكن واردة لدى هتلر. إلى أين يذهب هتلر، النمسا مثلاً، هو أصلاً شخص مقتلع. ستالين أيضاًّ؛ أيذهب إلى جورجيا؟ أمّا صدام وحافظ الأسد فيذهبان إلى تكريت واللاذقية، هناك بنى موجودة لهما، هناك الطائفة والجماعة والمنطقة الجغرافية التابعة لهما.
كنعان : يعني لم يتغير شيء، لا تنس؛ الإتحاد السوفياتي تغير تدريجياً ولم ينهر كما حدث لألمانيا، هناك بين تاريخ الإنهيار في 1989 وبين الفترة الكلاسيكية التوتاليتارية عقود من الزمن وكان هناك تالياً اضمحلال مستمرّ مع انفتاح تدريجي بسيط. كان هذا ممكناً في سوريا، إنما العراق شيء مختلف… 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق