كنيسة أطفيح.. قضية كل المصريين / مشيرة خطاب

فى ميدان التحرير، ومع ثورة ٢٥ يناير، أعاد المصريون اكتشاف أنفسهم. الثورة التى فجرها الشباب أشاعت الفخر فى نفس كل مصرى. مشهد الملايين التى تتحرك فى سلام، وضع مصر فى مصاف الدول الديمقراطية المتحضرة. مشهد بدد الشعور بالتهميش والخوف الذى استقر داخل نفوس المصريين لعقود طويلة. تنظيم الشباب للثورة وقيادته لها ردا لهم الاعتبار وهم أكبر وأقوى شريحة من أهل مصر. وانتقل الشباب من الظل إلى صدارة المشهد بحركة ثورية ألهمت العالم أجمع، وعلى الأخص الدول والمجتمعات التى لها تراث ديمقراطى عريق.

 

 تجلت قوة الشباب عندما حشد مختلف طوائف المجتمع خلفه، فخرج الرجال والنساء جنبا إلى جنب، وخرج المسلمون والأقباط فى وحدة وتماسك رائع، كان الأقباط يحمون المسلمين وقت صلاة الجمعة، والمسلمون يحمون الأقباط فى صلاة الأحد، استعاد الأقباط والمسلمون شعارات أصيلة وجميلة «يحيا الهلال مع الصليب»، اكتشفوا سويا أن ما يجمعهم هو أكثر بكثير مما يفرقهم، اكتشفوا أيضا أن كثيرا من السياسات الأمنية الخاطئة كانت مسؤولة بشكل أساسى عن الفتن الطائفية البغيضة التى انتشرت فى البلاد فى الحقبة الأخيرة. وكان فخرنا كبيراً بأن مصر طيلة أيام الثورة لم تشهد حادثاً واحداً لفتنة طائفية، وأن هناك شرعية جديدة ولدتها الثورة ضد الطائفية والتمييز وتدعم اندماج المصريين معاً من أجل الحرية والعدالة.

 

شعور بالثقة والارتياح تولد لدينا بأن ملف الفتنة الطائفية البغيض انتهى إلى الأبد، وأن ثورة ثقافية واجتماعية حقيقية ضد جميع مظاهر التمييز سوف تجمعنا فى الفترة المقبلة على هدف واحد «لا لجميع مظاهر التمييز فى المجتمع المصرى»، إلا أن هذا الارتياح سرعان ما بدده قلق بالغ عندما تعرضت كنيسة أطفيح بحلوان للحرق والتدمير، وما تلا ذلك من روايات رأيناها على شاشات التليفزيون.

 

وأعترف بأننى كنت دائماً أشعر بالقلق، وأعى أن أخطر ما يهدد مصر هو محاولات بث الوقيعة بين مسلميها وأقباطها، ولطالما طالبت باتخاذ إجراءات جذرية لقتل هذه المحاولات. إن الخطوة الأولى نحو ذلك هى المناقشة الواعية والصريحة لمظاهر التمييز الثقافى والدينى والاجتماعى والجنسى التى أخذت تتزايد بشكل كبير فى المجتمع المصرى فى الحقب الأربع الماضية. هذا المجتمع الذى عرف عبر التاريخ بثقافته المتسامحة وقبوله للتعددية بمختلف صورها. إن تبعات الفتنة الطائفية الآن ستكون أشد وطأة وخطورة على المجتمع أمنيا وسياسيا واقتصاديا، ذلك لأنها سوف تفوق فى تكلفتها حالة العصيان المدنى والمطالب الفئوية التى تعطل عجلة الإنتاج وتشل الاقتصاد الوطنى.

 

وبقدر حزنى الشديد لحادثة كنيسة أطفيح الأليمة بقدر سعادتى وأنا أرى الأقباط والمسلمين يتظاهرون سويا أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون من أجل كشف حقيقة هذه الحادثة وعلاجها بشكل جذرى وليس جزئى.

 

لقد أدى اعتماد الحل الأمنى كاستراتيجية وحيدة لعلاج أحداث الفتنة الطائفية فى الفترات السابقة إلى مزيد من التعقيدات والإشكاليات، وعليه لابد أن نبدأ من الآن فى اعتماد استراتيجية اجتماعية وثقافية وتعليمية وأمنية شاملة لعلاج مثل هذه التوترات، وهو ما طالبنا به منذ وقت طويل، ونريد أن ننفذه بشكل جدى وحقيقى.

 

وربما يكون السؤال المنطقى هو: من أين نبدأ؟ نقطة البداية التى يجب أن ننطلق منها هى: أولاً: اعتماد الشفافية الكاملة كمبدأ أصيل فى التعامل مع مثل هذه الأحداث، وذلك بالكشف عن المعلومات والحقائق حول هذه الحادثة. ثانياً: تكوين لجنة مدنية تضم شخصيات عامة لها احترامها وتقديرها من جموع المصريين ولديها الخبرة والرصيد المعرفى والسياسى بالأبعاد المختلفة لهذا الملف. ثالثا: التحرك السريع إلى موقع الحدث «قرية أطفيح» لرصد حقيقة ما جرى وتقديمه بكل تفاصيله إلى الرأى العام والحكومة، بما يمكّنهما من اتخاذ التدابير الكلية والشاملة لعلاج مثل هذه الفتن البغيضة بشكل جذرى وفى إطار سياسات ثقافية ومجتمعية وأمنية شاملة.

 

فى تقديرى أننا فى حاجة ملحة إلى آلية رصد مدنية مستمرة، قادرة على مسح بؤر التوتر الدينى فى جميع المحافظات والقرى، وتقدير درجة الخطورة فى كل منها وتقديم مبادرات عملية تعتمد على المشاركة الشعبية القاعدية وليس الحلول الفوقية، وحسم المشاكل العالقة منذ سنوات وتكوين أطر للعمل المدنى المشترك بين المصريين جميعا، لتجنب مثل هذه الأحداث قبل وقوعها.

 

إن حالة المصارحة والمكاشفة التى تعيشها مصر الآن توجب علينا أن نعترف بمظاهر التمييز فى المجتمع المصرى بجميع أشكاله، ومنها التمييز ضد المرأة والفتاة الصغيرة، والتمييز الاجتماعى ضد بعض الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً، والتمييز ضد الأطفال على أساس اجتماعى أو جنسى أو دينى، أو على مركز الوالدين، والتمييز ضد المختلف الدينى والثقافى والسياسى. وعلينا أن نعترف بأن المجتمع قد بات يضيق بالتنوع، وأن مساحات التسامح وقبول الاختلاف تقل بشكل مستمر، مما أدى إلى تصاعد أشكال مختلفة من التعصب والتمييز فى المجال العام فى المدرسة والشارع وأماكن العمل.

 

إن كفالة حق كل مواطن فى التمتع بحقوقه كاملة دون تمييز لن تتأتى بترديد الشعارات، بل بدراسة متعمقة ومتأنية للأسباب. وعلينا أن نبدأ بدراسة ما تعرض له المجتمع المصرى عبر عقود متتالية من الثقافة الدينية السلفية المتشددة، التى تسربت إلى مناهج التعليم والإعلام والثقافة، وغيرت عقلية ومزاج الإنسان المصرى، ليصبح أكثر قبولاً للأفكار المتشددة، وليصبح صوت الاعتدال والوسطية خافتا، كما يتعين علينا متابعة المدرس المتعصب فكريا ودينيا، والذى أصبح عقبة كؤوداً أمام إيصال النهج المعتدل إلى تلاميذه. وللحديث بقية.

 

عن جريدة المصري اليوم 9/3/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق