كوجيتو الثورة



أيّ مجتمع لم يجد بعد مفاهيمه الجذريّة “الثّورة، التمرّد، الجنون، العصيان” هو ليس أكثر من مكان مفتوح على خارج لا داخل له. هذا يصحّ بشكل خاص على الأقطار العربيّة.

وحدها ثورات الشّباب العربي هي أملنا الوحيد في اجتراح مدوّنة جذريّة للعقل العربي، مدوّنة لطالما اعتُبرت ضرباً من اليوتوبيا.

 ***

بلا ثورة، دهشة، مباغتة، ذهول، ليس ثمّة أيضاً وجود ولا قدرة ولا روح ولا تاريخ. فقط الفعل الثّوري الآن هو الفعل الضّروري. إنّ شعباً لا حاجة له في ثورة عميقة وجذريّة هو شعب لا حاجة إليه، بل إنّ شعباً بلا ثورة ليس شيئاً آخر سوى شعب بلا حساسيّة وبلا أفق، إنّه كثافة عدديّة من الأجسام المتنفّسة، سهلة الانقياد وسهلة الانسياق.  ***

عندما يثور شعب، فإنّه يقدّم دليلاً إضافياً على أن على هذه الأرض ما تستحقّ الحياة.

 ***

إلى جانب ما يمكن وصفه بالتّشاؤم والقلق، فإنّنا نعثر على مرح غريب في الثّورة، بهجة وفرح لا يمكن تفسيرهما، يعود سبب ذلك في رأيي إلى حماقة الشّباب الإيجابيّة، إنّها حماقة حيويّة، نشطة، متكثّرة، متدفّقة، تقف ما وراء الحلال والحرام، وما وراء الخير والشر… إنّها حماقة أن نكون، إنّها الشّجاعة من أجل الوجود الذي تحدّث عنها بول تيليش ذات مرّة.

  *** 

الثّورة لا معنى لها، ومع ذلك ينبغي أن نثور: هذا التّناقض يبدو للوهلة الأولى مضحكاً ولكنّه للإنصاف يشكّل جوهر وجودنا نفسه.

 ***

إرادة حياة، تتولّد عن الصّدام بين اللامعقول والحلم: هؤلاء هم الأبطال الثّلاثة لكل ثورة ولكلّ وجود ولكل نصّ أيضاً. 

لماذا نثور؟ ما جدوى أن نثور؟ ماذا يعني أن نثور؟ هي أسئلة مجتمع محبط أو مريض، إنّ شعباً لا يمتلك ثورة، أو لا يفكّر فيها على الأقل، ليس عنده شيء، ولا حاجة لأن يريد وأن يفكّر وأن يكون، إنّه خارج السّباق العقلي للبشريّة.

 ***

لا تغدو الثّورة انجازاً تاريخيّاً، إلا حين تمتلك القدرة الدّائمة على وضع من يثور موضع ثورة، كذلك لا تغدو الثورة أصيلة، إلا إذا غيّرت أفق تفكيرنا، فنحن يجب أن لا نثور فقط على ما نعرف وإنّما كذلك على ما لا نعرف.

 ***  

يخطئ من يظنّ بأنّ الثورة هي فقط دم يُراق أو خراب يعمّ، فالثورة مَصهَر حقيقي للإنسان فيه يكون وفيه يتخلق ويوجد، إنّها توتّر وجودي تتحطم عبره البنية التقليديّة للعلاقة بين الذات والعالم، وتُصاغ من خلاله ملامح جديدة لعلاقة العقل بالواقع، تتحرّر عبره الأنا من الرّقابة المرضيّة للعقل النظري، وتنصرف إلى المحسوس “إلى المعيش”، أي إلى الأشياء والكائنات في كثافتها، في دمها ولحمها، إنّها تعود إلى البيوت، والشوارع والأزقة، قريباً من المخلوقات وقريباً من همومهم، حيث يشف الكائن وتشف الأشياء وقلوب النّاس أيضاً.

  ***

لأنّ الثّورة هي شيء نصنعه بأنفسنا، فإنّها لا تهب نفسها دفعة واحدة، بل إنّ وجوهها تُعطى لنا بالتّوالي.

  ***

بعد تجربة ثوريّة معقدة وقاسية، نرتد إلى الحياة ولا نعود إليها، لأنّنا أصبحنا مثقلين بالعبء الذي أضطلع به وعينا الجديد، ولكن السّؤال: هل كانت الثّورة ضرباً من “اليقظة النهائيّة”؟ عبر الإجابة عن هذا التساؤل يتحدد عندئذٍ نجاح الثورة من عدمه، ويتبيّن ربيع المجتمعات من شتائها.

  ***

الثورة بكلمة واحدة: ليست ما هي عليه، بل إنها ما ليست إياه بعد.

 ***

تغدو الثورة خلاصاً حينما يضيع كل شيء في حياتنا وتذهب كل الطموحات أدراج الرّياح، عن طريق الثورة نعبر عن تجربة كوننا نعيش من أجل شيء ما… لسبب ما… تخلّصنا الثّورة من ضيق مصيرنا وتفتح أمامنا ما يمكن أن أسميه رحابة الوجود، إنّ الثورة بهذا المعنى ضرب من “الآدمية الجديدة” حيث تعيد المجتمعات رؤية الأشياء من جديد، وكأنّها تراها للمرّة الأولى.

 ***

 أنّ نثور أو نتمرّد، تلك ربما هي أمثل طريقة كي لا نندم على وجودنا، أو كي لا نقف مشدوهين أمام فضيحة المستقبل.

   *** 

عندما نمتلك قدرة الثورة، على أنفسنا وعلى كل ما يحيط بنا، نتأنسن، نتشخصن، نتفردن، نتحول من كثرة عددية إلى صيغة حيوية، فمن يستطيع الثورة على نفسه وعلى كل ما يحيط به، لا بد وأن يكون آدمياً أصيلاً.

 ***

ليست الثّورة في حدّ ذاتها فعلاً نبيلاً، لكن النّبيل هو ما تتطلبه الثورة وتتأسّس عليه.

  ***

مع أنّ الثورة لا تشكل عالماً شفافاً، إلا أنّها تشكل عالماً مستقلاً، إنّها تجبرنا على الانفلات من هذا العالم الآسن، عبر تخريبه لإعادة بنائه نقيّاً.

 ***

لتغدو الثّورة فعلاً مجدياً عليها أن تبرّر وسائلها لا غاياتها، فالوسائل هي حاضرنا وما يحدّد وجودنا، أمّا الغاية مهما كانت إيجابيّة، فإنّها لم تتحقّق بعد، إنّ الإدعاء بأن الغاية تبرّر الوسيلة هو عنف محض لا ثورة.

  ***

تظل الثورة بلا أمل على الرّغم من انتصارها الحتمي، إذ أنّها تولد من رؤيا للموت المطلق والخواء التام، كذلك تظل الثّورة بلا أمل، لأنّنا لا نأمل إلا فيما لا نملك، ولأن الأمل يتضمّن جهلاً واسعاً فيما يخصّ أهدافنا المتوخاة، ولأنه لا احد يمكنه أن يأمل فيما يكون تحقيقه خاضعاً خضوعاً كاملاً لإرادته.لكن غياب الأمل لا يعني اليأس، وإنما يعني أن نفهم الثورة دون الوقوع في وردية زائفة، أن نفهم الثورة ووهمها في الوقت ذاته..

 

أن نفقد أنفسنا من أجل أنفسنا… هذه هي الثورة.

 ***

لأنّه مقصوص من عباءة الرّبيع العربي، فقد أصبح المستقبل حقلاً جديداً للتّجربة والاستكشاف، لقد أصبح الرّبيع العربي “مجالنا الحيوي”.

 *** 

ينبغي على الثورة – في إحدى لحظاتها – أن تصرف جزء من انتباهها أو ربّما كله، نحو أولئك الذين لا يثورون، بل أولئك الذين هم ضدّ الثورة أصلاً. هكذا فقط تستطيع الثورة أن تصبح كلية، كونيّة، عالميّة، لا تُدحض ولا تُقاوم ولا يتمّ العمل على إفشالها، ليس على الثورة إذن أن تنطلق من ذاتها أو تتوجه أو تخاطب ذاتها فحسب، بل عليها أن تتوجّه إلى نقيضها إلى اللاثورة.

 ***

لكل ثورة بطل، وبطل الرّبيع العربي هو الجسم… تلك البيولوجيا الشّريدة.

 ***  

الثورة… لحظة استثنائية لوعي مختلف.

  ***

على الثورة أن تنفتح بكل ثقلها على الثّقافة، وعلى الثّقافة أن تنفتح بدورها على الثورة. هذا الانفتاح سيكون “ضرورة وجوديّة” أكثر تأثيراً وأكثر فعاليّة من التّحالف الآني الذي مازلنا نراه بين الثّورة والدّين أو بين الثّورة والسّياسة أو بين الثورة ورأس المال.

  ***

ليست الثورة أكثر من نقطة انطلاق، حقيقة أولية، وجوداً خاماً لم يتشكل بعد… وستكون غلطة عمرنا وربما جيلنا برمّته لو رأينا فيها غير ذلك. 


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق