كوريا الشمالية وإيران / بقلم محمد إبرهيم

أعادت التجربة النووية الكورية الشمالية الثانية طرح موضوع الانتشار النووي في ضوء جديد. فها هي بيونغ يانغ تتحدى واشنطن مجدداً على طريق امتلاكها السلاح النووي ولا تجد الادارات الأميركية المتعاقبة سبيلاً للمواجهة.

قبل ذلك اطلقت كوريا الشمالية صاروخاً باليستيا بصورة صاروخ يضع قمراً اصطناعياً، مما عنى انها تطور السلاح ووسيلة “ايصاله”.
في ذلك الوقت أيضاً تصاعدت الاستنكارات المعهودة، ومن كل الجهات، لكن لم يتبع ذلك اي اجراء محدد.

واليوم يُعتبر الاختبار النووي الكوري الشمالي اختباراً للادارة الاميركية الجديدة وطبيعة الرد الذي ستنتهجه، وهي التي اعتبرت ان ما يميزها عن سابقتها الحوار، وليس المبادرات العسكرية.

والخطِر بالنسبة لواشنطن أن طريقة تعاملها مع كوريا الشمالية ستكون بالتأكيد موضع مراقبة من القيادة الايرانية التي يمكن اعتبارها، من الناحية النووية، على الطريق الكورية الشمالية.

والملاحظ ان الدولتين، رغم وجودهما على مسافتين مختلفتين من امتلاك السلاح ووسائل ايصاله، تتشابهان في تسجيل “انجازات” جزئية، تتبعها “استراحات” تُهضم فيها هذه الانجازات تمهيداً للمرحلة المقبلة.

وجزء من المسار النووي هو عدم اغلاق باب التفاوض مع الخصم الأكبر، وانما طرح شروط باستطاعتها، أمام امتناع هذا الخصم عن “ابتلاعها”، تبرير الخطوة التالية التي يكون التمهيد التكنولوجي لها أصبح ناضجاً.

من هنا كان تحذير مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي من أن موضوع منع انتشار السلاح النووي يتطلب مقاربة مختلفة جذرياً، ذلك أن المواجهة العسكرية لم تعد خياراً، لا في مواجهة ايران، ولا في مواجهة كوريا الشمالية.

في الحالة الأولى يتسبب انهيار الوضع الأمني في الخليج والشرق الأوسط عموماً بأضرار تفوق، بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، كل ما يحسب من مخاطر متوقعة لامتلاك طهران “قنبلتها”.

وفي الحالة الثانية تتسبب جيرة كوريا الشمالية، اي الصين وروسيا، في تقييد حرية حركة واشنطن العسكرية، مثلما يقيّدها الخطر الذي يتهدد كوريا الجنوبية نتيجة مواجهة عسكرية مفتوحة بين الشطرين الكوريين.

والعقوبة الجدية الوحيدة التي تتيحها قرارات مجلس الأمن (2006)، والتي تجعل ممكناً اقامة منطقة حظر بحرية إزاء سواحل كوريا الشمالية، قد تشكل بذاتها شرارة لمواجهة عسكرية غير مرغوبة.

لا يبقى أمام واشنطن في الحالتين الايرانية والكورية الشمالية سوى شرب كأس الحوار حتى الثمالة، وفي ذلك اعتراف أولاً بدور كبير للقوى الاقليمية والاقطاب الدوليين الآخرين لم يظهر حتى الآن مقداره في ذهن الادارة الاميركية الجديدة التي تتكلم كثيراً عن الحوار، لكنها لم تتقدم حتى الآن بتصورات محددة تكشف رؤيتها لعالم ما بعد تأزم سنوات بوش.

محمد البرادعي اعتبر اضافة الى كل ذلك ان مقاربة مسألة الانتشار النووي تبدأ من المركز، اي من طريقة تعامل “القوى العظمى” مع اسلحتها الخاصة، ومستقبلها، في تصور ملزم، يمكن ان يشكل غطاءً يمنع القوى الجديدة، بأحجامها المختلفة، من أن تكون لها طموحات نووية.

على هذا الصعيد المطروح أيضاً ابعد من المفاوضات الاميركية – الروسية لخفض الترسانات النووية للبلدين، المطروح برنامج شامل نحو عالم خال من السلاح النووي يشكل منع الانتشار حده الأدنى، ونزع الأسلحة التدريجي حده الأقصى.

هذا التصور لا يزال مثالياً بالطبع، والأكثر واقعية هو عالم يحتفظ بترساناته ويحسّن أدائها فيما تجري لعبة ملاحقة الطامحين الجدد الى أن يصبح وجود السلاح أمراً واقعاً لدى مركز قوة جديدة، فيدخل في منظومة الحسابات الدولية المستقرة.

لكن مشكلة الولايات المتحدة مع الحالتين الكورية الشمالية والايرانية قد تكون مختلفة، فنجاحهما في سلسلة الاختبارات التي تفرض عليهما قد تطلق سباقاً نووياً غير مسبوق لدى مجموعة من الدول المتوسطة الحجم على امتداد العالم. مع كل ما لذلك من نتائج خصوصاً امكان تسرب المواد الانشطارية المشعة الى المنظمات “غير الرسمية” التي تتوقف لاستعمالها في الحواضر الغربية.

الخيارات أمام واشنطن “محدودة”، كما تقول الصحف الاميركية، لكنها قد تكون محدودة بمعنى يتجاوز استبعاد الخيار العسكري، الى محدودية الوسائل السلمية: بين التعاون الاقليمي مع كل ما يستلزمه من تنازلات، والتعاون في ظل الأمم المتحدة مع كل ما يتطلبه من تغيير منتظر في الرؤية الأميركية الاجمالية.

عن جريدة النهار 27/5/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق