كيفية تعاطي الإعلام العربي والغربي مع حادثة “أسطول الحرية” / شتيفاني دوتسير

 

كيفية تعاطي الإعلام العربي والغربي مع حادثة "أسطول الحرية" / شتيفاني دوتسير

هل هم أسلامويون أم مناضلون من أجل حرية؟

ثمة من يعتبره "أسطولاً للحرية"، فيما يرى فيه آخرون أسطولا محملا ًبإسلامويين مستعدين لممارسة العنف. هذه المرة عرضت وسائل الإعلام العربية والغربية الصوَر ذاتها، لكن من زوايا مختلفة. شتيفاني دوتسير في قراءة نقدية لتعامل الإعلام مع هذا الحدث.

"من هاجم من على ظهر السفينة؟، هذا السؤال مركزيٌ للصحفيين الغربيين، بينما هو ثانويٌ للصحفيين العرب"

 قد يبدو للوهلة الأولى وكأنَّ وسائل الإعلام العربية والغربية متوافقة في هذه الحالة الاستثنائية، فالجهتان تعبِّران عن استيائهما لوقوع ضحايا، وتؤكدان على أن الهجوم قد حصل في المياه الدولية، كما تنشر الجهتان الأخبار عن النقد الموجه للممارسات الإسرائيلية والذي عمَّ كافة أنحاء العالم.

هذا بما يخص التشابه. لكن خلف هذه النبرة التي تبدو متشابهةً تتكشف قصص مختلفةً تمامًا عن بعضها البعض. وهنا يظهر بجلاء أنَّ الفجوة لم تعُد قائمةً ببساطة بين وسائل الإعلام العربية من جهة ووسائل الإعلام الغربية على الجهة المقابلة، بل أن جبهة الحرب الإعلامية تمتد غالبًا حتى في نفس البلد، لا بل وأحيانًا حتى داخل هيئة التحرير الواحدة.

بالرغم من ذلك نلاحظ وجود نماذج في السرد طاغيةٍ في الغرب ولا نجدها في العالم العربي إلا نادرًا، والعكس صحيح. مثلاً فيما يخص السؤال: "من الذي هاجم من على ظهر السفينة؟" هذا السؤال مركزيٌ للصحفيين الغربيين، بينما هو ثانويٌ للصحفيين العرب، فالهجوم يبدأ بحسب رؤية هؤلاء في موقعٍ مختلفٍ تمامًا، أي انَّه بدأ لدى البدء بفرض الحصار على غزة في أقصى الأحوال. كما يُلاحظ أن التباينات بين وسائل الإعلام العربية لا تظهر غالبًا إلا عندما يتعلق الأمر بالتحليلات الجيوسياسية، حيث تأتي أخبار وسائل الإعلام الصديقة لإيران مختلفةً عن أخبار وسائل الإعلام التابعة للحكومة السعودية أو المصرية.

حقائق! حقائق؟

أما فيما يخص الحكم على الهجوم الإسرائيلي فتسود وحدةٌ عربيةٌ، حيث يُلاحظ استخدام مصطلحات "مجزرة" و "قرصنة" و"جريمة ضد الإنسانية" في جل الصحف اليومية ومحطات التلفزة. وبينما تكتب الصحف الألمانية مثل "فرانكفورتر ألغيماينة تسايتونغ" أو تاغيز تسايتونغ" وغيرهما أنَّ "تحديد ما حصل بالضبط، لا يزال غامضًا"، نجد الحقائق واضحةً تمامًا من منظورٍ عربيٍ منذ إطلاق سراح الركاب.

ما يصفه الركاب يؤخذ على محمل الجد في الإعلام العربي، والغريب العجيب أنَّنا نعلم من إنغيه هوغير Inge Höger [عضو البرلمان الألماني عن حزب اليسار، شاركت في القافلة] نعلم منها في الإعلام العربي أكثر ما نعلمه منها في الإعلام الألماني.

يرى الصحفيون العرب أنَّ الناطقين باسم الحكومة الإسرائيلية بالدرجة الأولى هم من توجههم مصلحة ذاتية وليس الناشطين، فينطلقون تلقائيًا من أنَّ هؤلاء يسعون لتزوير الحقائق، لذا يتم التنويه أكثر إلى أنَّ الجيش الإسرائيلي وحده من يملك سلطة إخراج الصوَر إلى العلن، وإلى أنَّ أحدًا لا يمكنه التعرُّف على من هم الناشطين ومن هم الجنود في النقاط السوداء في الأفلام التي أعطاها الجيش الإسرائيلي للإعلام بعد أن وضع شرحًا مكتوباً عليها.

هل هناك مشبوهون بين ركاب السفينة مرمرة؟

أما وجود كل الأطياف السياسية بين الركاب السبعمائة، بدءًا بالإسلاميين المحافظين مرورًا باليهود المناهضين للصهيونية وصولاً إلى اليساريين المستقلين، فذلك أمرٌ لا يُذكر في الإعلام العربي أو الغربي إلا فيما ندر. وبينما يرفع المُعلِّقون العرب جميع الركاب إلى مصافي الأبطال المُضحِّين بأنفسهم بغض النظر عن دوافعهم الفردية تجلى في الإعلام الغربي نوعٌ آخرٌ من انزياغ الصورة، فمن يريد أن يُعتبرُ صحفيًا نقديًا، لا بدَّ له من أنْ يتساءل عن "ارتباط هؤلاء بالإسلامويين" وأن يصف منظمي القافلة بالـ "مشبوهين" على الأقل. لكنْ هنا يغيب السؤال الطبيعي في هذا السياق ألا وهو: ما هي أهمية مواقف الركاب السياسية ارتباطًا بالحكم الأخلاقي على الهجوم؟

حتى إن الاختلاف في تغطية أحداث "أسطول الحرية" بدا واضحا جدا بين الجزيرة باللغة العربية والإنجليزية…

 لا أهمية لهذه المواقف من الناحية القانونية لكن أهميتها كبيرة جدًا فيما يخص تكوين الآراء، وبناءً عليه نلاحظ المجادلات الواسعة داخل هيئات التحرير بخصوص التأويلات عمومًا، وهذا الأمر يتجلى للمشاهدين أحيانًا، وبخاصةٍ لأولئك الذين يشاهدون محطتي الجزيرة العربية والجزيرة الإنجليزية. هذا وقد كان ثمانية من عاملي الجزيرة بين الركاب على متن القافلة، لكن التعامل مع ما سردوه جاء بلونٍ مختلفٍ يتعلق بالمحطة. ففي محطة الجزيرة العربية عبَّر الصحفيون الذين أطلق سراحهم عن انطباعاتهم الشخصية، وحمل أحد المصورين اللبنانيين ابنته الصغيرة على يده أثناء حديثه، وروى زميله الموريتاني عن محادثاته مع معتقلٍ فلسطينيٍ طاعنٍ في السن في إحدى زنازين السجن. الأمر كان مختلفًا تمامًا على محطة الجزيرة الإنجليزية، حيث غابات الانطباعات الشخصية، وقد طرح مقدمو البرامج ومعظمهم أولي طابع غربي أسئلةً تقنيةً بالدرجة الأولى من طراز: كيف حصل الهجوم؟ وهل كان هناك أسلحة على متن السفن؟

تسعى محطة الجزيرة للسير بين البينين. إذ بالكاد يمكن احتساب المحطة على المحطات العربية، بل يمكن مقارنة الأداء الإخباري بوسائل الإعلام اليسارية البديلة في أوروبا. هنا يحصل الناطقون باسم الجيش الإسرائيلي على مساحةٍ زمنيةٍ لا تعادلها أية مساحةٍ توفرها أية وسيلةٍ إعلاميةٍ أخرى غير إسرائيليةٍ في الشرق الأوسط. ولكن قد تكون النتيجة أنَّ يقوم المشاهد الناقد لإسرائيل الموجود في الغرب بالتحول إلى محطة "بريس تي في" Press TV التي تبث من طهران وتُقدِّم نفسها على أنها منبر الأوساط الناطقة بالإنجليزية المؤيدة لفلسطين.

إسرائيل تؤذي نفسها بنفسها؟

وكلما كانت المحطة الإذاعية أكثر تأييدًا للفلسطينيين زادت أخبارها عن الاحتجاجات التي عمَّت كافة أنحاء العالم على سياسة إسرائيل ومحاصرتها لغزة. لكن اهتمام وسائل الإعلام الغربية أيضًا بالمظاهرات التي جرت في باريس وفيينا ولندن كان اهتمامًا غير معهود. بيد أنَّ ما يبدو للوهلة الأولى مشتركًا يخفي في طياته مناظير مختلفة عن بعضها البعض تمامًا، فالمعلقون العرب مثل عبد الباري عطوان، رئيس تحرير جريدة القدس العربي أو صحفيو قناة المنار التابعة لحزب الله رأوا في الاحتجاجات تحولاً تاريخيًا وظنوا أن العالم أصبح يصطف إلى جانبهم.

لا بل ويبدو أحيانًا وكأن المأساة قد تحولت إلى نصرٍ بعد الإفراج عن الركاب. حيث نلاحظ توافقًا شاملاً يبدأ بوسائل الإعلام القريبة من حركة حماس ليصل إلى صحيفة الشرق الأوسط الممولة سعوديًا، نلاحظ توفقًا على أنَّ "إسرائيل قد خسرت المعركة الإعلامية" وذلك لأنَّها "لم تقف ضد الفلسطينيين وحسب بل ضد الإنسانية" بحسب ما كتب المصري سيد ياسين في صحيفة الحياة اللندنية.

لعل المعلقون لم يلقوا نظرةً ثقابةً على الصحافة الغربية. حقًا يُلاحظ هناك شبه إجماعٍ على أنَّ إسرائيل آخذةٌ في عزلةٍ متنامية وصورتها تسوء، لكن هناك صوتٌ موحدٌ يقول: "إسرائيل تؤذي نفسها بنفسها"، فينتج عن ذلك رؤية وردت ملخصةً في صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" بقلم بيتر مونش تقول: "بلدٌ تتم معاداته من جهاتٍ كثيرةٍ يحتاج حاجةً قصوى لأصدقاء يعتمد عليهم". إذًا بالكاد يمكن الحديث عن ضغطٍ سياسيٍ فعليٍ على إسرائيل، لا بل أنَّ صحيفة "دي فبلت" قد نصحت إسرائيل من على صفحتها على الإنترنت ببساطة بالتالي: "ينبغي لإسرائيل أنْ تحاصر غزة بشكلٍ أكثر ذكاءً".

وبينما ينشغل التيار العام في الإعلام الغربي باتخاذ مواقف خاصةٍ به تحت شعار: "النقد مقبول، لكن لا ينبغي أن يكون قاسيًا"، يُلاحظُ تشبث الإعلام العربي غالبًا بالعواطف وبترسيخ منطق الضحية وبالاحتفاء حيث لا داعٍ لذلك. وهناك أسئلة منطقية لكنَّ الإعلامين الغربي والعربي على السواء تجاهلاها، مثل: كيف حصل أنْ ذُكِرَ في اليوم الأول أنَّ عدد الضحايا بلغ "على الأقل خمسة عشر" قتيلاً وذلك في كافة أنحاء العالم، ثم تقلص هذا العدد إلى تسعة قتلى في اليوم التالي دون أي تعليق على ذلك؟ أو، بالرغم من التأييد الحار لغزة في العالم العربي، لماذا لا يوجد هناك أيُّ نقاشٍ عن جدوى أو عدم جدوى بعض أشكال الاحتجاج؟

قيل إنَّ الفضل "للشهداء" في لفت انتباه العالم إلى الحصار المطبق على غزة، كما يدَّعي ممثلو حركة حماس. ربما كانت هذه حقيقة واقعة، فلولا وجود قتلى لكان الاهتمام الدولي بالحصار على قطاع غزة ما زال هزيلاً كما كان في السابق. لكنها تبقى فكرةٌ عبثيةٌ ينبغي لها أن تدفع الصحفيين العرب والغربيين إلى المراجعة والتفكير.

 

ترجمة: يوسف حجازي

مراجعة: هشام العدم

 

عن موقع قنطرة 2010 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This