كيف أمكن لتلك الرقّة أن تبذل كلّ هذا التعب؟ حسن داوود

في 24 111985 بعث لي بسّام حجّار برسالة من مدينة ليون الفرنسّية، حيث كان يقيم. كانت تلك رسالته الأولى لي، والأخيرة في ما أحسب. ذاك لأنّه لم يُقم كثيرا هناك، سنة ربّما (أو أكثر قليلا؟) أتخيّله فيها قابعا في مساحة منزل ضيّقة، ولائما إيّاي لأنّي لم أكاتبه كما وعدت. ربمّا كان عليّ أن أعتذر له حين رجع بعد تلك السنة، كأن أقول له مثلا أن لا قِبَل لي بكتابة الرسائل، وأنّ الرسالة الوحيدة التي كتبتها حتى تاريخ 1985 ذاك، هي تلك التي بعثتها لوالدي، من ليون أيضا، أطالبه فيها بأن يعمل مسرعا على إعادتي إلى لبنان، وكان ذلك في 1969.

ولا أعرف إن كان بسّام من كاتبي الرسائل. الأرجح أن ما كان سيعوّقه عنها، وعن إرسالها تاليا، هو الذهاب إلى مكتب البريد. إن لم يكن ذلك من عاداته المشكّلة لطقس يومه، سيكون القيام بتلك التمشية القليلة صعبا عليه. فهو، بسام، كان عليه أن يضيف الشيء إلى عاداته لكي يتمكن من فعله. وهي عادات قليلة على أيّ حال، والسنوات التي تلت لم تزدها إلاّ قلة وندرة.

إنها صورة واحدة تلك التي أتخيّلها له هناك، أو أتخيّله فيها: قاعدا على طرّاحة عالية قليلا، لا على كرسي، ظهره للحائط القريب، الخالي من أيّ صورة أو لوحة قد تزيّنانه، وأمامه تلك الطاولة المنخفضة التي كان سطحها ميدان أنشطته وأفعاله جميعا. ذاك أنّه، ودائما كما كان يتراءى لي، يأكل ويشرب على ذلك السطح المنبسط أمامه، ويرتّب الأوراق ويبري أقلام الرصاص، ويعدّ ما بقي معه من النقود، ويتّصل بمن يعرفهم من اللبنانيين المقيمين في فرنسا، إتصالا واحدا في الأسبوع لكلّ واحد منهم، ويكتب، ويقرأ «الروايات الفرنسيّة التي تكاد، باستثناءات قليلة تتشابه» مادام أنّ «الروائي الذي أخذ جائزة غونكور لهذه السنة كتب رواية هي شبيهة حرفيّا برواية الكاتب الذي أخذ جائزة غونكور عام 1980».

كما كتب في الرسالة أنّه، «هنا»، لا يقرأ سوى روايات ودراسات في التصوّف. ونحن، أصدقاؤه، كنّا قد عرفنا بتعلّقه بقراءة الصوفيين من قبل سفره. أنا كنت أتساءل آنذاك عمّا أوصله إلى ذلك الشغف، عبر أيّ الجسور أقصد؟ ذاك أنّي كنت معتقدا أنّ التصوّف يولَج إليه من عتبة تسبقه، هي الأدب مثلا، العربي تخصيصا وحصرا، أو التاريخ الإسلامي، أو الإسلام … إلخ. وبسام، فيما كنت أحسب، بدأ الأدب من آخر حداثته، ومن كتّاب غير عرب إجمالا.

وقد كان في انغماسه، بما هو أصعب القراءات، متفرّدا ذاهبا في سبيل لم يرافقه أحد فيه. أي أنّ ذلك كان خروجا عن ما يتأسّس فيه رفاق القراءة ويتجمّعون حوله. «لم أعد أحبّ الشعر إطلاقا» قال أيضا، مع أنه في الفقرة التي تلت مباشرة كتب أنّه وجد «عند مروان ديوان السيّاب، أقرأ فيه دائما وأكاد أصبح سيابيا سائبا».

الرسالة التي في ثلاث صفحات ذكّرني جانب منها بـ«المكاتيب» التي كانت ترسلها العائلات في ضيعتنا إلى رجالها المهاجرين. كانت هذه تبدأ بالسلام والتحيّة ولا تعود إليهما إلا في الختام. أمّا المتن، الذي يطول أحيانا، فللتفاصيل العمليّة التي لأجلها تُكتب المكاتيب. متن بسام ذاك، في رسالته، يدور كلّه حول الكتب والكتّاب، عما يقرأه وما ملّ من قراءته، عن الفرنسيين وجوائزهم وعما يترجمونه إلى لغتهم، كما عن تلقّيهم لما يقرأون من أدبنا الذي منه قولهم عن نجيب محفوظ أنّه «بطيء ومملّ ويحتقر المرأة»، فيما «كلّ كتّابهم عادوا يكتبون مثل المنفلوطي (تحت ظلال الزيزفون)». وفي الرسالة أيضا أسئلة لي عن الإصدارات الجديدة في بيروت وعن المقالات في الجرائد التي تخذله إذ لا يرى، بعد أن يشتري الجريدة البيروتية، مقالات للكتّاب الذين يرغب في قراءتهم…

كأن لا شيء يحدث في فرنسا غير ذلك، أقصد لاحياة شخصيّة أو إجتماعيّة ولا صلة بأناس جاءت الرسالة على ذكرهم، ولا تعيين لمكان، مقهى مثلا أو حديقة، أومنزلا حدث لبسام أن سهر فيه. تلك السنة، 1985، لا أعرف أين هي من حياة بسام، أعني من رحلة انتقاله إلى المرارة مغادرا البهجة المصاحِبة لالتقاء محبّي الأدب وإلفتهم بعضهم إلى بعض وسعادتهم بما يشتركون في الإهتداء إليه من كتب الأدب ونصوصه. كنا، في بيت بسام بصيدا، نحتفل بما تعرّفنا إليه، «نحتفل» بالمعنى الحرفي، أي أننا كنا نضحك ونصفّق ونستعذب أن نتكلّم عن نصّ لواحد منا أقرأه للآخرين. وكنا، حين ننزل من بيته إلى الشارع المزدحم، نشعر بتلك الغبطة ناظرين إلى أنفسنا، في مشينا المتفرّق، كأنّنا موعودون بشيء لا بدّ سنبلغه وسنصل إليه.

في سنة «ليون» تلك ربّما كان بسّام في ذلك المفترق بين الزمنين، أو أنّه كان قد قطع شوطا نحو استبدال الغبطة بإيثار العزلة. في رسالته نقرأ المرارة حاضرة مظلّلة كلّ ما ذَكَر وسمّى. «أخوات ال…» قال عن الفرنسيين لقولهم عن نجيب محفوظ ما قالوه. الصحف العربيّة نالت نصيبها من تلك المرارة، وكذلك مسؤولو صفحاتها وكتبتُها. وليس ذلك من دون سبب، طالما أنّ حدّي الزمن متراوحان بين الحرب التي في بيروت والعزلة التي تفرضها فرنسا على المقيم مستوحدا فيها.

سنة ليون كانت السنة التي تداخل فيها وجها بسام. في تذكّره لأصدقائه الذين لازموه ولازمهم لفترات طويلة من الحياة، يحدث للواحد منّا أن يقيم فجوة يضع عند كلّ من حدّيها هيئة وسمتا للصيق الواحد. بسام هناك، في شبابه الأوّل، ليس مثلما هو هنا، في السنوات التي لحقت. في المكتب هنا في الجريدة، وخلال السنوات العشر التي قضيناها معا، في هذه القاعة الواحدة، كنت أسعى، حينا بعد آخر، إلى استخلاص بسام الأوّل من بسام الثاني. وكان عليه هو أن يعطي الإشارة بذلك، أي أن يبدو مبتسماً وراضياً فيما هو يقول صباح الخير. أن يبدو مبتسماً يعني أن يكون مبتسماً. ذاك لأنه، بقدر ما يصعب عليه أن يفعل شيئا لم يسبق له أن أدرجه عادة بين عاداته، القليلة دائما، كذلك كان يصعب عليه أن يظهر بما ليس فيه. في مرّات كنت أوفّق، فتعود تلك الإبتسامة السابقة إياها، جالبة معها ذلك الماضي كلّه. وفي مرّات يبادر هو إلى قرب ومودّة يعيدانني، من فوري، إلى بيته القديم بصيدا.

وقد انقضى الوقت الذي كنّا نسأل بعضنا بعضا فيه عمّا وراء مرارة بسام. صرنا نقول إنّه هكذا هو أو هكذا صار. في أحيان كنّا نقول إنّ ما كان مرّة بهجته بات محبسه وملاذه. ذاك النشاط الذي يجعل يده مسرعة فيما هي تكتب، والذي أتاح له أن يترجم نحو مئة كتاب ويكتب آلاف المقالات، مضن ومهلك. وهو قد يصير قاتلا لمن كانت روحه رقيقة وهشّة مثل بسام الذي آثر، حتى منذ أيّام بهجته، أن يقلّل من المساحات التي يتحرّك فيها جسمه وتهوّم فيها مشاعره.

[ بعد أيام، في السابع عشر من هذا الشهر، تكون قد انقضت سنة على رحيل الزميل، الصديق الشاعر، بسام حجار. بين ما يحتويه هذا العدد من الملحق نصوص كتبت للذكرى.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق