كيف تتشكّل أذواقنا الموسيقيّة ؟

 لو ألقينا نظرة إجماليّة على الوضع الموسيقيّ في الغرب خلال القرن المنصرم لرأينا أنّه لم تكن توجد بالمعنى الحصريّ للكلمة سوى ثلاثة أنواع من الموسيقى : ما نسمّيها اليوم بالموسيقى الكلاسيكيّة، والموسيقى الفولكلوريّة وشكل من الموسيقى الشّعبيّة. كانت هذه الأخيرة موسيقى شتراوس وأوفّنباخ وغيرهما من الموسيقيين المماثلين الّذين اعتُبروا الملحّنين الأوائل لموسيقى شعبيّة، حتّى وإن أعيد اليوم تصنيف هؤلاء باعتبارهم ينتمون إلى الموسيقى الكلاسيكيّة. في أيّامنا هذه، تغيّر الوضع بطبيعة الحال. إذ نجد ثانية الموسيقى الكلاسيكيّة بجميع أساليبها والموسيقى الفولكلوريّة ولكن خصوصا الموسيقات الشّعبيّة أكانت الجاز أو البلوز أو الرّوك أو الكاونتري ويستيرن أو البوب أو التّكنو أو الدّيسكو أو الرّاب أو غيرها، ونجد أيضا أنماطا من الموسيقى ذات مصادر غير غربيّة أكانت شعبيّة مثل الرّايقي أو الرّاي أو أكثر تقليديّة مثل موسيقى جاملون البالينيّة أو الرّاجا الهنديّة أو الجاكاغو اليابانيّة أو الغناء الصّوفيّ.
 خلال القرن المنقضي، كانت الأذواق الموسيقيّة تتشكّل على قاعدة الطّبقة الاجتماعيّة الّتي ينحدر منها المرء. كانت الأرستقراطيّة والبرجوازيّة الصّاعدة في القرن التّاسع عشر تستمع أساسا إلى الموسيقى الكلاسيكيّة والموسيقى الأولى المسمّاة في ذلك الزّمن شعبيّة، في حين كانت الطّبقات الفقيرة تستمع أساسا إلى موسيقى ذات منحى أكثر فولكلوريّة، أو على الأقلّ غير كلاسيكيّة. منذ بداية القرن العشرين، وبفضل التّكنولوجيات الحديثة كالمذياع والتّلفاز والأقراص المضغوطة والوسائط الإعلاميّة المتعدّدة والأنترنيت… نجد أنفسنا أمام وضعيّة مغايرة تماما. فبفضل هذه التّكنولوجيات نشهد توالدا للأنماط الموسيقيّة يحدث قدر كبير منه من خلال الإبداع شبه المنتظم لأنماط جديدة من الموسيقى سواء في الغرب أوفي كلّ مكان في العالم، كما نشهد انتشارا لأنماط موسيقيّة غير غربيّة المنشأ. كلّ مهووس بالموسيقى لم يعد قادرا على الإصغاء وبالتّالي على تذوّق نوع واحد من الموسيقى المرتبط بمنزلة اجتماعيّة مخصوصة. إنّ له إمكانيّة أن يستمع إلى عدد كبير من أنماط الموسيقى دون اعتبار فئته الاجتماعيّة.
 إزاء مثل هذه “الفوضى” الموسيقيّة، على أيّ أساس تتشكّل ذائقاتنا الموسيقيّة؟ إنّ أغلبيّة الدّراسات في علم الموسيقى وعلم الجماليات أو أيضا في فلسفة الموسيقى، باعتبارها من إنتاج أكاديميين، لا تأخذ بعين الاعتبار سوى الموسيقى الكلاسيكيّة وحدها تقريبا وتتجاهل كلّيّا تقريبا ظاهرة الموسيقات الشّعبيّة وخصوصا التنوّع الموسيقيّ الّذي أدّى إليه الوضع في هذا القرن. لهذا السّبب، لم يُنشر شيء مهمّ عن تأثير التّكنولوجيات الجديدة وتكاثر أنماط الموسيقى في أذواقنا الموسيقيّة في القرن العشرين. حتّى البحوث في علم النّفس وإدراك الموسيقى تستخدم أساسا حتّى يومنا هذا مقتطفات من الموسيقى الكلاسيكيّة. ويبدو أنّ الجماعة العلميّة تعتبر أنّ مبادئ الإصغاء إلى الموسيقى الكلاسيكيّة يمكن أن تعَمَّمَ على إصغاء جميع أنماط الموسيقى الموجودة. لا ينبغي أن ننسى أنّ الموسيقات الشّعبيّة هي بالنّسبة إلى عدد كبير من الأكاديميين ليست بكلّ بساطة من الموسيقى. ولقد ذكرت في عمود صحفيّ سابق قولا مأثورا وبالأحرى وقحا للملحّن النّمساوي أرنولد شونبيرغ الّذي قال : “إذا كان هذا فنّا فهو ليس للجميع، وإذا كان للجميع فهو ليس فنّا”. بهذا المعنى، تعني “موسيقى” ضمنيّا عند الأكاديميين “الموسيقى الكلاسيكيّة”. بعبارات أخرى، مازال العلم حتّى اليوم يدرس الأذواق الموسيقيّة وفقا لمقدّمات نظريّة متأتّيّة في قسمها الأكبر من القرن المنصرم، مرتبطة بالموسيقى الكلاسيكيّة الأوروبّيّة، وهي مقدّمات نظريّة لا تأخذ مطلقا بالحسبان التّأثير التّاريخيّ للتّكنولوجيات المعاصرة ولوفرة أنماط الموسيقى الحاليّة.
 دون أن نطوّق الموضوع كلّه بطبيعة الحال، أودّ أن أسمح لنفسي بمحاولة الإجابة باقتضاب على السّؤال التّالي : كيف يبدو أنّنا ننشئ أذواقنا الموسيقيّة، خصوصا بالنّسبة إلى الوضعيّة الحاليّة الّتي هي بالأحرى متفجّرة في أواخر هذا القرن العشرين؟ من الواضح أنّنا حين نتحدّث عن موسيقى فإنّنا نميل إلى تعميم ما نعنيه بموسيقى. فبالنّسبة إلى العلاّمة تحيل الموسيقى بلا ريب إلى الموسيقى الكلاسيكيّة، بينما يرى الفتى المراهق أنّ الموسيقى هي نوع من الرّوك المميّز، في حين أنّ الموسيقى بالنّسبة إلى الفتى الأسود في غيتو أمريكيّ تعني الرّاب. إنّ أذواقنا الموسيقيّة تنشأ في البداية وفقا للوضعيّة الاجتماعيّة الّتي ولدنا فيها، ولكن بصورة خاصّة وفقا لتحقّق الذّاتيّة في قيم ومعتقدات اجتماعيّة مخصوصة. إنّ لشابّة سوداء من غيتو أمريكيّ إمكانيّة أن تصبح نجمة في الأوبرا، في حين أنّ بإمكان ابن ثريّ أرستقراطيّ أن يصبح بسهولة نجما في الرّوك أو البوب. فنحن لا نستحسن نمطا موسيقيّا بما هو في حدّ ذاته بل بالأحرى لما يمثّله لنا. إنّنا بتماهينا مع ما ينقله نمط موسيقيّ على أنّه قيم ومعتقدات اجتماعيّة ومع ما تمثّله هذه الأخيرة سوسيو – ثقافيّا نحدّد هكذا أذواقنا الموسيقيّة، وليس لأسباب جماليّة أو موسيقيّة أو اجتماعيّة محض كما يزعم البعض. نتيجة من نتائج هذا التّماهي هي أنّ جميع أنماط الموسيقى الأخرى يتمّ اعتبارها ونقدها على قاعدة هذا التّماهي. فمن الصّعب استحسان نمط موسيقيّ ينقل قيما لسنا قادرين إزاءها على تحقيق ذواتنا. وهناك مثال جيّد على ذلك هو الرّاب. فهي شبيهة بالجاز أو الرّوك في بدايتهما، موسيقى تريد أن تعبّر علانية عن تمرّد على وضع اجتماعيّ جاحد، بل أجرأ على القول إنّه محبط. إنّه من الصّعب استحسان هذه الموسيقى إذا لم نتماه مطلقا مع هذا النّوع من التّمرّد، إذا تجاهلناها لأنّها بعيدة جدّا عن اهتماماتنا الاجتماعيّة، أو أيضا إذا اعتبرنا أنّها لا تحمل أيّ قيمة مثلا لأنّ تلك القيم معاكسة حقّا لقيمنا. على نقيض ذلك، يصعب على الكثير من شباب الرّاب تذوّق الموسيقى الكلاسيكيّة بما أنّها تحيل إلى موسيقى الأبيض، المضطهِد، الثّريّ وغيرها من القيم المماثلة.
 من جهة أخرى، في كثير من الأحيان تعقد صداقات وتنفكّ أخرى – خصوصا بين المراهقين – طبقا لأنماط الموسيقى المُصغى إليها. فمن المتواتر رؤية فتيانا يتبادلون النّقد بحدّة ويحطّمون صداقات لأنّ عضوا من مجموعة أصدقاء يستمع إلى أنواع موسيقيّة مختلفة. ومع ذلك نعثر على الأمر ذاته بين عدد كبير من الكهول. فمن البديهيّ أنّنا سنفضّل حضور حفلة موسيقى كلاسيكيّة صحبة أصدقاء يحبّون هذا النّوع من الموسيقى على حضورها مع من لا يحبّونها مطلقا. علاوة على ذلك، لن يصغي البعض إلاّ إلى نمط واحد من الموسيقى بينما يصغي آخرون إلى أنماط عديدة منها. فمع تكاثر أنماط الموسيقى صار من الصّعب الاستماع والاستمتاع بنمط وحيد. بيد أنّ الأنماط الّتي نستمع إليها هي إجمالا مختارة بعناية لأنّنا سنستمع إلى أنماط موسيقيّة تنقل قيما سوسيو – ثقافيّة بإمكاننا أن نتماهى معها وتحدّد في قسم كبير هويّتنا الاجتماعيّة. وأولئك الّذين لا يستسيغون إلاّ نمطا موسيقيّا وحيدا يرفضون عموما أن يتماهوا مع قيم أيّ نمط آخر مغاير. إنّ هذا التّماهي مع نمط موسيقيّ مّا يحدث أيضا بالمثل مع فنّان معيّن. وفي هذا الصّدد تسهل ملاحظة التّطرّف : جميعنا نعرف الشّعبيّة الكبرى للمغرمين بألفيس بروسلي، الّذين سيصل بهم الأمر إلى درجة تقليده في لباسه وحلاقته بل إلى إجراء جراحة بلاستيكيّة ليكون التّشبّه به أكبر. نفس الشّيء نلاحظه مع بوي جورج ومادونا ومايكل جاكسون. سيقمع هؤلاء المعجبون هويّتهم الشّخصيّة ليأخذوا هويّة نجمهم. وفي هذا التّماثل توجد ظاهرة خاصّة. إذ يبدو لنا أنّنا قد اكتسبنا الموسيقى الّتي نستسيغها. وعندما نتحدّث عنها نعتبر أنّ هذه الموسيقى الّتي نحبّها هي الموسيقى، هي الفنّ الموسيقيّ بامتياز. إنّ موسيقا”نا” تحدّد ما تكونه الموسيقى بالنّسبة إلينا وتحدّدنا في الآن نفسه بالمقارنة مع الموسيقى في مجملها. وإذا سمح شخص لنفسه بأن ينقدها فمن الممكن أن يمسّ من كبريائنا. ومن الممكن أن نتصرّف كما لو أنّ هذا النّقد كان موجّها إلينا شخصيّا. ومع ذلك، فإنّ الشّيء الوحيد الّذي نملكه ليس هو هذه الموسيقى أو هذا الفنّان بل هو بالتّحديد تماهينا معهما. وكلّما كان هذا التّماهي أكثر عمقا أو حدّة كلّما جعلنا من هذه الموسيقى الموسيقى الّتي اخترناها وعلى أساسها ستتشكّل أذواقنا الموسيقيّة (بالمعنى العامّ للكلمة).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق