كيف توجد لدينا فلسفة ونحن نعلم كل الحقائق سلفاً؟! – مي أبوزيد

تساؤل طغي علي ندوة «مستقبل الفكر العربي» بالمجلس الأعلي للثقافة

ربما من شدة قتامة الحاضر لم يستطع المتحدثون في ندوة “مستقبل الفكر العربي”أن يستشرفوا المستقبل، فاقتصرت كلماتهم علي عرض حال الفكر العربي والفلسفة المصرية بشكل خاص، دون أن يقدموا الجديد.

الندوة أقيمت بالمجلس الأعلي للثقافة مساء الأحد الماضي، وتحدث فيها المفكر الدكتور حسن حنفي والدكتور صلاح قنصوة، وكان من المفترض أن يديرها الروائي بهاء طاهر لكن لتأخره بعض الوقت قام الدكتور أنور مغيث بإدارتها، وقد شهدت حضورا كبيرا رغم وجود ندوة في نفس التوقيت بالقاعة المجاورة عن ” الوضع السياسي في إريتريا”.

الدكتور أنور مغيث تساءل في بداية الندوة: هل مازال الفكر العربي يشغله النموذج الإرشادي المتمثل في اللحاق بالغرب؟ والدكتور حسن حنفي رأي موضوع الندوة موضوعا شائعا لذلك فضل أن يتحدث عن “مستقبل الفكر الفلسفي في مصر”مع الإشارة لرافدي الإبداع العربي وهما الشام والمغرب، وقد اعتبر أننا ظللنا نتهم أنفسنا بالماضوية وبغياب المستقبل، لكنه عاد وأكد أن دراسة الفكر الفلسفي وهو الفكر المنظم والمنطقي، لا يمكن أن تتم بدون تحليل الواقع لارتباط الفكر الفلسفي نفسه بالأوضاع القائمة.

وواقعنا رآه حنفي يشهد ردة في حصيلة قرنين ماضيين من النهضة العربية، ردة علي ليبرالية الطهطاوي وإصلاح جمال الأفغاني وعلمانية شبلي شميل، إلي أن وصلنا للدولة الدينية والفكر الذي يري ان الاسلام هو الحل، وقد أرجع حسن حنفي هذه الردة لغياب مفهوم التقدم ولأننا لم نعش التراكم التاريخي الكافي وتبنينا نماذج غير مكتملة كنموذج الدولة لدي محمد علي والطهطاوي واعتمادنا علي فكرة السلطة( قال الله وقال الرسول وقال التراث الماضي والنظام السياسي)

وتساءل حسن حنفي: “الفلسفة ترتبط بالعلم لكن أي فلسفة يمكن أن توجد لدينا ونحن شعب الحقائق لديه معروفة سلفا؟ والموروث لدينا مقدس؟ كيف نجد الفلسفة في ظل واقع نجد فيه قد كتب علي أحد المطارات العربية إعلان (لا تفكر، فنحن نفكر لك)، وكيف نتوصل لنظريات فلسفية في ظل غياب المناهج الداعية للفكر في الجامعات وغياب مراكز البحث الفلسفي؟ وفي ظل واقع نغني فيه (أعطني حريتي أطلق يدي)؟”.

وقد ربط حسن حنفي مستقبل الفكر الفلسفي في مصر والوطن العربي بقضية حرية الفكر، لكنه – الفكر- مقيد بثلاثة قيود أولها: التركيز علي ما أبدعه الآباء والأجداد” من قال ان المذاهب أربعة فقط؟، من قال إن الاجتهاد يكون بعد الرجوع للقرآن والسنة والسلف؟ ومن قال إن التصوف له طرق محددة؟ أين قيم التمرد والغضب والمعارضة؟”، ويخشي حسن حنفي أن نتخلص من القيد الأول لنقع في الثاني: وهو الانبهار بالغرب بحيث نحرر أنفسنا من القدماء لنقع في قيد المحدثين، ونعتمد علي ثقافة بديلة معاصرة توقعنا في الاستقطاب بين السلفيين والعلمانيين، أما القيد الثالث: فهو أن نظل عبيداً للنص في الوقت الذي تتجه فيه الثقافة الغربية نحو التنظير بالرجوع للواقع .

وقد رأي حنفي أن الحل في التنظير علي أساس الأوضاع القائمة في الوطن العربي، فبما أننا محتلون، فلماذا لا نضع فلسفة للتحرر الوطني؟، وبما أننا فقراء في أوطاننا كمواطنين فلماذا لا نضع نظرية في العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل؟ وبما أننا مجزأون طائفيا وعرقيا لصالح إسرائيل فلماذا لا نضع نظرية في الوحدة الوطنية والعربية؟.

ومن ناحيته أكد الدكتور صلاح قنصوة أن الفكر بشكل عام يحيا في رحم ثقافي معين، وهذا المجال الثقافي يحتوي علي عناصر سياسية واقتصادية ودينية تتغير حسب الحقب الزمنية، وهو التغير الذي يؤثر بدوره علي الفكر الفلسفي، وقد كان ذلك مدخلا يتحدث من خلاله قنصوة عن المراحل السياسية التي مرت بها مصر، فقبل ثورة 1919 كان المصريون يخضعون كرعايا لحاكم آخر، لكنهم بهذه الثورة أدركوا أن لهم هوية مصرية ينبغي التأكيد عليها، أما دستور 1923 فقد أعطي للملك حق إقالة الوزارة وقد استغل الملك ذلك بدون أسباب وجيهة، وما بين فترة 1923 و1952 شهدت مصر أكثر فتراتها ليبرالية في الفكر والمؤسسات، لكن ثورة يوليو جاءت بنوع من الشمولية الكاملة المغلفة بغطاء من الآمال والقضايا القومية وفي ظلها تعرضنا للاعتقال وتفريغ الأدمغة وحكم الجيش، ولهذا تحول المثقفون لمزدوجي الشخصية يعرضون الزيف للناس، وفي فترة السادات سمح للإسلاميين بمواجهة الناصريين، وتحولنا في ظل سياسة الانفتاح إلي مجموعة من الذئاب، أما في الفترة الحالية فلم يقدم فيها النظام شيئا جديدا، لأنه اقتصر علي الاستفادة من ريع حركة الجيش.

ولأن الروائي بهاء طاهر يحمل اعتزازا خاصا بثورة يوليو، فقد عبر عن اختلافه مع الدكتور صلاح قنصوة، معتبرا أن مشكلات مصر في مجال الفكر والفلسفة تعود جذورها إلي ما قبل الثورة، ففي كتابه “الثقافة والحرية.. أبناء رفاعة” ذكر أن الصراع المصري الحقيقي علي مدار قرنين دار بين التتريك والتغريب،التتريك يقصد به الدولة العثمانية التي حولت الشعب المصري إلي قطيع وقسمته إلي طوائف وملل، أما التغريب فيقصد به الحكم الأجنبي لمصر، وقد دفع الوضع الحالي ببهاء طاهر إلي الإفصاح عن تشاؤمه من المستقبل وغياب الحل لديه ولدي الجميع وتأكيده علي أننا في محنة حقيقية تتمثل في لجوئنا للماضي وخضوعنا لسلطة القهر بكل معانيه

نشرت في البديل القاهرية في 02/04/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق