كيف دمّرت سينما القصص المصوّرة سينما الممثل؟ / محمد رُضا

إسمعني: عندك طريق مفتوحة. تمشي فيها. تجد أمامك باباً تدفعه وتدخل. تجد أمامك كرسياً. تجلس عليه. بعد قليل تنتقل الى عالم آخر. عندك في كعب الفنجان، هل ترى ذلك الرجل الطائر؟ أنظر. هناك إسم. دعني أقرأه. كابتن ريكا، كابتن إيكا. لا. كابتن أميركا. الله العليم، قل بعد أسبوع او بعد شهر او بعد سنة.
البصّارة لم تكذب هذه المرّة. نعم هناك فيلم عنوانه “كابتن أميركا”، لكن تاريخ عرضه المقبل سيكون بعد ستة أشهر من الآن حيث سيلعب كريس إيفانز دور الشخصية التي طالعها الأميركيون على صفحات مجلات القصص المصوّرة منذ الأربعينات، أيام كان دخول الصالة لا يتطلّب خطّة اقتصادية، وشراء عشرة كتب أرخص من قراءة كتاب واحد اليوم. هو ليس الفيلم الوحيد المقتبس من شخصيات القصص المصوّرة، بل هناك العديد منها يُضاف الى ما تم إنتاجه حتى الآن. عندك “الدبّور الأخضر”، نقلاً عن حلقات إذاعية في الثلاثينات تحوّلت شخصية لقصة مصوّرة في الخمسينات وليس نقلاً عن مجلة “الدبّور” رحم الله أيامها، و”سوبرمان” جديد و”سبايدر مان 4″ و”باتمان 4″ والجزء الثالث من “أيرون مان” و”كاوبويز والغرباء” و”ثور” و”المصباح الأخضر” و”المنتقمون” من بين أخرى.
طبعاً، لولا نجاح هذا التيّار من الأفلام في السنوات السابقة، لبقينا نتابع ما تيسّر إنتاجه من أفلام البابا والماما: دراميات عائلية او عاطفية او حكايات “أكشن” تقع على الأرض او أفلام بوليسية لا تزال تؤمن بالعقل البشري في حل القضايا المستعصية عوض الجسم العضلاتي الذي تحمله أفلام اليوم.
والحال هذه، فإن ما يتم تأسيسه هنا، هو سيادة الفيلم القائم على سينما القصص المصوّرة، او المنسوج منها. وهي ليست مرحلة متعلّقة بظاهرة من نسيج هذه السنة فحسب. فقبل هذه الأفلام نجحت معظم الأفلام المستمدّة من المصادر ذاتها، سواء أكنا نتحدّث عن “سوبرمان” أم “سبايدر مان” أم “العفريت” أم سواها.
إنه نجاح ملحوظ قوامه الإتيان بشخصيات خيالية خارقة تلتقي جميعها بالقوّة الجسدية او النفسية او الهيمنة الشخصية المطلقة، وتختلف في المواصفات التفصيلية لما هي مصادر هذه القوّة وأشكالها. فكلٌّ منها يطير، وكلٌّ منها يبطش، وكلٌّ منها يستطيع التصدّي لقوى ميكانيكية عاتية او أجهزة صناعية لا ريب في قوّتها، وينتصر عليها، بل ينتصر على أي قوى شريرة معادية تتمتّع بمزايا جسدية وخيالية مماثلة.
الجمهور الحاشد من كوريا الى الكويت ومن إسبانيا الى البرازيل، أصبح واقعاً تحت وله هذه الشخصيات غير الواقعية التي تحل له بضع مشكلات يرتبط بعضها بواقعه. فالتردد العاطفي الذي يمر به بطل “سبايدر مان”، له وجود في حياة كثيرين، والصراع بين الخير والشر بات عنواناً كبيراً لجملة من الصراعات الدائرة فعلياً في منهج الحياة ما بعد الحادي عشر من أيلول، ثم أن الحاجة الى بطل صنديد يكون قادراً على الذود عن الناس الضعفاء (كلّهم في هذه الأفلام ضعفاء) باتت محسوسة ولو أنها تعيش في خلايا الخيال وحده، الذي يترجمها مباشرة الى فعل القبول المباشر، تماماً كما هي الغاية من نشر هذه الحكايات المرسومة في الأساس، والغاية من الأفلام المصنوعة عنها.
لكن في غمار التحلّق حول هذه النوعية من البطولات، يتم تذويب بطولات. فلقد تم تغييب البطل الذي ينتمي الى الواقع قدر الإمكان، ذلك النوع الذي كان يمشي على الأرض، يتّقي المطر، ويأكل في المطبخ. وإذا كان الفيلم بوليسياً فهو الذي تصيبه الشكوك ويلفّه الغموض وتهدده الأخطار. صحيح أن بعضها خيالي في الضرورة، لكنها لم تكن خرافية او فانتازيا شاطحة كما حال بطولات اليوم.
ما يوفّره فيلم القصص المصّورة لمشاهديه، هو نوع من البطولة لا يمكن أن تتم الا بعد الإنعتاق من الشخصية البشرية، لأن هذه مشكوك في قدراتها. فجأةً، لم يعد هناك أمل في تحقيق العدالة الا مع أبطال هم أكبر حجماً من الواقع بأسره. نعم، هذه الشخصيات كانت منتشرة منذ الثلاثينات لكنها لم تكن تتصدّر الأعمال السينمائية على الإطلاق، بل اكتفت بصفحات الثقافة الشعبية، وحين انتقلت الى أفلام سابقة انتقلت ضمن حالات منفردة لم تشكّل، كما هي الحال اليوم، نطاقاً كبيراً من الإنتاجات.
أبطال اليوم، عليهم الخروج تماماً من مظاهرهم البشرية، إسرافاً في تمييزهم عن المعقول، وإبعادهم عن قدرات الإنسان المحدودة.
تبعاً لنجاح هذه الأساطير الخيالية، فإن الخاسر ليس فحسب الممثل التقليدي الذي لا باع له في مثل هذه النوعية من البطولات، بل أيضاً المُشاهد الذي يوافق على عملية استبدال رؤيته لماهية البطولة البشرية وهي قريبة الى حد كاف من تفاصيل الحياة وتعتمد كثيراً على قضاياها وأسسها الأخلاقية والإنسانية، برؤية أخرى مستمدّة من تشكيكه في أن البطولة الإنسانية ممكنة وأن الحل الوحيد هو الحل المستحيل: التحوّل آلة غير بشرية هي التي تتكفّل البطش بالأعداء.
في طيّ هذا القبول الذي أصاب عشرات ملايين المشاهدين حول العالم، فإن دور الممثل الرئيسي أصبح حرجاً. نجاح كلٍّ من روبرت داوني وكريستيان بايل وإدوارد نورتون وبن أفلك وسواهم في هذه الأفلام، هو أعلى بأضعاف من نجاحهم في أفلام “بشرية”. معظم الممثلين، خصوصاً اولئك الذين يعتبرون أن النجاح الجماهيري جزء من فن التمثيل، يجدون أن هذه الأفلام فرص للإنتقال خطوات واسعة ماديّاً وفنياً في عالم الصورة ومستقبلها. وتأتي الحدود الضيّقة لأفلامهم خارج هذا الإطار لتؤكد لهم أهمية اللحاق بالركب وتمثيل أدوار البطولة الخارقة وغير البشرية، تأميناً للنجاح بكل مستوياته ¶

عن الملحق الثقافي – جريدة النهار البيروتية 28-11-2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This