كيف صار هؤلاء إسرائيليّين بامتياز؟ – فاديا سعد

ليس من قبيل الغيرة على القضية الفلسطينية أن يرسل من دعا نفسه بـ (سامي ديفيد) عبر البريد الإلكترونيّ عددا من كتّاب سوريّين وعرب على أنّهم سفراء إسرائيل في العالم العربي كون وزيرة الخارجية الإسرائيلية قد أوصت: “..بنشر مقالات عدد من الكتّاب العرب على الموقع الرسميّ للوزارة باعتبارها “مقالات تمثّل وجهة النظر الإسرائيليّة في العالم العربي” !؟” انتهى الاقتباس من الرسالة المرسلة من ديفيد. وأرفق المدعو ديفيد لائحة الأسماء برابط وحيد http://www.altawasul.com/mfaar/oppeds/op eds- arab writers أتبعه بملاحظة: لأسباب تقنيّة لم يكن بالإمكان إضافة روابط أخرى. وصيغت الرسالة بطريقة بدت وكأنّ ديفيد ينقل خبرا أو يقف موقفا حياديا من موضوع الأسماء السفراء: “..

توجيهات الوزارة ليست إعادة نشر المقالات الجديدة التي كتبها هؤلاء إبّان الحرب، بل جميع المقالات التي نشروها في السابق ضدّ حركة حماس، لكنّ نهاية الرسالة توضّح أنّ المرسل غير حياديّ. أمّا الكتّاب الذين نالوا هذا الشرف، شرف تمثيل وجهة نظر وزارة الخارجية الإسرائيليّة في العالم العربي..أذكر بعض من الأسماء التي جاءت على لسان الرسالة: طارق الحميد ( رئيس تحرير الشرق الأوسط )، عبد الله الهدلق، مأمون فندي، علي سالم، عبد الرحمن الراشد ( السعوديّة / مدير قناة العربية )، لؤي حسين، جهاد نصرة، طارق حجّي، مجدي الدقاق، فؤاد الهاشم، عثمان العمير، حسام عيتاني، حازم صاغية، نديم جرجورة، حمزة رستناوي، جمال عبد الجواد، عبدالمنعم سعيد، هاني النقشبندي، نصير الأسعد، وغيرهم.

إنّ ديفيد، يعرف ماذا يعني إرسال أسماء الكتّاب مع دمغة الشرف الإسرائيليّ في عقل القارئ العربيّ وحساسيّة الموضوع، الآن، فقد عرف عن الكتّاب الواردة أسماؤهم توجّها فكريّا علمانيّا، قبل أن يكونوا مع أو ضدّ الحرب على غزّة. الرسالة المرسلة إشارة واضحة إلى أنّ المعركة القادمة ستدار بطريقة التخوين الوطنيّ بالمطلق، وتصنيف كلّ من لم ينحز إلى صفّ المقاومة بأنّه خائن، وسيكون عليه أن يقدّم كشف حساب بوطنيّته كما هي العادة تماما عندما يخسر أحد الفرقاء جولة في المعركة.
إنّ المعركة القديمة الجديدة المستقبليّة بين طرفين أحدهما يعتقد بأنّ الشهادة طريق إلى النصر حتّى لو كان الشهيد ابن ثلاثة أشهر أخذت أمانته بالقوّة ضمن حسابات احتسبها بالغون، وبين طرف آخر سلاحه الكلمة، إذ أنّ الأسماء المنشورة في هذا الاتّهام الخطير: “سفراء إسرائيل في الوطن العربي” كتاباتهم لا تنتمي إلى أيديولوجية معيّنة لكنّها إنسانية الطابع، ويعتبرون أنّ كلّ قطرة دم أريقت من غير حساب لأهمّيتها هي خيانة للإنسان، ومن مجمل ما يعتبرونه أنّ كلّ شيء خلق لخدمته – الإنسان- بدءا من النظريّات الفلسفية انتهاء بالدين، وليس العكس، إنّ هذه المعركة القديمة الجديدة المستقبلية، ستسفر عن تردٍّ رهيب وابتذال غير مسبوق في التخوين، وقد يكون تكفيرا وتلويحا باغتيالات جديدة لأصحاب الكلمة، فالشارع العربيّ الذي فقد البوصلة منذ زمن في عملية الاحتسابات السياسية سيكون أكثر قابلية لتصديق أي اتّهام يرجم به فريق سياسيّ الآخرين الذين قد يخالفون السائد من الرأي العام.

وعلى سبيل المثال، رفع أنصار حركة حماس في دمشق الشعار التالي: “انصروا الله ورسوله في غزّة”. والجميع يعرف لماذا رفع مثل هذا الشعار، فالشارع الإسلاميّ غير المتحزب تعاطف مع المدنيّين الذين أهرقت دماؤهم بغير حساب، وهذا الكلام لا أكتبه للدّعاية. إنّها الحقيقة كاملة: غيرُ المتحزّبين تعاطفوا مع دماء الأطفال والمنكوبين، وليس إيمانا بالمقاومة على طريقة حركة حماس. إنّ الكتّاب الذين أعرفهم كتبوا ضدّ التطرّف، وضدّ التشدّد، وضدّ من يعتبرون أنفسهم خلفاء الله على الأرض والوكيل الحصريّ له ، وضدّ من يتفرّد بقرار الحرب والسلم بدون مرجعيّة الدولة، كتبوا قبل الحرب بكثير ضدّ من يخوّنون الآخر، وضدّ من يجيّش الرأي العامّ استمراء لأرضيّة خصبة للتخوين في العالم العربيّ، فلماذا سيغيّرون قناعتهم أثناء الحرب؟ وهل هم مسؤولون عن توظيف وزيرة الخارجية الإسرائيلية لمقالاتهم التي كتبت قبل الحرب لصالح معركتها؟ مسؤوليّة من ألّا نعرف إدارة معاركنا الوطنيّة؟

لقد أعلن الجميع في البلدان العربية – العلمانيّون قبل الإسلامّيين والماركسيّون قبل القوميّين والكتّاب والشعراء قبل العامّة- موقفهم: الشجب والاستنكار والتظاهرات ضدّ المجازر التي يمارسها التطرّف الإسرائيليّ على المدنيّين الفلسطينيّين. لماذا لم يخوّن الإسرائيليون كتّابا ورجال دين من جلدتهم كانوا على موقف غير محايد لسياق السياسة الإسرائيلية؟ لماذا لم يرجموا باتهامات من الشرق والغرب؟
لقد وقف الجميع مع الشعب الفلسطيني، وكان ابن الشارع العربيّ غير المسيّس أشرف موقفا للأطفال الفلسطينيين من ساسة وأحزاب زايدوا على دماء الأطفال في غزّة.

أنْ يكتب كتّاب علمانيّون ضدّ التطرّف فلأنّ التطرّف ليس له معركة سياسيّة حقيقيّة، وعلى الذي قاد المعركة السياسيّة باسم الدين – عليه هو- أن يقدّم الحساب.
إنّ مسألة التخوين ليست بجديدة، لكنّ التاريخ يسير للأمام وسيكشف عمّن تلاعب بدماء الأبرياء، ثمّ عاد لحجمه الطبيعيّ، ورسالة ديفيد ليست برسالة خبر أو رسالة حياديّة. إنّها معركة هو طرف فيها خوّن – كما اعتاد الأيديولوجيّون أن يفعلوا- من استخدم عقله ورفض المعركة الخاسرة رغم كلّ ادعاءات الانتصار..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق