كيف قاربت النخبة العربية مفهوم العقلانية الحديثة؟

إذا كانت النخبة العربية قد راحت تغطى على سعى دولتها البائسة التعيسة إلى التكيّف مع العجز، بخطاب عن العقلانية والواقعية، لا يجاوز اشتغال العقل داخله حدود القبول والتسليم بما هو قائم، أو حتى الاستسلام له، ولا يتعدى حضور الواقع، ضمنه، حدود أنه مجرد كيان مصمت لا ينطوي في جوفه على أي إمكانات أو ممكنات تقوم وراء ما يظهر على سطحه الفقير؛ فإن بؤس هذا الخطاب وابتذاله لا يتأتى مما يهبه لمفاهيمه من مضامين ليست فقيرة وجدباء فقط، بل وتمثل انحرافا كاملاً عن الروح الحقة التي تحملها هذه المفاهيم في سياق الحداثة؛ التي تتباهي هذه النخبة بحمل بيارقها. وإذ يتأكد هذا الانحراف عبر تحليل لتلك المفاهيم في خطاب الحداثة، فإن نقطة البدء في هذا التحليل لابد أن تنطلق من ملاحظة التلازم الكامل بين كل من العقل والواقع والتاريخ في هذا الخطاب، وإلى حد أن الواحد منهما يكاد يحدد الآخر، ويتحدد به على نحو مطلق. ولعل ذلك ما تتكشَّف عنه حقيقة أنه إذا كانت الحداثة قد استقرت على تصور الواقع كصيرورة، وذلك انطلاقا من كونه مجرد نتاج لوعى الإنسان وفعله في العالم، واللذان لا يمكن تصورهما أبدا خارج دائرة التجاوز والتخطي؛ فإن ذلك قد فرض تصوراً للعقل هو قوة نفي ورفض لكل وضع قائم يتصوره أصحابه كاملاً ونهائياً؛ وبما يعنيه ذلك من دخول التاريخ كمكون جوهري في بناء كل من العقل والعقلانية. وبالطبع فإن هذا التصور للعقل يتجاوب تماماً مع تصور كل من الواقع كصيرورة، والتاريخ كتجاوز؛ وأعنى من حيث تتجاوب قوة النفي التي ينطوي عليها بناء العقل مع الحركية والصيرورة التي يقوم عليها بناء كل من الواقع والتاريخ.

والحق أن هذا التصور للعقلانية يكاد أن يجعل منها فعل تحرر في العمق. فالتحرر هو، في جوهره، فعل نفي ورفض؛ وذلك انطلاقاً من أنه يبدأ كممارسة إنسانية لا تتوقف، في كافة مناحي النشاط الإنساني، من قول “لا” النافية لوضع قائم يُراد من البشر أن يخضعوا لسطوته؛ وعلى نحو لا تمايز فيه بين “لا” ينطق بها الوعي، أو ينطق بها الوعييى بمثل ما هو الحال في الإسلام الذي أشعل ثورته في العالم من “لا” السالبة التي يبتدئ المرء فعل انتسابه إليه من الإقرار بها (وأعنى “لا إله إلا الله”). فالتحرر هو جوهر ما يتغياه كل من الوعييي والوعي؛ اللذان يكمل الواحد منهما، أو الوعي، عمل الآخر، وهو الوعييى، والعكس أيضاً. وابتداء من كونهما فعلى نفي ورفض، فإنه يمكن المصير إلى جوهرية التماهي بين العقلانية والتحرر؛ وإلى حد إمكان اعتبار العقلانية هي فعل تحرر في الجوهر. والحق أن العقلانية قد انبثقت في سياق الحداثة الأوروبية كممارسة تحررية تتصف بالشمول والكلية؛ وذلك من حيث لم تقف عند حدود “الإنسان” الذي أدرك الوعي أن سعياً إلى تحريره وتأكيد مركزية حضوره وسلطانه في العالم، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر توسيع مجال التحرر ليشمل أيضاً كل من الطبيعة والمجتمع والتاريخ التي كان عليها أن تتحرر جميعاً- في موازاة تحرر الإنسان- من قبضة الوهم وسلطان الخرافة. وهكذا فإن الوعي حين كان يحرر نفسه، كان يحرر غيره (كالطبيعة والمجتمع والتاريخ)؛ وأعنى من حيث راح يرتفع بها إلى مستوى المعقولية، وذلك عبر الكشف عن نظام العقل الكامن فيها، والذي بدا أنها جميعاً إنما تنبني بحسبه. ولعل شمول فعل التحرر على هذا النحو، يكشف عن الطبيعة الجدلية، وغير الصورية، لتلك العقلانية التي بدا أنها لا تنبني على تصور للعقل هو بمثابة جوهر أو أقنوم جامد بحسب ما تصوره القدماء، بل على اعتباره ممارسة مفتوحة لا تكف عن الاغتناء والنماء؛ وبما يعنيه ذلك من تاريخيتها. فالعقل في الحداثة هو مشروع مفتوح وتكوين، وليس جوهراً أو معطى جاهز ومكتمل.

لكن ثمة معضلة حقة تجابه هذه العقلانية. وهي معضلة تتأتى من أن هناك في بنائها العميق ما تنطوي عليه، ولكنها- في الآن نفسه- تناضل ضده، مما يتعارض مع هذا الجوهر التحرري القائم على النفي الذي لا يتوقف. إنه ما تنطوي عليه من السعي إلى “الهيمنة”؛ الذي يستلزم تثبيتاً لوضع ما على نحو يعطل اشتغال قوة النفي والتخطي الدائم. ويتأتى هذا السعي إلى الهيمنة من أن نفي “وضع ما” ورفعه، إنما يؤول إلى فتح الباب أمام انبثاق “وضع بديل”؛ وذلك ابتداء مما أكده هيجل من “إن كل سلب أو نفي هو- أيضاً- تعيين ووضع لبديل في العمق”. وبالرغم من أن هذا الوضع البديل لابد أن يكون- بحسب منطق العقلانية- موضوعاً للنفي والرفع، فإنه قد يحدث أحياناً أن تسعى قوى بعينها إلى تثبيت أوضاع ما، وبالطبع مع ضرورة الوعي بأن مثل هذا السعي يمثل انحرافاً عن روح ومنطق العقلانية، التي تبادر، هي نفسها، بالنضال ضده. وعلى أي الأحوال فإنه يبقى أن العقلانية قد تبلورت، في سياق الحداثة، مسكونة بالتوتر بين قوة النفي من جهة، وبين السعي إلى الهيمنة من جهة أخرى. وغنيُّ عن البيان أن هذا التوتر القائم في قلبها، إنما يرتبط بحقيقة أن العقلانية، وكأي مشروع ينبني في قلب عملية تاريخية، لابد أن ينطوي على جوانب متعارضة، أو حتى متناقضة. لكن المهم هنا أنها تسعى إلى رفع ما يتعارض من هذه الجوانب التي تنطوي عليها، مع جوهر اشتغالها ومنطقها التحرّري.

وهكذا فإن معضلة العقلانية هي نتاج كونها مشروع مفتوح قيد الاكتمال، وليست جوهراً أو معطى مكتمل (وأعنى بذلك تصورها كبناء صوري ينتصب أولانياً، وكأدنى ما يكون إلى المعيار الذي يتميز به ما هو عقلي من اللاعقلي). فهذا السعي إلى الاكتمال لا يتحقق في فضاء شفاف خالٍ من أي معاندة، بل يجرى في مواجهة عوائق تجد معها العقلانية نفسها مشتبكة مع بعض ما تكون، هي نفسها، قد وضعته في لحظة سابقة ما، ثم تناضل ضده بعد ذلك، ومن دون أن ينطوي ذلك على أي تناقض لأن العقلانية هي مشروع تاريخي يحقق اكتماله عبر تجاوزها لذاتها، وليست جوهراً معطى أولانياً يمثل الخروج على ما يفرضه تناقضاً؛ وبما يعنيه ذلك من أنها ليست عقلانية تماهي مع الذات، بل مجاوزة لها بالأحرى1. فالعقلانية كجوهر، هي فقط ما تفرض وتضع أولانياً- وككل جوهر بالطبع- ما يُعد الخروج عنه تناقضاً، ولكنها كمشروع لا تفرض، بل تضع ما يصبح رفعه، بمثابة نوع من التجاوز، وليس التناقض. ومن هنا إمكان المصير إلى أنه إذا كانت تاريخية العقلانية هي أصل معضلتها، فإنها تكون باب الانفكاك من أحابيلها كذلك؛ وأعنى من حيث لا يكون منها مجرد الوضع والإنشاء فحسب، بل والدفع إلى التجاوز أيضاً. فإذ العقل- والعقلانية بالتالي- ليس معطىً مطلقاً، بل هو تكوين تاريخي، فإن ذلك يعنى أن ما يضعه العقل، من معارف وفلسفات وأنظمة ومؤسسات، ليس مطلقاً ونهائياً بدوره. بل إنه يكون تكويناً تاريخياً مشروطاً بجملة سياقات يفقد معقوليته خارجها؛ وبما يعنيه ذلك من أن العقل ذاته سرعان ما يكتشف حدود ما كان قد وضعه في لحظة ما، بل ويدرك ما ينطوي عليه هذا الذي كان قد وضعه هو نفسه، من جوانب تفقد مع التطور معقوليتها، ويتجاوزها إلى وضع جديد يكون هو الأكثر معقولية من وضع سابق عليه، وليس أبداً على نحو مطلق. إذ العقل إنما ينعكس على نفسه، ويتجاوز ذاته على نحو دائم. ولهذا فإن كل ما يضعه هذا العقل في لحظة ما باعتباره الأكثر معقولية مما كان سابقاً عليه، لابد أن يفقد بعض هذه المعقولية، أو حتى كلها، في مسار التطور الذي لا يكف فيه العقل عن تجاوز نفسه أبداً. إن ذلك يعنى أن اللاعقل يدخل في تركيب العقلانية، ولا يمكن اعتباره مجرد نقص يقوم خارجها؛ وعلى النحو الذي يؤكده ما أشار إليه هيجل من أن الخطأ هو جزء من تركيب الحقيقة. وإذ يحيل ذلك إلى استحالة مقاربة العقلانية كنموذج أو جوهر جاهز قابل للاستنساخ في غير سياقه الذي انبثق فيه؛ وبما يعنيه ذلك من ضرورة بناء العقلانية في قلب عملية تاريخية لا تكف فيها عن النضال ضد واقعها، ومن أجله، بل وضد نفسها أيضاً، فإن ذلك يكشف عن بؤس المقاربة العربية للعقلانية الحديثة؛ وأعن من حيث تنبني (هذه المقاربة) على تصورها كجوهر ثابت يمكن نقله2، وليس كمشروع تاريخي لابد من بنائه في قلب معركة تدور رحاها على أرض واقعها الخاص.

ولعل أهم ما يؤول إليه هذا الإنبناء، الذي يكون فيه التاريخ جزءاً من صميم بناء العقلانية وماهيتها، أن تثبيت ما يضعه العقل في لحظة ما على أنه وضع مطلق ونهائي، وينبغي أن يخضع له البشر، هو في جوهره ممارسة لا عقلانية، لأنها تستمسك بما لابد أن يتجاوزه العقل، وتطمح إلى تثبيته كوضع نهائي ليس له أبداً ما بعد. وإذ يبدو وكأن هذه الممارسة تنحاز لمبدأ الهيمنة على حساب قوة النفي التي تكاد تتحدد بها العقلانية الحديثة؛ فإنها وبقدر ما تفارق حدود العقلانية، فإنما لتضع نفسها- وبالقدر ذاته- في قلب الإيديولوجيا بما هي وعى زائف وغير مطابق لمنطق كل من العقل والواقع. ومن هنا ما يمكن للوعي أن يمسك به من أن ما عُرف بالعقلانية الوضعية؛ التي انطوت على التسليم بما هو قائم باعتباره واقعة نهائية لا سبيل إلى مناطحتها وإزاحتها، لم تكن في حقيقتها أكثر من قناع إيديولوجى تحارب به التيارات المحافظة، في الفكر الأوروبي، معركتها، أو- بالأحرى- معركة الرأسمالية المتوحشة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وذلك في مواجهة قوى النفي والثورة التي حافظت على وفائها لجوهر العقلانية التحررى3.

فلقد أدركت الرأسمالية أن الأساس الفلسفي الذي أنجزت بفضله إنتصارها على الإقطاع، والقائم على تصور العقل كقوة تحرير ورفض، والواقع كصيرورة، والتاريخ كتجاوز، لابد أن يؤول إلى تقويض مسعاها إلى تثبيت نفسها كوضع نهائي لا يُقاوم ولا يقبل التخطي والتجاوز، فراحت تتوسل بالوضعية لتهبها أساساً فلسفياً تفلت به من المصير الذي تراه متربصاً بها. ومن هنا “إن الوضعية قد يسَّرت، على قول ماركيوز، استسلام الفكر لكل ما هو موجود، ولكل ما لديه القدرة على الاستمرار في التجربة؛ حتى لقد ذكر مؤسس الوضعية صراحة أن لفظ “الوضعي” الذي كان يصف به فلسفته يتضمن تعليم الناس أن يتخذوا موقفاً إيجابياً (لا نقدياً) من الوضع السائد. فالفلسفة الوضعية تستهدف تأكيد النظام القائم ضد أولئك الذين أكدوا الحاجة إلى نفيه؛ وذلك عبر “تعليم الناس أن نظامهم الاجتماعي يندرج تحت قوانين أزلية لا يجوز لأحد أن يخالفها، وإلا كان مستحقاً للعقاب”4. وتبعاً لذلك فإن ماركيوز لم يتورع عن القطع بأنها مجرد “دفاع إيديولوجى عن مجتمع الطبقة الوسطى (المهيمن)، كما أنها تحمل بذور تبرير فلسفي للنزعة التسلطية” وإلى حد أنه “يندر- على قوله- أن نجد في الماضي فلسفة (كالوضعية) تطالب بمثل هذا الإلحاح، وبمثل هذه الصراحة، بأن تُستخدم في حفظ السلطة القائمة وحماية المصالح الموجودة من كل هجوم ثوري”5. بل إن الأمر قد تجاوز مجرد ذلك إلى تحولها إلى ما يشبه اللاهوت الجامد؛ ومن هنا ما جرى المصير إليه من أن “المذهب الوضعي هو المذهب الكاثوليكي بدون المسيحية”6 (وهنا يُشار إلى أنه قد جرى بالفعل التبشير بها كديانة جديدة). وإذ تفقد الوضعية، هكذا، جوهر ما يميز أي عقلانية حقة، فإنها تصبح مجرد إيديولوجيا، لا تملك من العقلانية إلا مجرد زخارفها الصورية. وللمفارقة فإنها قد أُجبرت، حين أخذت موقعها في عالم الإيديولوجيا، على أن تحمل سمات “المرحلة اللاهوتية”، التي تقول هذه الوضعية نفسها أنها قد أحالتها إلى مجرد ذكرى غابرة في تاريخ الإنسانية.

وهكذا فإن العقلاني العربي الذي يستعير، في دفاعه عن دولة البؤس الراهنة، تلك الوضعية، لا يفعل إلا أن يستعير مجرد إيديولوجيا، ذات سمات لاهوتية، استخدمتها القوى المحافظة لتغطية مواقعها (الإيديولوجية) في مواجهة الروح الحقة للعقلانية، وهو حتى في هذه الاستعارة يظل وفياً لماضويته الأصيلة التي جعلته يتكأ على شيء من مخلفات القرن التاسع عشر. والحق أن الأمر لا يقف عند حد الوفاء للماضوية، بل ويتجاوز إلى ما يبدو من أن استعارته لتلك العقلانية الوضعية البائسة، إنما يتجاوب مع حقيقة الدور “التسلطي”، وليس “التحرّري”، لما يُقال أنه العقلانية العربية؛ وذلك ابتداء من تحيزاتها السوسيوسياسية المضمرة. فإذ يرتبط الدور التحرري للعقلانية، بعقلانية تخوض معركة ضد المجتمع، ومن أجله؛ أعنى من أجل تحريره من قبضة الخرافة التي يجرى استعباده باسمها، فإن العقلانية العربية لم تزل تحارب معركتها التعيسة ضد المجتمع، ولكن لا من أجل تحريره، بل من أجل تثبيت مواقع نخبة مهيمنة لا تقبل التخلي عن امتيازاتها السياسية والاجتماعية، بل وتعمل على تحصينها من خلال ما ترفعه من شعارات العقلانية المبتذلة. وبالطبع فإنها لا يمكن أن تكون معركة العقلانية الحقة، بقدر ما هي – وبامتياز- معركة الإيديولوجيا الرثة7. والحق أن تحليلاً سوسيوسياسياً للعقلانية العربية، إنما يكشف عن نخبويتها الضيقة من جهة، وبما يترتب على ذلك من عزلتها وهشاشتها التي كان لابد أن تتأدى بها- وكما هو حاصل بالفعل- إلى التبعية الكاملة للدولة من جهة أخرى. ولعل ذلك يرتبط بأن خطاب الحداثة العربي قد تبلور، ومنذ البدء، بوصفه خطاب دولة، لا خطاب مجتمع.

وهكذا فإنه وحتى إذا راح البعض يجادل بأن أصداء تلك الوضعية تتردد (كعلامة على استعادتها لعافيتها) في أجواء اللحظة الراهنة من خلال مفهوم “النهاية” التي راحت تطال كل شيء ابتداءً من التاريخ، وحتى الإنسان والعقل والمثقف والإيديولوجيا8، فإنه يبقى أن الدور الوظيفي الذي يلعبه هذا المفهوم في تثبيت دعائم إيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي يتعرض العالم الآن للقصف- تحت أعلامها الزاهية- من غلاة اليمين الأمريكي المحافظ، يؤول إلى أنه ليس من جديد يطال خطاب العقلاني العربي التعيس حين يثرثر عن نهاية التاريخ، بينما لم يبدأ التاريخ بالنسبة له بعد. وأعنى من حيث أنه يظل، واعياً أو غير واع، متعبداً في محراب الإيديولوجيا؛ وهو الذي لم يكف- للمفارقة- عن الثرثرة بأن عصر هذه الإيديوجيا قد انتهى إلى غير رجعة، وأنه قد عرف أخيراً فضائل العقلانية وحكمتها، بعد أن غابت طويلاً عن عالمه؛ الذي كان يرزح تحت وطأة الطيش والرطانة والديماغوجية. وهنا تنبثق المفارقة زاعقة من حقيقة أن من يتصورون أنفسهم يحاربون معركة العقلانية في مواجهة الإيديولوجيا التي يتحدثون عن مسؤوليتها عن تخلف بلدانهم، لا يفعلون حقاً إلا أن يُحصِّنوا مواقع الإيديولوجيا التي ينحازون إليها؛ والتي اختلفت عن سابقتها المرذولة، بأن أصبحت إيديولوجيا للسكون والرخاوة واللذة والإشباع؛ وهي الإيديولوجيا الناعمة التي تليق حقاً بنخبة تدخل طور الترف، المؤذن- بحسب التحليل الخلدوني البارع- بخراب العمران وانهيار الدولة.

ولسوء الحظ فإن الأمر لا يقف عند حدود هذا الوجه الإيديولوجي الفاضح لتلك العقلانية العربية (وهو الوجه الذي يفضح لا علميتها، بل وحتى- للمفارقة- لا عقلانيتها)9، بل ويتعداه إلى ما تنطوي عليه من ضروب الانحياز التي يستحيل إخفاءها والتغطية عليها. فإن ثمة ما يمكن اعتباره ضربٌ من الانحياز الإعلائي الذي يجرى فيه تسييد الغرب على حساب المجتمعات الوطنية التي تصبح موضوعاً لضرب من الانحياز الهجائي أو الإنحطاطي. فالغرب، في خطاب هذه العقلانية، هو نهاية التطور، وذروة العقلانية والكمال؛ وبحيث يستحيل تماماً تصور أن يقوم خارجه ما هو أكمل منه أو أكثر رقياً. وليس من شك في أن هذا التعالي بالغرب إلى فضاء المطلق غير القابل للمجاوزة، كان لابد أن يتأدى إلى لزوم انصياع الآخرين لكل ما يفرضه، بوصفه وضعاً نهائياً لا يقبل السؤال أو المناقشة. ومن هنا أن ما تنبنى عليه العقلانية العربية البائسة من التسليم بما هو قائم، يكاد هو نفسه أن ينبنى على إقرار النخبة العربية بوضع الغرب السيادي، وغير القابل للتحدي. وضمن سياق هذا الانحياز للغرب، فإنه يبدو وكأن ثمة الانحياز داخل هذا الغرب لما يبدو وكأنها قوى الهيمنة في مواجهة قوى التغيير والثورة. فقد بدا أن دعاة العقلانية العرب لا يكتفون بالانحياز للعقلانية الأوروبية كنموذج جاهز لابد من التفكير به، بل وينحازون داخل هذه العقلانية لواحد فقط من المبدأين اللذين يحددان جوهر بنائها؛ وأعنى الانحياز لما يفرضه مبدأ الهيمنة على حساب ما يضعه مبدأ السلب. لكنه يلزم التنويه بأن هذا الذي ينحازون إليه من السعي إلى تثبيت وضع قائم وترسيخه، مما يفرضه مبدأ الهيمنة، لا يتكشَّف عندهم عن السعي إلى تثبيت وضع الهيمنة لأنفسهم، لأنهم لا يعرفون مثل هذا الوضع إلا من موقع المفعول به، وليس من موقع الفاعل أبداً، بل يكشف عن استسلامهم لوضع الخضوع والتكيّف مع العجز؛ وبما يمكن أن يعنيه ذلك من أن المنطق الذي تفكر بحسب مبادئه هذه النخبة، كان لابد أن ينتهي بها إلى الانحياز ضد مجتمعاتها في النهاية.

وبالفعل فإن تلك المجتمعات هي ، في خطاب هذه النخبة، موضوع دائم للهجاء والتبكيت؛ وأعنى من حيث لا تظهر تلك المجتمعات في الخطاب إلا كفضاء لتوالد الوهم والطيش والخرافة واللاعقلانية وغياب المنطق. إنها- في كلمة واحدة- مجتمعات الانفعال والهوى، في مقابل ما يتحلى به السادة في الغرب من المنطق والحكمة والواقعية. ولسوء الحظ فإنهم كانوا هنا أيضاً يستعيدون من مخلفات القرن التاسع عشر، ولكن ليس وضعيته هذه المرة، بل مفردات القاموس الهجائي والانحطاطي التي بلورها خطاب الاستشراق ضد المجتمعات الشرقية على العموم. وحين يدرك المرء أن هذا القاموس الهجائي قد ارتبط بتبرير واقع الهيمنة الاستعمارية على تلك المجتمعات، فإن انهماك نخبة البؤس الراهنة في الثرثرة بمفردات هذا القاموس إنما يحيل إلى تحولٍ في موقفها من مجرد الانحياز إلى عقلانية الغرب، إلى الانخراط في مشروع تبرير هيمنته؛ وهو العمل الذي يبدو، من فرط حماس النخبة في أدائه، أنها لطالما انتظرته وحلمت به طويلاً. ولعلها أرادته لما يتيحه لها في سياق الخيبة والهزيمة الذي لا تعرف سواه- وعبر ما يهبها من إمكانية التناهي مع الغرب الذي لا يعرف الهزائم- فرصة أن تتذوق يوماً طعم الانتصار، حتى ولو كان انتصارا على مجتمعاتها بالذات10. والملاحظ أن ثمة ما يبرر أن تكون هذه المجتمعات موضوعاً للانتقام والثأر؛ وأعنى بسبب سعيها إلى الانفلات من قبضة هذه النخبة ودولتها التي يبدو أنها تستشعر الآن، وأكثر من أي وقت مضى، أنها قد بلغت نهايتها حقاً، وآن لها أن تصبح- ومعها نخبتها الرثّة- من مخلفات ماضٍ لن يكون إلا موضوعاً لازدراء أجيال العرب الآتية، الذين يبدو أنهم لن يرثوا منهما؛ أعنى من الدولة والنخبة، إلا محض التعاسة والخيبة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق